ماذا بين المثقف والإعلامي؟
بقلم غسان عبد الله
العلاقة الجدلية القائمة بين الثقافة والإعلام، بين المثقف والإعلامي توحي لي دائماً كلما قرأت كتابات المثقفين والإعلاميين العرب تحديداً عن هذه العلاقة، أنها على شفير معركة..
ثمة حالة انتقامية تسود العلاقة بين الطرفين تجعل المثقف حينما يطال السلطة يتعامل مع الإعلاميين بوصفهم خدم في بلاطه الوهمي بل يصل الأمر حدّ التصريح العلني فيقول بشوفينية بالغة إن الإعلامي يجب أن يكون في خدمة المثقف.
وما أن يمسك الإعلامي زمام أمور السلطة – وهو السائد – حتى يبدأ انتقامه من المثقفين عبر جلدهم واحداً واحداً ومحاولة ابتزازهم مرة عبر حجب أضواء الإعلام عنهم ومرات عديدة من خلال فتح النار عليهم بأقلام مستأجرة يقف خلفها أرباع مثقفين نضبت قريحتهم فلم يبقَ لهم سوى رصيد من المفردات التي لا تنفع سوى كخناجر تغرس – بثمن – في خاصرة المبدعين.
فيما لم أجد في البحث حول هذه العلاقة سوى فرص رصينة لتقاطع جميل بين فنون الكتابة الصحافية وفنون الكتابة الإبداعية، سيتيقن السياسي أنه في مأمن من أن تحدث هدنة ما بينهما تقلقه على سيطرته على الرأي العام أو تزعجه بمطالبات جادة بالحريات.. بالمعنى العميق والجوهري للحرية، على الرغم من أن المثقف يعي تماماً أهمية الرأي العام في تغيير الواقع وتأثيره على السياسي وأن الإعلامي هو الوحيد القادر عبر وسائل متعددة إعلامية من إيصال الخطاب الثقافي إلى أوسع قاعدة ممكنة من الناس التي تتيح لنا تسميتهم: “رأي عام مؤثر”، يصر المثقف على موقفه المتعالي في حواره الهش مع الإعلامي.. أقول حوار لئلا أقول جدل عقيم لا يليق بالقرن الواحد والعشرين.
كما لو أنني أنتصر للإعلامي على حساب المثقف وألغي أهمية الكتاب كمؤثر بالغ الأهمية في وجدان الرأي العام، أو أتعسف مع حقيقة أن القصة والشعر مجتمِعَيْن هما الوسيلة الإعلامية الأولى التي عرفها الناس في البدايات، قبل الصحف والنشرات والمجلات، وبالتأكيد قبل هذه الآلة الخارقة للإعلام الحديث، وأغفل جانب أن المحتوى الثقافي في الصحافة هو المصدر الأهم لبريق الوسائل الإعلامية على اختلافها، ليس هذا الفهم دقيقاً لما آل إليه البحث الخاص بالعلاقة بين الثقافي والإعلامي وإلا لكنا اعتبرنا الطرح الجدلي الذي اشتهر به أحد المفكرين الأوروبيين في القرن العشرين في تشخيص واقع الثقافي والإعلامي حينما قال بأن علينا النظر للصحفيين بوصفهم المثقفين الجدد وأن السلطة الفكرية انتقلت من الجامعة إلى الإعلام.
إذن هذه العلاقة الموغلة في التعقيد كانت تحتاج لكي تعود إلى رشدها كما نراها اليوم في أوروبا إلى مواجهة صارمة، تبنّاها المفكرون الأوروبيون في القرن الماضي بكل قوة وتبصّر ليضعوا حدّاً لنزاع لم يستفد منه سوى الأنظمة الفاسدة والسياسيين.
يقول أحد الباحثين إنه حينما يذهب المبدع والمثقف إلى الإعلام عليه أن يشعر بأنه ذاهب لفتح نافذة على الشمس، فعزلة المثقف وانصرافه إلى عمله بمعزل عما يجري – على الرغم من قداسة الطقس إبداعياً وجمالياً – إلا أنه لم يعد ممكناً بالمعنى الخالص، فالعدالة والتحديث والتنوير والحرية كمشاريع محركة للإبداع لدى الكتاب والمثقفين لها ضرورة وأهمية فيما هو عام ويومي، عبر هذه الرؤية البحثية المقترحة يصبح انفتاح المثقف على الإعلامي نوعاً من تسريب أشعة الشمس وهذا وصف مريح للعلاقة بين الوحشين.
