أَيْلول الحَاسِم: واشنطن تصعّد الجبَهَات تَستَنفِر وإيران تُلَوّح بِتَغيير عَقِيدَتها النَّووية
بقلم زينب عدنان زراقط
على الرُغم من أن المَشهد الإقليمي لا يزال محكوماً، حتى الآن، بتصعيد مضبوط وتبادل للضربات بين إيران وأمريكا تحت سقف الحرب الشاملة، فإن احتمال انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة يبقى قائماً، ولا سيما في الفترة الممتدة حتى نهاية أيلول.
فالمؤشرات المتراكمة لا تسمح بالتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مجرد حالة استنزاف عابرة، في ظل سياق المواجهة الأمريكية – الإيرانية، واستمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية، واحتمال توسع الضربات إلى مواقع أكثر حساسية، مقابل امتلاك إيران أوراقاً تصعيدية تشمل استهداف القواعد الأمريكية والمنشآت النفطية، والضغط على الملاحة في مضيق هرمز.
أما في لبنان، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية والضغط العسكري على مواقع استراتيجية، ولا سيما في محيط علي الطاهر، يفتح الباب أمام احتمال توسيع الجبهة إذا توافرت لإسرائيل تغطية سياسية أمريكية كافية. ويضاف إلى ذلك ترقُّب المقاومة العراقية لموعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق.
فهل تقف المنطقة فعلاً أمام احتمال انتقال “الستاتيكو الناري” القائم حالياً إلى مواجهة أوسع، نتيجة حادث أمني كبير، أو ضربة نوعية، أو خطأ في الحسابات، أو قرار سياسي بتوسيع إحدى الجبهات، بما قد يجعل التصعيد يتجاوز حدود المواجهة المضبوطة ويفتح الباب أمام حرب يصعب ضبط مسارها؟.
على كُلٍ، لا يمكن الجزم باندلاع حرب على لبنان في نهاية أيلول، ولكن تزداد احتمالية توسّع المواجهة مع ورود رسالة إيرانية إلى واشنطن عبر سلطنة عُمان، مفادها أن أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان سيقابَل برد إيراني قوي، بما يعكس أن أي توسع إسرائيلي على الجبهة اللبنانية قد لا يبقى محصوراً في نطاقها الجغرافي، بل قد يستدعي تفاعلاً على مستوى الإقليم ومحور المقاومة ككل.
كذلك طبيعة التطورات تفرض التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها فترة شديدة الحساسية، في ضوء تطورات الميدان، والحسابات الانتخابية، والصراعات داخل المستويات السياسية والأمنية والعسكرية في إسرائيل والولايات المتحدة. ومن هنا تكتسب الإشارات المتكررة إلى نهاية أيلول أهمية خاصة، خصوصاً مع تزامنها مع تحولات في الوجود الأمريكي في المنطقة.
ومما يجدر ذكره في هذا الخصوص الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها شركات الطيران الأوروبية، بتجنب التحليق فوق لبنان والعراق والخليج وإيران حتى نهاية أيلول، وهي إجراءات تعكس، في حد ذاتها، وجود تقديرات ومعلومات أمنية تستدعي رفع مستوى الحذر. ويضاف إلى ذلك ما يرد من إجراءات في قطاع الطيران المدني وغيرها من التطورات التي لا تزال بعض خلفياتها غير معلنة…
أولاً: الجبهة الإيرانية – الأمريكية
في ظل أجواء التوتر والانقسام داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، واستقالة وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول، وفق ما أوردته “وول ستريت جورنال”، عقب أشهر من التوتر والخلاف مع وزير الحرب بيت هيغسيث، شنت القوات الأمريكية هجوماً واسعاً على مواقع متعددة على السواحل الجنوبية لإيران، في عملية وصفتها طهران بأنها جاءت نتيجة “حالة من اليأس”، واستهدفت مواقع عسكرية ومدنية على حد سواء. إلا أن الحرس الثوري أعلن أن الهجوم لم يحقق أهدافه الاستراتيجية، بل أدى إلى نتيجة معاكسة تمثلت في تشديد القبضة الإيرانية على مضيق هرمز وتصعيد الاستعداد لمواجهة الوجود العسكري الأجنبي.
وفي سياق الرد على الهجمات الأمريكية، أعلن الحرس عن عدد كبير من القتلى الأمريكيين، باستهداف مقر قاعدة المشاة البحرية في الأردن، ومقر وإقامة قائد أمريكي في قاعدة علي السالم بالكويت، إضافة إلى مخزن ومنصة إطلاق للطائرات المسيّرة، مع توجيه تحذير مباشر إلى الدول والجهات التي تتعاون مع القوات الأمريكية، محذراً من “عواقب خطيرة”.
وفي موازاة ذلك، دخل مضيق هرمز بصورة مباشرة في بنك أهداف المواجهة، بعدما أعلنت العلاقات العامة في الحرس الثوري أن ناقلتي نفط تعرضتا لانفجار بسبب ألغام، بعد عبورهما مساراً وصفته طهران بأنه غير قانوني وبــ “تحريض أمريكي”، مع التلويح بإجراءات ضد شركات الشحن التي تنصاع لما تعتبره طهران توجيهات أمريكية مخالفة للإجراءات القانونية.
وبذلك، لم يعد الصراع محصوراً في تبادل الضربات الجوية والصاروخية، بل امتد إلى المجال البحري والطاقة وحركة الملاحة، وهي مساحات تملك إيران فيها أوراق ضغط قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
وهكذا، قدمت إيران صورة مغايرة تماماً للنتيجة التي أرادت واشنطن إظهارها من الهجوم. فبدلاً من تحقيق حسم عسكري يفرض واقعاً جديداً، تقول طهران إن الضربات لم تتمكن من تغيير قدراتها العسكرية، وإن الردود اللاحقة أثبتت امتلاكها القدرة على الوصول إلى مواقع وقواعد مرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة.
ثانياً: الجبهة اللبنانية وأزمة إسرائيل
1- المُقاومة: في المقابل، تواجه إسرائيل على الجبهة اللبنانية معضلة ميدانية وسياسية معقدة؛ فهي، على الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، لا تبدو قادرة على الانتقال بسهولة من العمليات العسكرية والضربات المحدودة إلى إعلان احتلال مباشر، أو فرض معادلة ميدانية مستقرة تضمن لها التقدم على الأرض.
وتزداد صعوبة المشهد بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي في ظل استمرار وجود مقاومين يعملون بطرق غير تقليدية، ويصعب تحديد مواقعهم أو معرفة توقيت تحركهم، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً ويحدّ من قدرة القوات الإسرائيلية على فرض سيطرة ميدانية كاملة.
فالمعضلة الإسرائيلية لا تتمثل فقط في القدرة على تنفيذ ضربات جوية أو مدفعية، وإنما في القدرة على تثبيت نتائج هذه الضربات على الأرض. وبينما تستطيع إسرائيل استهداف مواقع وبنى محددة، يبقى الانتقال إلى مرحلة التقدم البري أو تثبيت احتلال طويل الأمد أكثر كلفة وخطورة.
ومن هنا، فإن أي قرار بتوسيع الحرب في لبنان خلال أيلول قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول، قد يضع إسرائيل أمام مواجهة أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل احتمال دخول إيران مباشرة على خط المواجهة، بما يحوّل أي تصعيد إسرائيلي على الجبهة اللبنانية إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية أوسع. وفي هذه الحالة، قد تجد القوات الإسرائيلية نفسها أمام خصم غير مكشوف بالكامل، يمتلك قدرة مستمرة على المقاومة والاستنزاف، ولا يمكن القضاء على قدرته بمجرد التفوق الناري، الأمر الذي قد يجعل تحقيق إنجاز ميداني قابل للتثبيت سياسياً وعسكرياً أكثر صعوبة، ويفرض على إسرائيل كلفة متزايدة كلما اتسعت رقعة المواجهة.
2- الرئاسة اللبنانية: أما المفارقة السياسية الأكثر إثارة للجدل، والتي يصعب تجاهلها في ظل هذا التزامن، فتتمثل في ما أحاط بزيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى اليونان. ففي الوقت الذي كانت فيه أثينا وتل أبيب تعلنان عن واحدة من أكبر صفقات التسليح في تاريخ العلاقات بينهما، بقيمة نحو ثلاثة مليارات يورو، لبناء منظومة دفاع جوي إسرائيلية متعددة الطبقات في اليونان، إضافة إلى صفقة أخرى بقيمة 26 مليون يورو لمنظومات إسرائيلية مضادة للمسيّرات، كان لبنان الرسمي يطلب من اليونان دعمه في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية.
هنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً، بل ملحّاً: ما الذي يعنيه أن يصل رئيس الجمهورية اللبنانية إلى أثينا في هذا التوقيت بالذات، بينما تكون اليونان قد أبرمت للتو صفقة استراتيجية بهذا الحجم مع الكيان الذي يحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية ويواصل عملياته العسكرية جنوباً؟. والأكثر إثارة للاستغراب هو أن الخطاب اللبناني في الزيارة ركّز على أن جوهر المشكلة يكمن في حصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، وعلى أن القوات المسلحة اللبنانية، أي الجيش، هي الجهة المسؤولة عن أمن لبنان، وأكد إنهاء “حالة العداء” مع إسرائيل، فيما لا تزال الأراضي اللبنانية عرضة للاعتداء والاحتلال والتهجير وسقوط الضحايا. وفي المقابل، أعلنت القيادة اليونانية دعمها لسيادة لبنان وتعزيز مؤسساته وقواته المسلحة “الجيش”.
