الأبعاد الجيوبوليتيكية لزيارة الرئيس الصيني إلى مصر
بقلم توفيق المديني
تحمل زيارة الرئيس الصيني شي جينغ بينغ إلى القاهرة، رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود مصر والصين، من حيث توقيتها ومجالات التعاون الكبيرة بين البلدين، في وقت تتسع فيه المنافسة الصينية الأمريكية على النفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتمثل فيه مصر إحدى المحطات المهمة للتنافس.
لا تعد زيارة الرئيس الصيني لمصر استعراضاً للصداقة والتبادل التجاري فحسب؛ فمصر تمثل منصة لعرض حضور الصين في منطقة يتراجع فيها النفوذ الأمريكي. فقد استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، نظيره الصيني شي جينغ بينغ الذي وصل إلى القاهرة بعد اجتماع قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، الذي عقد في قرغيزستان، حيث التقى فيه مع الرؤساء التركي والروسي والإيراني.
وتعتبر زيارة الرئيس الصيني للقاهرة، الأولى من نوعها منذ 10 أعوام، وذلك في محطة إستراتيجية لمتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الشاملة المبرم بين مصر والصين عام 2014، وفي ظل تحولات اقتصادية وأمنية إقليمية ودولية متسارعة. وكان الرئيس الصيني قد زار القاهرة في يناير/كانون الثاني عام 2016، بينما زار الرئيس المصري الصين 8 مرات منذ توليه منصبه في عام 2014، كان آخرها في مايو/أيار 2024.
الشراكة الاقتصادية بين الصين ومصر
في عام 2014، وقّعت مصر والصين اتفاق شراكة إستراتيجية شاملة لتعزيز التعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والسياسية والاستثمارية. وذكرت الرئاسة المصرية -في بيان – أن الزيارة تأتي في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، ومتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الإستراتيجية الشاملة المبرم بين البلدين قبل 12 عاماً، فضلاً عن التشاور بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتكتسب الزيارة الجديدة أهمية خاصة، إذ تأتي في وقت يسود فيه التوتر منطقة الشرق الأوسط بسبب حرب إيران الدائرة منذ 6 أشهر، وقبلها حرب غزة، وفي لحظة يسعى فيها الطرفان إلى ترسيخ التعاون الاقتصادي والمواقف السياسية المشتركة.
تنظر الصين إلى مصر بوصفها شريكاً تجارياً واستثمارياً مهما في منطقتي العالم العربي وأفريقيا، وتتمثل أهم مجالات التعاون الاقتصادي في الأمور التالية، إذ تستثمر بكين في مشروعات عدة بقطاعات مختلفة في مصر. وذكرت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر (حكومية) أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 20.78 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2025، مقابل نحو 17.37 مليارا في عام 2024، بنمو بلغ نحو 19.6%.
ووصفت الهيئة الصين بأنها الشريك التجاري الأكبر لمصر في السلع غير البترولية، وقالت إن قيمة الصادرات المصرية إلى الصين ارتفعت لتسجل 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.
لكن أهم جانب هذه المرة في المباحثات المعمقة بين الجانبين هو ما يتعلق بالاقتصاد الرقمي، وتحديدا صناعة مراكز البيانات، لما يمثله ذلك من أبعاد اقتصادية، وأخرى متعلقة بأمن المعلومات”، لافتاً إلى أن هذا الملف شغل حيزا واسعا من جلسة المباحثات المشتركة الموسعة.
فقد جاء في البيان المشترك المصري الصيني الصادر عقب جلسة المباحثات الموسعة بين الجانبين في قصر الاتحادية بالقاهرة، ما يلي: أوضح البيان المكون من 21 بندا، في بنده السادس، أن الجانبين اتفقا على العمل من أجل تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة التعاون في بناء الحزام والطريق، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بجانب تشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر، في مجالات عدة بينها الاقتصاد الرقمي.
