ثقافة “الجمهور عايز كده” هل يصنعُ الإبداعُ جمهورَه أم يخضعُ لأهوائه؟! تفكيكُ واقع الرّداءة في الثقافة العربية
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
شاعت في عالمنا العربي بالذات مقولة تعبر عن فكرة تتمحور حول أنه يجبُ تلبية طلبات الجمهور والخضوع لرغباته في كل ما يتعلق بقضايا الفن والثقافة وغيرها، لأنه يريد هذا ويرغب به، حتى لو تعارض مع قيم الجمال والمنطق والذوق والذائقة القيمية الأخلاقية.
ولا شك أن هذه الفكرة تستدعينا بحسب منطوقها الرغبوي هذا، للرد والنقد.. وهو نقد يطال عموم الخطاب الثقافي والفني والإعلامي العربي المعاصر.
إن عبارة “الجمهور عايز كده” ليست مجرد شعارٍ تسويقي، بل هي تمثل ربما أحد أخطر الأقنعة الثقافية – الفلسفية التي اختبأ خلفها واقع تدهور الذائقة العامة لمجتمعاتنا العربية في العقود القليلة الأخيرة. لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن هذه العبارة – في غالبية استعمالاتها العربية – قد تكون كذبة كبرى، أو على الأقل نصف حقيقة مُضلِّلة.. وهي تُستخدم ليس لتكريم إرادة الجمهور، بل لتبرير كسل الفواعل المرتبطة بالمسألة الثقافية والفنية من المنتجين، وهروب المستثمر، وتحييد الناقد، وتكميم صوت المثقف من قبل حرّاس القيم الجدد..!!.
ومن أجل تفكيك هذه الفكرة، وتحليلها، نحتاج إلى مناقشتها من عدة زوايا وجوانب: فلسفية، نفسية، اقتصادية، تاريخية، وأخلاقية.
- الجانبُ الفلسفي “الجمهور” ليس كائناً واحداً، ولا يريد شيئاً واحداً:
عندما نقول “الجمهور عايز كده”، فإننا نرتكب مغالطة اختزال كبيرة.. فالجمهور ليس كتلة صماء ومصمتة متجانسة ذات طابع وروحية ووعي وذائقة واحدة على طول الخط؛ إنه (أي الجمهور) أرخبيل من الطبقات والأعمار، والمستويات التعليمية، والأذواق النفسية، والقابليات الروحية.. فهل “الجمهور” الذي يريد أغنية المهرجان هو نفسه الجمهور الذي يملأ صالات الأوبرا في أيام العيد؟!.. وهل “الجمهور” الذي يتابع مسلسلات الـ 30 حلقة في رمضان هو نفسه الجمهور الذي يقرأ روايات نجيب محفوظ وغيره من رموز الرواية العربية؟!.. وهل الجمهور الذي تراكض لمشاهدة مسلسل مكسيكي تافه – كانت تخلو الشوارع من المارة عند بثه – هو نفسه من كان يحضر حفلة لأم كلثوم كانت تغني فيها أغنية طربية واحدة؟!..
في الواقع، الصناعة الثقافية الناجحة لا تبحث عن “الجمهور” كوحدة، بل هي التي تصنع جمهورها. فشركة نتفليكس، مثلاً، لا تسأل “ماذا يريد الجمهور؟”، بل تسأل: “ما هو الجمهور الذي لم نكتشفه بعد، ونود ضمّه لمشاهدتنا؟” ثم تنتج محتوى لخَلْقه. أما قولنا “الجمهور عايز كده” فهو – في أحد جوانبه – إعلان عن فشل الإبداع في خلق جمهوره الخاص.. فالصناعة الثقافية باتت لا تمنح الجمهور ما يريده ويرغب به، بل تعطيه ما يمكنه استهلاكه دون جهد عقلي، ثم تعيد تسمية هذا الاستهلاك بـ “الرغبة”.
2- الجانب النفسي.. هل يريد الجمهور الرداءة فعلاً؟ أم أنه يتعامل مع “خيار افتراضي”؟:
هنا تكمن المفارقة النفسية العميقة. فعندما يُعرضُ عليك خياران فقط: مشاهدة فيلم مبتذل، أو لا شيء، فستختار المبتذل.. لكن هذا لا يعني أنك “تريد” المبتذل؛ بل يعني أنك ربما يئست من وجود البديل الجيد المقنع..!!.
