فضاءات فكرية

أخلاقُ المهنة وإنسانية الرسالة: الطريق إلى وجود ذي معنى في ضرورة تكامل الأخلاق والإنسانية والعقيدة لبناء إنسان متكامل

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

ولهذا يمكن القول بأن العالم الإنساني ككل، يقوم على عدة مرتكزات ودعائم أساسية، قد يتغير اسمها من ثقافة لأخرى، ومجال حضاري إلى آخر؛ وقد تظهرُ بصور مختلفة متنوعة حسب الزمان والمكان، لكنها في الجوهر والمضمون الفكري والمعرفي، تظل واحدة، وكأنها أعضاء جسد واحد لا يستقيم له أمر إلا بتكاتفها وتكاملها.

وهذه الدعائم هي:

  • القيم الأخلاقية الجوهرية.
  • والالتزام العملي الذي يترجم هذه القيم إلى أفعال.
  • ثم المعنى المتعالي الذي يمنح الحياة والجهد الإنساني غايتهما العميقة.

ولا شكَّ بأنَّ انفصالَ أيّ ركيزةٍ من تلك الركائز عن الأخرى، أو تغليب واحدة على حساب البقية، يخلقُ خللاً في منظومة الوجود، ويجعلُ الأفعال فارغة من مضمونها، ويحوّلُ الإنجازات الكبيرة إلى واجهات برّاقة بمضامين لا جدوى منها ولا قيمة لها، تعلوها أضواء الشهرة والاعتراف، لكنها في العمق خاوية، تفتقر إلى الروح التي تجعلها جديرة بأن تُسمى إنسانية.

ولمزيدٍ من الإيضاح هنا سنضربُ المَثَلَ التالي من حياتنا جميعاً، وهو حول الطبيب ومهنة الطبابة ورعاية صحة الناس.. فهذا الإنسان الذي يحملُ على كتفيه رايةَ مهنةٍ هي في الأصل رسالة قبل أن تكون وظيفة أو وسيلة للكسب.. ولهذا لا تُقاس القيمةُ الحقيقية للطبيب بشهاداته العليا التي حصل عليها في دراساته وخبراته، ولا حتى بدقة يديه الجراحية التي قد تثير الاستحسان والإعجاب، ولا بسعة معرفته الطبية التي يستطيع أنْ يرتل تشخيصاته، وكأنه يقرأ من كتابٍ مفتوح.. القيمة الحقيقية تكمن في شيء آخر، إنه في الأخلاق والجوهر الأخلاقي الإنساني التي يحملها معه في نفسه وسلوكه؛ إنه في الرحمة التي تظهرُ في عينيه حين ينظر إلى إنسانٍ مريض، في شعوره بالمسؤولية الإنسانية التي تدفعه إلى أنْ يكونَ أكثر من مجرد محلل للأعراض، مراقب للمرض.. لأن الطبيب الذي يخلو من الأخلاق ليس سوى آلة تشخيص متطورة، مهما بلغ علمه.. بل هو أخطر من ذلك بكثير.. فمعرفته التي يفترض أنها أداة للشفاء، قد تتحول – في حال غاب الضمير الحي – إلى سلاح خطير، سواء كان ذلك عن قصد أو بسبب اللامبالاة والجفاء أو سيطرة الحس المادي على قراراته. إن الطبيب الأخلاقي هو ذلك الذي يرى في المريض إنساناً يعاني، لا حالة سريرية يُطبق عليها بروتوكولاً جامداً، ويحصّل مقابله أجراً مادياً.. هو من يضع كرامة الإنسان ووجعه فوق كل اعتبار مهني أو مادي، ويعتبر وقته وجهده ومعرفته وقفاً على التخفيف من آلام البشر، لا وسيلة لرفع رصيده البنكي أو اسمه في المجلات العلمية.

لكن الأخلاق والقيم الأخلاقية وحدها، حتى لو كانت نبيلة وصادقة، تبقى كالسفينة التي تجدف بلا دفة إن لم يرتبط بها معنى أعمق للحياة. وهذا المعنى هو البوصلة التي تحدد للإنسان وجهته، وهو ما يمنح الأخلاق ثقلها الفعلي في الواقع. سواء كان هذا المعنى دينياً قائماً على علاقة مع الخالق، أو إنسانياً بحتاً ينبعُ من الإحساس بكرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة، أو قائماً على قيم عليا مستمدة من تراث فكري أو فلسفي. المهم أنْ يكونَ معنى أسمى يتجاوز الذات اليومية، لأن الأخلاق تصبح – في غياب مثل هذا المعنى – مجرد اتفاقيات بشرية نسبية، قابلة للنقض والتعديل حسب الظروف والمصالح والمنافع. وحينَ يرتبطُ عمل الطبيب بإيمانه العميق بقيمة الحياة وقداستها، أو بإنسانيته التي توقر الإنسان ليس لأنه مسلم أو مسيحي أو غني أو فقير، بل لأنه إنسان فقط (نظيرٌ لك في الخَلْق بتعبير الإمام علي عليه السلام)، يصبح عمله عندئذ عبادة وممارسة سامية في آن واحد. أما إذا انفصلت الأخلاق عن هذا المعنى الكامن في الوجدان، فإنها تتحول إلى مجرد مهارة إجرائية خالية من الروح، أشبه بجسد حي يفتقد النبض.