تاريخ العلاقات الصينية المصرية
تأسستْ جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني والزعيم الراحل ماو تسي تونغ، عقب هزيمة حزب الكومنتانغ بقيادة الجنرال تشانغ كاي تشيك المدعومِ من الغرب، والذي لجأ إلى جزيرة تايوان وأسَّسّ دولة وطنية مرتمية في أحضان الإمبريالية الأمريكية.
كانت الصين في عهد ماو تسي تونغ تقدِّمُ نفسها على أنَّها دولةٌ مناهضةٌ للاستعمار الغربي، ونصيرةٌ لحركات التحرر الوطني في أفريقيا. والمتتبع للعلاقات الصينية-الأفريقية طوال العقود الستة الماضية، سيلاحظ أنَّ دخولَ الصين إلى أفريقيا جاءَ عبْرَ البوابةِ المصريةِ في خمسينيات القرن الماضي عندما كانت القاهرة آنذاك بؤرةَ حركاتِ التحرُّرِ الوطنيِّ ومركزاً مهماً في معادلة الاستقطاب الدولي، بعد ثورة 1952بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
كانت المعونات التي قدمتها الصين إلى أفريقيا في تلك الفترة كبيرةً بالنسبة لبلدٍ فقيرٍ نسبيّاً كالصين، لذلك ظلت التجارة مع أفريقيا محدودةً، وظلَّ الاستثمار الأجنبي غير موجود، ومن الواضح أنَّ المساعدات كانت مدفوعةً بأهدافٍ سياسيةٍ وليس اقتصاديةٍ، وكان خطاب التزام الصين فقط من باب التضامن ومعاداة الإمبريالية.
على النقيض من التصور التقليدي بأنَّ الصين لا تهتم إلا بالموارد الطبيعية في أفريقيا، فإنَّ مصالح الصين في أفريقيا تشمل عدَّة أبعادٍ: سياسيةٍ واقتصاديةٍ وتجاريةٍ. وقد تختلف أهمية هذه الأهداف بالنسبة للصين بحسب الظرفية ووفقاً لطبيعة مشاركتها في المنطقة. ومن المفيد في هذا الباب التمييز بين صنفينِ رئيسينِ من المصالحِ التي دفعتْ الصين إلى الانخراطِ بكل ثقلها في المنطقة: أهداف جيو/سياسية ودبلوماسية، وأهداف جيو/اقتصادية.
كانت سياسة الصين الخارجية في علاقاتها مع الدول الأفريقية وغيرها، تستهدفُ بشكلٍ رئيسيٍّ عزل تايوان، وكسبِ حلفاءٍ للحصول على الدعمِ الدبلوماسيِّ في المحافلِ الدوليةِ، وزيادةِ القوةِ الناعمةِ للصينِ في المنطقةِ، وتقديمها كبديلٍ للغرب.
ووصفت وزارة الخارجية الصينية – الأسبوع الماضي – العلاقات مع مصر بأنها “في أفضل حالاتها عبر التاريخ”، وقالت إن زيارة شي ستبني على التعاون السابق مع تحديد الاتجاه للعلاقات المستقبلية. وتتزامن الزيارة مع الذكرى الـ 70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية.
وفي زيارة الرئيس الصيني للقاهرة مؤخراً، أكدت مصر في بيان مشترك مع الصين يوم الأربعاء 2 سبتمبر2026، رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة. وشددت القاهرة في البيان الذي جاء خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، للقاهرة، إنَّ “تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية”، كما أكدت “دعم موقف الجانب الصيني من القضايا التي تتعلق بسيادة الصين ووحدة أراضيها، ودعم تحقيق إعادة توحيد الصين”.
وبحسب البيان، “أكد الجانبان مجدداً على تبادل الدعم الثابت في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر”، فيما “أكد الجانب الصيني إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، حيث دعا الجانبان كافة دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر”.
وأضاف أن الجانبين أعربا “عن تطلعهما للبناء على التطور الذي شهدته العلاقات خلال السنوات الماضية للعمل نحو الدفع ببناء المجتمع المصري الصيني للمستقبل المشترك، وثمن الجانب الصيني مبدأ الاتزان الاستراتيجي الذي أرسته مصر باعتباره يدعم التعددية الدولية”.
هل تتحول مصر إلى مركز إقليمي
في إستراتيجية الاستثمار الصينية في أفريقيا؟
أما في الجانب الاقتصادي، فقد اتفقت الصين ومصر على العمل من أجل تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة التعاون في بناء الحزام والطريق، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وذلك عبر العمل على تعزيز الشراكات المصرية – الصينية المشتركة، وتشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر.
واتفقا كذلك على “العمل بنشاط على بحث سبل التعاون في مجالات توطين الصناعة بما في ذلك صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأبراج الرياح وغيرها، وكذا في مجال تحلية مياه البحر، وتوسيع التعاون في التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة، والزراعة وصناعة السيارات، وتعزيز بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات والتكنولوجيات في هذه المجالات، بما يسهم في دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر”.
تستقبلُ الدولُ الأفريقيةُ الاستثمارات الصينية بالترحيبِ، نظراً لجاذبيةِ النموذجِ التنموِي الصينيِّ، ولكون الصين حققتْ نجاحاتٍ كبيرةٍ وسريعةٍ ترغب الدول النامية في نسخ تجربتها. وتمتلك الصين مخزوناً نقديّاً ضخماً من الأموال يناهز 3 تريليونات دولار (3000 مليار دولار) هذه الموارد المالية الهائلة موجهة في جزءٍ كبيرٍ منها للاستثمارات الصينية في الخارج والتي تمتد في جميعِ المجالات طولاً وعرضاً في الطاقةِ والزراعةِ والتعدينِ والبناءِ وقطاعيْ: التجارة والخدماتِ ومعالجةِ منتجاتِ المواردِ والتصنيعِ والدعمِ اللوجستيِّ التجاريِّ، ويشرفُ على تلك العمليةِ (بنك الاستيراد والتصدير) هذه المؤسسة المصرفية التابعة للدولةِ والتي تلعبُ دوراً أساسيّاً في إعطاءِ القروضِ للحكوماتِ الأفريقية وهي التي تقترحُ منحَ هذهِ القروضِ من خلال شُروطٍ تفضيليٍةٍ. وبالموازاة مع ذلك، يجري التفاوضُ على عقودِ أشغالٍ عموميةٍ حيث تتبوأُ الطاقةُ والمعادنُ رأسَ الأولوياتِ الاقتصاديةِ الصينيةِ. ولذلك تعتمدُ الصينُ في توسعها في مفاصِلِ الاقتصادِ في أفريقيا على عدَّةِ شركاتٍ مملوكةٍ للدولةِ، ففي مجال المواردِ الأوليةِ والطاقةِ هناك شركة الصين للطاقة من خلال استغلال الحقولِ البتروليةِ في أفريقيا بشروطٍ ملائمةٍ لضمانِ تدفقهِ إلى محركاتِ الاقتصادِ الصينيِّ النشطة.
على الرغم من أنَّ أفريقيا تمثل 16.7% من سكان العالم، بيد أنَّ مخزونَ الاستثمارَ الأجنبيِّ المباشرِ الداخليِّ في المنطقةِ لا يتجاوزُ 2.6% (954 مليار دولار) من الإجماليِّ العالميِّ في عام 2019.ثم إنَّ حصةَ الصينِ من الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ في أفريقيا كانت خامسُ أكبرِ مخزونٍ في عام 2018؛ حيث بَلَغَتْ 46 مليار دولار، بعدَ كلِّ من هولندا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومع ذلك، فقد ارتفعَ مخزونُ الصينِ من الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ في أفريقيا بنسبة 43.8% بين عامي 2014 و2018،في حين شَهِدَتْ فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة انخفاضَ أسْهُمِ الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ الخاصةِ بهما بنسبة 11.7% و26.9% و30.4% خلال الفترة نفسها. فيما بلغَ إجماليِّ تدفقاتِ الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ من الصين إلى أفريقيا 95.7 مليار دولار في الفترة من 2005 إلى 2019، وهو ما يُمَثِّلُ 7.8% فقط من الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ الصادرِ للصين على مدى فترة الـ 15 عاماً. ويَتَرَكَزُ ما يزيد قليلاً عن 40.3% من تدفقاتِ الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشر للصين في أفريقيا في ثلاثة بلدان فقط: نيجيريا وجنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
إنَّ احتياجاتَ الصينِ الهائلةِ من المواردِ تجْعَلُ من أفريقيا مقصداً مناسباً للاستثماراتِ الصينيةِ؛ حيث إنَّ القارةَ تَضُمُّ ما لا يقل عن 28 دولةٍ يُصَنِّفُهَا صندوق النقد الدولي على أنَّها غنيةٌ بالمواردِ، وقد ذهب حوالي 37.9% من الاستثماراتِ الأجنبية المباشرةِ الصينيةِ في أفريقيا إلى قطاع الطاقةِ. وفي حين أنَّ الاستثمارَ الأجنبيَّ المباشرَّ الصينيَّ في أفريقيا كبيرٌ، فإنَّ قيمةَ مشاريعَ البناءِ الصينيةِ في القارة أكبر بكثيرٍ، وتُشِيرُ إلى أنَّ أفريقيا تشَكِّلُ أولوية لمشاريع البنية التحتية الصينية؛ ففي الفترة من 2005 إلى 2019 وقَّعتْ الصين 544 عقدَ بناءٍ في أفريقيا بقيمةٍ إجماليةٍ بلغتْ 267.7 مليار دولار، وهو ما يُمَثِّلُ حوالي ثلث القيمةِ الإجماليةِ لمشاريع البناء للصين في جميع أنحاء العالم.
وثَمَةُ شكلٌ آخرُ تتخذهُ المشاركة الصينيةِ في أفريقيا ويتمُّ من خلالِ مشاريعٍ متعاقدٍ عليها في الخارج والتي لا تنطوي على استثماراتٍ مباشرةٍ؛ حيث إنَّ الصينيين نشطون للغايةِ في بناءِ الطرقِ والسككِ الحديديةِ والسدودِ ومحطاتِ الطاقةِ، فضلاً عن المباني العامةِ في جميع المناطق. وقد زادتْ الأرقامُ الصينيةُ الرسميةُ لقيمةِ المشاريعِ الْمُنْجَزَةِ بأكثرِ من عشرين ضعفاً بين عامي 2003 و2015. ومنذ عام 2010، شكَّلت إفريقيا حوالي 30% من القيمة الإجمالية للمشاريع المتعاقدِ عليها من الصين في جميعِ أنحاءِ العالمِ، وتمَّ توظيفُ أكثرَ من 130 ألف عامل صينيِّ في مشاريعٍ في أفريقيا في نهاية عام 2015.
وفي مقال نشره الرئيس الصيني ونشرته صحيفة الأهرام المصرية، كتب شي “ظلت الصين ومصر شريكين موثوقين يسعيان إلى الكسب المشترك من خلال التعاون. تُعد مصر شريكا تجاريا واستثماريا مهما للصين في العالم العربي وأفريقيا”.
وأضاف في المقال الذي تُرجم إلى العربية “في الوقت الراهن، تربط الصين ومصر الأهداف والمساعي المشتركة في الحفاظ على النظام الدولي والدعوة إلى الإنصاف والعدالة وتطبيق تعددية الأطراف، إذ إن كلا الجانبين يدعم بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المشروعة، ويسعى إلى إيجاد حلول سياسية للقضايا الساخنة وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة”.