النظرية النفسية هنا تقول: إن الجمهور يستهلك ما يُتاح له، لا ما يريده بالضرورة. فإذا امتلأت الشاشات بالمحتوى الهابط، اعتاد عليه الجمهور (الألفة مع العادة حتى لو كانت خطأ)، ثم تطورت العلاقة إلى “تبني نفسي” لهذا الهابط كدفاع عن خياراته، (لأن النفس البشرية لا تحب أن تعترف بأنها تضيع وقتها في شيء أو على شيء تافه منحط). وهكذا يتحول الهابط إلى “تقليد” و”موضة” و”عرف” للأسف، ويصبح المنتجون في منأى عن النقد: “انظروا، إنهم يشاهدونه، إذن هذا ما يريدونه!!”.
3- الجانب الاقتصادي.. “الجمهور عايز كده” هي عبقرية التوفير لا عبقرية الإبداع:
دعونا نكون صريحين، ونقول بأنه من أجل الوصول إلى إنتاج عمل ذكي، جميل، ومحترم، لا بد من وجود:
– وقت أطول للكتابة غير محصورة بزمن أو شهر أو موسم.
– أبحاث أكثر من باب الدراسة والتمحيص والتدقيق.
– ممثلين ومخرجين موهوبين.
– مخاطرة مالية.
أما العمل على إنتاج عمل هابط، مليء بالصدامات اللفظية، والمشاهد القاسية والمؤلمة والمستفزة، أو الأغنية التي تعتمد على إيقاع واحد وكلمات مبتذلة، فهو أرخص وأقل كلفة وثمناً، وأسرع في الوصول لأنه يدغدغ المشاعر الخارجية الغرائزية السريعة، وأضمن للربح السريع.. فلماذا يخاطر المستثمر؟!. هنا، تصبح عبارة “الجمهور عايز كده” تبريراً اقتصادياً وليست حقيقة ثقافية.. إنها ترجمة عربية فجة للمقولة الرأسمالية، “أعط الجمهور ما يريد”، والتي تعني في الحقيقة، أعط الجمهور الشيء الذي يكلفنا أقل، ويحقق لنا أعلى المبيعات والإيرادات.
4- الجانب التاريخي- هل كان الجمهور العربي “عايز كده” منذ زمن طويل أم أن الأمر جديد؟:
في الإجابة نقول، لا. لم يكن الجمهور العربي خاضعاً لتلك المقولة.. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي (العشرين)، كان هذا الجمهور نفسه يستهلك أعمالاً لعمالقة كبار من الفن مثل: يوسف وهبي، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، فيروز، الرحابنة (عاصي ومنصور)، صلاح أبو سيف، يوسف شاهين، سعاد حسني، عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم وبليغ حمدي وغيرهم.. وكانت هذه الأعمال تتحدى الجمهور، وتصعده، وتضعه أمام أسئلة وجودية وسياسية واجتماعية، ومع ذلك كان الجمهور يُقبل عليها بشغف.. بمعنى أنها كانت تجعل الناس تفكر وتتأمل وتحرّك أحاسيسها..!!.
فهل تغيرت البيولوجيا البشرية للعربي خلال 50 عاماً؟! أم أن بنية الإنتاج والملكية هي التي تغيرت، بحيث باتت الغاية هي الربح والاستهلاك والمتعة السريعة؟!.
حقيقة، لقد تحولت الثقافة من مشروع وطني تنويري إلى سلعة في السوق، ومن صنّاع لديهم فكر ورسالة إلى مجرد مستثمرين يبحثون عن عائد سريع ليس إلا.. فالقضية ليست محصورة إذاً في “الجمهور”، بل في من يملك وسائل إنتاج الثقافة خاصة الفنية منها.. وهذا ما ينطبق ليس فقط على الفن والثقافة للأسف، بل على كل مجالاتنا الحياتية الأخرى..!!..
5- الجانب الأخلاقي- هل من واجبنا إعطاء الجمهور ما يطلبونه، أم ما يستحقونه؟:
هنا يكمن أصل وجوهر السؤال الأخلاقي، فإذا كان الطبيب يُعطي المريض ما يطلبه (من مسكنات دوائية مثلاً)، بدلاً مما يستحقه (علاج السبب والعلّة المرضية)، فهو طبيبٌ فاشل وغير مؤتمن على مريضه، لأن سلوكه هذا قد يتسبب لمريضه بمشكلات صحية أكبر، ويبعده عن طريق العلاج العلمي الصحيح.. والأمر نفسه ينطبق على رجل الإعلام والفنان والكاتب والمثقف وغيرهم من فواعل المجتمع.
ما العمل؟ وأين الحل؟
للأسف، نقولها بمرارة، لم تعد الرداءة في الثقافة العربية المعاصرة مجرد زلة أو هفوة عابرة، بل أضحت حالة وظاهرة مع تحوُّلِها إلى صناعة عصرية قائمة بذاتها، وسمة بنيوية عاكسة لأزمة عميقة في منظومة المعرفة والقيم والأخلاق.. فالمحتوى الفكري والفني الأصيل يتراجع تدريجياً لصالح أعمال هزيلة فاقدة للعمق والمعنى، لا تُغذي العقل ولا تثري الروح، مستجيبةً لذوق سطحي وطاقة استهلاكية متعجلة تبتغي إرضاء الذات الشهوية ليس إلا..!.