ونحن إذ ننتقل من حديث الفرد إلى الحديث عن نتاج فكره ومجهوده المجتمعي، نجد أن الشهادة التي يفاخر بها الإنسان كثيراً، والتي تنال قدراً كبيراً من الاحترام في مجتمعاتنا، ليست في حقيقتها مجرد قطعة ورق، ولا دليلاً على اجتياز مراحل تعليمية. لا، قيمة الشهادة الحقيقية تكمن في مضمونها الإنساني العملي، في قدرتها على أن تتجسد في سلوك صاحبها كقانون أخلاقي حي ينبض بالحياة والمشتركات القيمية الإنسانية. فالشهادة التي تُنال وتُستخدم في بناء الإنسان وتطوير حياته، هي شهادة تبقى قيمتها حية، أما تلك التي تصبح غاية في حد ذاتها، وتذكرةً للاستعلاء على الآخرين، أو وسيلة لتحصيل المنافع المادية فقط، فهي شهادة فارغة، برّاقة من الخارج لكنها خاوية من أي معنى حقيقي. وليس هذا في الطب وحده، بل في كل مجال من مجالات الحياة العملية، فعند المهندس الذي يخططُ للبنى التحتية، والمعلم الذي يربي أجيالاً، والقاضي الذي يفصلُ في الحقوق، والحاكمُ الذي يديرُ شؤون الناس. الشهادة الحقيقية هي تلك التي تحملك على أن تكون أكثر التزاماً، ووعياً، ومسؤولية إنسانية، لا أقل.

والقانون هنا ليس فقط التشريعات الوضعية التي تضعها المجالس النيابية أو تفرضها السلطة، بل هو مبدأ النظام، والعدل الذي يقوم عليه أي مجتمع يستحق أن يُسمى مجتمعاً.

والعقيدة، بمعناها الواسع، ليست بالضرورة مجموعة من الطقوس أو الممارسات التعبدية الجامدة، بل هي المنظومة القيمية الراسخة التي تضفي على كل جهد إنساني معناه العميق في الوجود. العقيدة في سياقها الأخلاقي الإنساني هي نبع القيم الذي يستمد منه الفرد والمجتمع مبادئهم، وهي التي تحول علاقاتهم من مصالح آنية إلى روابط أخلاقية دائمة.

العقيدة الحقيقية هي التي لا تفصل بين الإيمان بالله والإنسانية، بل تراهما وجهين لعملة واحدة، وتجعل من خدمة الإنسان قربةً إلى الله وأخلاقاً في الأرض. هي التي تمنع الإنسان من الوقوع في وهم أن النجاح المهني أو التقدم التقني يكفي وحده لجعل الحياة جديرة بالعيش، وتذكره أن وراء كل إنجاز مادي روحاً ومعنى.

إنّ الإنسانية المتكاملة – في نظري – هي التي لا تُجزئ الإنسانَ إلى جسدٍ وروح، ولا تفصلُ بين العلم والأخلاق، ولا تفرّقُ بين النجاح المهني والالتزام الإنساني. هي ترى في كل فردٍ، سواء كان طبيباً يعالج، أو مهندساً يبني، أو معلماً يربّي، أو حاكماً يسيّر ويدير ويشرف، تجسيداً لهذه الرؤية المتكاملة أخلاقياً وقيماً ومعاني إنسانية وافرة. وأي إنجاز ينفصل عن الأخلاق والالتزام الإنساني يصبح أشبه ببناء شاهق شُيد على رمال متحركة، يبدو رائعاً من بعيد، لكنه سرعان ما ينهار عند أول هزّة بسيطة، وأي جهد يخلو من معنى وجودي يتحول إلى عبثية، وإرهاق، ودوران في حلقة مفرغة لا طائل من ورائها.

بعد كل هذا التأمل، يبقى القول إن الأخلاق – كمبادئ وقوانين للحياة – هي جوهر العمل الإنساني، والإنسانية هي غايته، والمعنى الوجودي هو الطاقة التي تمدّه بالحياة. فطبيب بلا أخلاق ومعنى للحياة، لا يعدو – مهما بلغت مهارته وشهرته – أن يكون تقنياً ماهراً، لكنه ليس إنساناً بالمعنى الإنساني العميق. وشهادة بلا إنسانية وقانون، مهما كان اسمها لامعاً، تبقى مجرد ورقة، لا تحمل في طياتها قيمة حقيقية. وحياة بلا عقيدة وأخلاق، مهما تزينت بالمظاهر، تظل رحلة تائهة، بلا وجهة واضحة، وبلا هدف يمنحها النور.