لذلك، فإن السؤال الذي تفرضه زيارة أثينا ليس اتهاماً مسبقاً ولا حكماً على النيات، بل سؤال سياسي مشروع: كيف تُقرأ زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى دولة تُعلن في التوقيت نفسه تقريباً تعزيز شراكتها العسكرية مع إسرائيل؟ وهل كان اختيار التوقيت مجرَّد مصادفة دبلوماسية، أم أن هناك مساراً إقليمياً أوسع يجري العمل على رسمه، تكون فيه إعادة تعريف دور الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة جزءاً من ترتيبات أمنية تتجاوز الداخل اللبناني؟!.
أخيراً: جبهة العراق وموعد الانسحاب الأمريكي
لا يرتبط القلق من عودة المواجهة بالساحة الإيرانية واللبنانية وحدها، بل يمتد إلى مختلف ساحات محور المقاومة، ولا سيما العراق، الذي قد يتحول مجدداً إلى ساحة مواجهة مباشرة في حال استمرت القوات الأمريكية في المنطقة أو لم تلتزم بالانسحاب الكامل.
حيث أعلن الشيخ أكرم الكعبي، الأمين العام لحركة النجباء، أن المقاومة تراقب موعد 30 أيلول 2026 بجهوزية كاملة، باعتباره موعداً مفصلياً مرتبطاً بالالتزامات الأمريكية بالانسحاب من العراق، محذراً من أن بقاء أي جندي بعد هذا التاريخ سيؤدي إلى مواجهة مباشرة، ومعلناً الجهوزية لمواجهة القوات الأمريكية في العراق في حال عدم الالتزام بالانسحاب.
وأكّدت المقاومة العراقية أن التَّصور الأمريكي بإمكانية تحقيق انتصار في العراق بعد عدم تحقيق الأهداف المطلوبة في إيران هو “تصور أحمق”، مشدداً على أن المقاومة الإسلامية في العراق لن تسمح بتحويل أي تطور عسكري إلى انتصار إعلامي أمريكي.
وفي ضوء هذه التطورات، يكتسب شهر أيلول أهمية حساسة في مسار المواجهة الإقليمية، مع أي جولة جديدة من التصعيد الأمريكي ضد إيران، أو توسعٍ عسكري إسرائيلي في لُبنان، وفي حال أي تأخير أو تنصل من الانسحاب الأمريكي من العراق، وهو ما قد لا يُقرأ باعتباره مجرد خلاف سياسي أو دبلوماسي، بل قد يتحول، وفق التهديد المعلن، إلى سبب مباشر لعودة العمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية في العراق.
ومن هنا، فإن مراقبة ما سيحدث خلال أيلول تصبح ضرورية لفهم اتجاه المنطقة، في ظل ترابط ساحات المواجهة بين إيران ولبنان والعراق؛ فاستمرار التصعيد أو تثبيت الوجود العسكري الأمريكي، أو أي تأخير في الانسحاب من العراق، بالتوازي مع احتمال توسيع إسرائيل لعملياتها في لبنان، قد يفتح الباب أمام انتقال المواجهة من التصعيد المحسوب إلى جبهات مترابطة على مستوى الإقليم، ولا سيما إذا دخلت إيران بشكل مباشر على خط المواجهة.
هل تكون المفاجأة النووية هي الصفعة المقبلة؟
في نهاية هذا المشهد المتشابك، ومع ترسّخ القناعة بأن العدو لا يُلجَم سوى بالقوة، تميل إيران بجدية نحو تغيير عقيدتها النووية. فهل يتلقى ترامب وإسرائيل، ومعهما حلفاؤهما الخليجيون الذين اندفعوا خلف النهج الأمريكي والإسرائيلي، صفعة استراتيجية من نوع مختلف، بإعلان إيران أخيراً دولة نووية؟.
فطهران، قد تكون وصلت إلى قناعة بأن استمرار الحصار على موانئها، ومحاولات خنق صادراتها النفطية، واستمرار العقوبات، مع الإصرار الأمريكي والإسرائيلي على استخدام القوة والضغط بدلاً من التوصل إلى تسوية متوازنة، يجعل من الصعب الاستمرار في الالتزام بالمعادلة السابقة. وهنا تبرز فكرة تغيير العقيدة النووية التي حكمت سياستها لعقود باعتبارها إحدى أخطر الأوراق التي يمكن أن تلوّح بها إيران.
وهكذا يصبح أيلول محطة بالغة الحساسية: العراق أمام استحقاق الوجود الأمريكي، ولبنان أمام احتمال توسيع الجبهة، والمنطقة أمام احتمال عودة المواجهة، وإيران أمام خيار إعادة تعريف عقيدتها النووية.
وفي ظل هذه المعادلات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتراجع أصحاب سياسة الضغط الأقصى نحو تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع، أم يواصلون السير في طريق قد يقود المنطقة إلى لحظة إعلان إيرانية تاريخية: أن زمن الخضوع للضغط انتهى، وأن المعادلة الجديدة لن تُكتب إلا بلغة القوة؟.