إنها ظاهرة ما زالت تترسخ بفعل عدة عوامل، منها التعليم الجامد البعيد عن وظيفته النقدية وتنمية التفكير الإبداعي الابتكاري، والإعلام الفج الذي يقدّم المتعة السريعة على حساب الرسالة الثقافية، وقيم اجتماعية تحولت إلى سوق للشعبوية والعشوائية فكراً وعملاً، حيث تطغى الأصوات الصاخبة على أصوات العقلاء.. إضافةً إلى تأثير العولمة التي استوردت منها الثقافة العربية الأشكال دون المضامين، والمظاهر دون الجوهر، مما عمّق الفجوة بين هوية حية وراهن مضطرب تتكرس فيه المحتويات الفنية والثقافية التافهة التي صعّدت وسائل التواصل شخصياتها السطحية إلى واجهة المشهد العام، وهم بمعظمهم بلا أدنى علم وكفاءة ووعي ومسؤولية ومعرفة وقيم إنسانية. إنهم التطبيق الحرفي لثقافة “الجمهور عائز كده”، ثقافة تتدفق بسيل هائل من الصور والمعلومات والمضامين المبتذلة والمستهلكة بلا عمق ولا معرفة ولا معنى..!!.
وهنا يكمن واجب النخب الواعية في إصرارها على المعاني الكبرى، والقيم الأصيلة المؤسسة.. إن النخبة الثقافية في أية دولة أو مجتمع ناجح لا تنفصل عن الجمهور، ولكنها تسبقه بخطوة أو أكثر.. هي ليست نخبة مغلقة تعيش منقطعة ومنعزلة لوحدها في برجها العاجي، بل هي جسر تواصلي حيوي يمد يده للناس والجمهور في محاولة رفعه إليها، لا أن تنزل إليه وتتسخ معه في الوحل الرغبوي الاستهلاكي السلعي.. وهذه ليست نخبوية فاقعة أو “شوفة حال” على الناس، بل عملية تصحيح للوعي وإعادة ضبط للمسؤوليات، وتركيز على المعاني والغايات الكبرى التي تغطت بأستار من أوهام الرغبات المبتذلة..!!.
وهذا هو أيضاً دور النخبة الحقيقية الواعية والتي هي بمثابة طبابة حضارية.. ومسؤوليتها الدائمة تكمن في أن تضع نفسها رهناً لخدمة الجمهور، ليس من باب خدمة أهوائه اللحظية وما يشتهيه ويرغبه، بل في خدمة مصالحه العميقة التي قد ينساها أو يتناساها أو ينحرف عنها.. والجمهور أحياناً لا “يعرف” ما يريد؛ لأنه لا يعرف ما هو ممكن ومفيد وهادف وذو معنى.. هنا تأتي مهمة المثقف والفنان في ضرورة توسيع أفق التوقع، وتعليم الجمهور متعة الجمال الصعب، ومتعة الفكرة المعقدة.. أما من يقول “الجمهور عايز كده”، فهو يتنازل عن رسالته، ويبيع ضميره الثقافي، ويعلن فشله في التأثير والحضور الفاعل.. والنتيجة هي أن فكرة أو ثقافة: “الجمهور عايز كده” هي جريمة في حق الجمهور نفسه قبل أن تكون جريمة بحق صاحبها والفاعل الأساسي فيها.
وهذه العبارة ليست دفاعاً عن الجمهور (كحق له)، بل هي إهانة له، وتشكيك في وعيه وقيمه وقناعاته.. لأنها تفترض أنه فاقد للإرادة، وغير قادر على التمييز، وغير قابل للارتقاء، وغير مستحق للجمال.. وهي بهذا تُنتج جمهوراً مريضاً، مدمناً على الجرعات السريعة، ثم تحتج بـ “انظروا، هو فعلاً عايز كده”..!!. إن الجمهور ليس هو من يقرر ما يستحق، بل جودة ما يُقدم له، فهي التي تصنع جمهوراً واعياً أو جمهوراً مستهلكاً. وإذا استمررنا في إعطائه الرديء باسم “رغبته”، فسنظل نصنع ذلك الجمهور الذي نستحق، وليس الجمهور الذي يستحقنا..
وإن لم نمنح الجمهور الجرعة التي يحتاجها ثقافياً، فسيموت ثقافياً وقيمياً، وسنمُت نحن بعده ثقافياً أيضاً. وسنقول في النهاية: “لقد كان الجمهور عايز كده”، ونحن من قتلناه بالرضا والخضوع لرغابته الأولى.