نعم، إن ما يملكه الإنسان – الطبيب أو المهندس أو المعلم أو حتى الأمّي – من مال وممتلكات هو عوارض زائلة، لا تضفي على صاحبه قيمة جوهرية. فكم من أغنياء يعيشون فراغاً روحياً، وكم من فقراء يملؤون الدنيا ضياءً أخلاقياً. والمعرفة، على أهميتها، ليست غاية في ذاتها؛ فالعلم دون أخلاق قد يكون سلاحاً مدمراً. والإنجازات مهما عظمت، تبقى محصورة في سياقها الزمني وقد تطوى صفحاتها مع الأيام. أما الميثاق الأخلاقي الإنساني، فهو ذلك النسق الثابت من القيم والمبادئ التي تنظم علاقة الإنسان بربه، بنفسه، بغيره، وبالكون من حوله. إنه الجسر الذي يصل بين السماء والأرض، فيوازن بين الروحانيات والماديات، وبين المثاليات والواقعيات. وهذا الميثاق ليس اختراعاً بشرياً طارئاً، بل هو سنن كونية وفطرية، أقرتها جميع الشرائع والحضارات.

وعندما يكون الإنسان – بصرف النظر عن شهادته وعلمه ومهنته ونجاحاته – وفياً لهذا الميثاق، يكون قد حقق التوازن بين الروح والجسد. فالروح تتوق إلى المعاني السامية والقيم النبيلة، والجسد يحتاج إلى إشباع حاجاته المادية. والميثاق الأخلاقي يمنح الإنسان القدرة على التوفيق بين هذين البعدين، فلا يطغى الجسد على الروح فيغرق في الماديات، ولا تهيمن الروح على حساب الجسد فينفصل عن واقعه. إنه تحقيق للإنسانية المتكاملة التي تعترف بكل أبعاد النفس البشرية.

كما أن هذا الميثاق هو الوسيط العادل بين الفرد والمجتمع. فالفرد بحكم طبيعته الاجتماعية لا يمكنه أن يعيش منعزلاً بنفسه ومتقوقعاً على ذاته، والمجتمع لا يستقيم إلا بأفراد يتحلون بالفضائل الأخلاقية. والوفاء بالميثاق يعني أنّ يدرك الفرد حقوقه وواجباته في آن، وأنْ يسعى لإسعاد نفسه دون أن يكون ذلك على حساب الآخرين، وأن يعمل لخير المجتمع دون أن يضيع حريته وقيمته الوجودية كإنسان مسؤول. إنه تحقيق للعدالة الاجتماعية التي لا تقوم على الموازنات المادية وحدها، بل على الروابط الأخلاقية التي تجعل المجتمع كياناً عضوياً متعاوناً.

وهذا الميثاق ليس جامداً، بل هو حي ومتجدد، يتسع لاستيعاب مستجدات العصر دون أن يفقد جوهره. فالقيم الأخلاقية الأساسية كالصدق والأمانة والعدل والرحمة هي ثوابت لا تتغير، لكن تطبيقاتها تتطور بتطور الظروف. والوفاء بها يعني أن يكون الإنسان حاضراً في زمانه، متفاعلاً مع قضاياه، دون أن يتنازل عن مبادئه الجوهرية.

إن هذا الميثاق هو ما يمنح الحياة معناها، والإنسان كرامته، والمجتمع استقراره. وبدونه، تتحول الحياة إلى غابة يتصارع فيها الأقوياء، وتصبح القيم مجرد شعارات براقة تخفي وراءها أنانية مقنعة. وبوفائه، يصير الإنسان ذلك الكائن المتميز الذي يرقى بنفسه ويخدم غيره ويعمر الأرض، محققاً رسالته التي من أجلها خلق.. وهذا ما يحصل اليوم في عالمنا البشري حيث تنتشر الصراعات والحروب وتجتاح العالم الفتن والاضطرابات، فلا استقرار ولا سكينة ولا أدنى وعي ومسؤولية حتى لدى الحكام الكبار ممن يعتقدون بأنهم قادة العالم الحر..!!.

وعلى الرغم من كل ذلك، يبقى الميثاق الأخلاقي هو المعيار الفارق بين الوجود الإنساني الشكلي والوجود الإنساني الجوهري. فليس كل من ينتمي للجنس البشري إنساناً بالمعنى الأخلاقي للكلمة، بل الإنسان الحقيقي هو من يسمو بأخلاقه على غرائزه، ويرقى بقيمه على مصالحه، ويجعل من ضميره البوصلة التي ترشده في بحر الحياة. إنه وحده من يظفر بتلك البشرى التي لا تحتاج إلى برهان، وهي أنه عاش حياته محققاً لرسالة الإنسانية، رافعاً لواء الخير، مؤسساً للعدل. وهذا هو الفوز العظيم الذي لا تضاهيه مكاسب دنيوية، لأنه يتصل بالأبدية التي لا تفنى، وبالجوهر الذي لا يزول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *