دوليات

الانتخابات الروسية تتوج بوتين رئيساً لولاية خامسة .. الشعب خلف قيادته

بقلم: ابتسام الشامي

فوز كبير لبوتين

على وقع التقدم الميداني للقوات الروسية في أوكرانيا ونجاحها في حسم معارك في مناطق استراتيجية من الشرق الأوكراني، جرت الانتخابات الرئاسية الروسية تظللها الحرب “المفروضة” التي هدفت الولايات المتحدة الأمريكية من وراء إشعال فتيلها، إلى إضعاف روسيا وصولاً الى تقسيمها، وقطع دابر نفوذها الاقتصادي والأمني والسياسي بعدما سجل خلال السنوات الماضية خروقات مهمة في ساحات “معقودة” تاريخياً للنفوذ الغربي من آسيا إلى أفريقيا وامتداداً إلى أمريكا اللاتينية.

ولئن راهن أعداء الخارج على تأثير “رافضي الحرب” من الروس في زعزعة القوة الشعبية للرئيس، فإن عامل الحرب نفسه أعطى للانتخابات زخماً شعبياً قوياً، ترجم بمشاركة تجاوزت الـ 77%، وهي النسبة الأكبر في تاريخ روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، حصل الرئيس بوتين على نسبة 87% من أصواتها بما يمثل أكبر فوز على الإطلاق خلال العقود الأخيرة من عمر البلاد. ولعله من نافل القول إن إصرار القيادة الروسية على إجراء الانتخابات في موعدها، حمل في طياته استفتاء شعبياً على الخيارات السياسية للكرملين وفي مقدمها قرار المواجهة مع الغرب ممثلة بوجهها العسكري في أوكرانيا.

خلفيات النتائج

الانتخابات التي جرت على مدى ثلاثة أيام في أكبر بلاد العالم مساحة، وقفت خلف نتائجها المثقلة بالدلالات السياسية الكثير من العوامل لعل أبرزها:

– تناغم الشعب مع الخيارات السياسية للقيادة الروسية في المواجهة مع الغرب، بعدما نجحت الأخيرة وعلى رأسها الرئيس بوتين في تظهير المخاطر الوجودية المترتبة على البلاد بفعل الهجمة الغربية الهادفة إلى إضعاف روسيا وإشغالها بأمنها القومي أولاً ومنعها تالياً من التموضع في المكانة الدولية المناسبة لوزنها الجيوسياسي في النظام العالمي الجديد الآخذ في التبلور.

– وربطاً بما سبق، فإن التموضع الأوروبي الأعمى خلف الولايات المتحدة الأمريكية في حربها لإضعاف روسيا، على الرغم من المصالح الاقتصادية التي تجمعها بموسكو، وكذلك الخطاب العدائي للقادة الأوروبيين ضدها، شكل عامل التفاف للشعب الروسي خلف قيادته، وساهم في تعزيز قناعته بما تقوم به لحماية الأمن القومي للبلاد.

– نجاح الكرملين مع التعامل مع تداعيات الحرب، لاسيما الاقتصادية منها، علماً أن روسيا تخضع منذ بدء عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا، لأشد أنواع العقوبات الاقتصادية وأكثرها قساوة في تاريخ استخدام الاقتصاد سلاحاً بيد القوى المعادية، ومع ذلك فإن موسكو نجحت في تحويل التهديد إلى فرصة، ويكفي أن نشير هنا إلى أن الاقتصاد الروسي الذي انكمش بنسبة 1.2% فقط في عام 2022، حقق، نمواً بنسبة 3.6% العام الماضي، بحسب أرقام صندوق النقد الدولي.

– المعارك الضارية التي تخوضها القوات الروسية في أوكرانيا، أثرت كما بات معلوماً في سرعة تحقيق الأهداف المرسومة للحرب، ولكنها لم تمنع من إنجازها وإن بكلفة زمنية أطول، وقبيل أسابيع قليلة من الانتخابات أعلنت وزارة الدفاع الروسية السيطرة على مدينة افدييفكا الواقعة في إقليم دونيتسك، في إنجاز عسكري جديد ضمن إنجازات عسكرية أخرى دلّت على فشل الهجوم الأوكراني المضاد الذي كان قد بدأ الصيف الماضي.

– هزال المعارضة وتشتتها، وعدم وجود شخصية منافسة وازنة قادرة على اجتذاب الناخبين الروسيين لاسيما بعد وفاة المعارض الروسي البارز اليكسي نافالني.

للأسباب الآنفة الذكر وغيرها، كان من الطبيعي أن ينجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية غير المسبوقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، سواء من حيث مستوى المشاركة الشعبية، أو نسبة الفوز، وهي أرقام دلّت على تفويض شعبي عارم لبوتين، أقر به الإعلام الغربي حتى قبل إجراء الانتخابات، علماً أن الأجندة السياسية لهذا الإعلام وعلى مدى عامي الحرب، كان تقضي بتظهير المعارضة الشعبية لبوتين وتكبير حجمها، وصناعة صورة “انتصار” للقوات الأوكرانية، التي حاولت التأثير في مسار الانتخابات، بهجوم بالمسيرات، لكن الهجوم الذي تصدت له الدفاعات الجوية الروسية لم يفشل عسكرياً فحسب وإنما سياسياً أيضاً، إذ لم ينجح في تقويض نسب المشاركة في الانتخابات، وهو ما أقرّت به صحيفة “واشنطن بوست” مشيرة في تقرير لها، إلى أن الدفاعات الجوية في مدينة بيلغورود اعترضت وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيرة المتفجرة، بينما “اضطر الجيش الروسي إلى قتال الميليشيات المناهضة للكرملين، التي شنّت هجمات على طول الحدود في محاولة لتصوير بوتين على أنه غير قادر على حماية بلاده”، وذلك بالتزامن مع فترة الانتخابات. قبل أن تردف الصحيفة أنه “ما من أدلة واضحة على نجاح هذه الجهود”، مضيفة أن هجمات من هذا النوع تساهم فحسب، في “تعميق دعم السكان لبوتين واقتناعهم، أكثر برواية الكرملين للحرب”.

وفي سياق متصل، أكدت شبكة “سي أن أن” الأمريكية أن بوتين وعلى الرغم من الحرب في أوكرانيا وتحول بلاده “إلى أكثر بلد تعرضاً للعقوبات على وجه الأرض.. هو أكثر سيطرة على روسيا من أي وقت مضى، مقارنة بفترة حكمه الممتدة على مدى 24 عاماً”. وفي تقرير لها حول الانتخابات، أجرت الشبكة مقابلات مع مواطنين روس، وقالت إن جميع من تحدثت إليهم كانوا من المؤيدين بشدة للرئيس الحالي. ونفى الكثيرون منهم أن يكون بوتين قد ارتكب أي خطأ في ما يتعلق ببدء العملية العسكرية الخاصة في روسيا، بل إن بعضهم “أعرب عن استعداده للذهاب إلى أوكرانيا والقتال” إذا دعت الحاجة.

خاتمة

كان يمكن للقيادة الروسية وبذريعة انشغالها بالحرب، تأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق، غير إن إجراءها في الوقت المحدد، لم يبعث فحسب رسالة قوة عن النظام وثقته، وانما أكد الشعبية المتنامية للرئيس وخيارات القيادة، في ترجمة عملية، لاستطلاعات رأي غربية كانت قد أكدت التفاف الشعب الروسي حول قيادته وآخرها، استطلاع للرأي أجرته شركة ستاتيسا الألمانية، الذي أظهر أن 8 من كل عشرة مواطنين روس من الذين شملهم الاستطلاع يوافقون على “أفعال فلاديمير بوتين” في تطور ملحوظ مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.