دوليات

روسيا.. أوكرانيا: الصراع يزداد سخونة وخطورة

بقلم ابتسام الشامي

مرة جديدة صواريخ أمريكا ضد العمق الروسي

للمرة الثانية خلال أقل من شهر، تستخدم القوات الأوكرانية صواريخ “أتاكمز” الأمريكية الصنع في قصف منشآت استراتيجية عسكرية روسية. وبحسب وكالات الأنباء العالمية، فإن الهجوم الاوكراني ليل الأربعاء الماضي، استهدف مطاراً عسكرياً روسياً باستخدام ستة صواريخ أمريكية الصنع، سبق أن استخدمتها القوات الأوكرانية في التاسع عشر من الشهر الماضي، في هجوم استهدف منشآت عسكرية داخل الاتحاد الروسي في منطقتي بريانسك وكورسك. ولئن سارعت روسيا في حينه إلى الرد على استهداف اراضيها باختبار صاروخ أوريشنيك الفرط صوتي في هجوم استهدف مصنعا أوكرانيا لإنتاج الصواريخ والاسلحة، بالتزامن مع توقيع الرئيس فلاديمير بوتين على تحديث العقيدة النووية لبلاده، فإن موسكو التزمت بالرد على الهجوم الجديد، وأكدت وزارة الدفاع الروسية في بيان حول الهجوم الأوكراني أنه “لن يمر من دون رد” مضيفة أنه “سيجري اتخاذ إجراءات مناسبة”. وهو ما أكده ايضا الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف مشيراً إلى ان الرد “سيكون في الوقت والطريقة المناسبين”.

استخدام أوكرانيا صواريخ غربية في استهداف الأراضي الروسية، كان حتى الأمس القريب مقيداً بخطوط حمر أمريكية، قبل أن تقدم إدارة الرئيس جو بايدن على رفع تلك القيود في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وفوز الرئيس الجمهوري دونالد ترامب في السباق الرئاسي. ولئن برر بايدن إذنه باتفاقية الدفاع الروسية مع كوريا الشمالية، وادعاءه مشاركة قوات من جيش الأخيرة في الحرب إلى جانب روسيا، فإن القرار جاء أيضاً في إطار الحسابات الداخلية الأمريكية، ومحاولة الرئيس المنتهية ولايته، تعقيد الصراع بعدما تعهد خلفه بإيجاد حل لوقف ما يعتبره حرباً عبثية في أوكرانيا. علماً أن بايدن الذي أوقد نار الحرب في أوكرانيا قبل نحو ثلاث سنوات، يعرف خطورة قراره وما يمكن أن يؤدي إليه من تصعيد وتوسع في دائرة النار، وهو ما تجلى عملياً بالخطوات الروسية للتعامل معه، ممثلة بإدخال أسلحة جديدة إلى المعركة والرد على مصادر التهديد، وتحديث العقيدة النووية. وقد سبق للرئيس بوتين أن هدد، في أعقاب الهجوم الأوكراني الأول بصواريخ غربية الصنع، بقصف مراكز صنع القرار في كييف بصاروخ أوريشنيك فرط الصوتي والذي يمكن أن يحمل رأسا نووية، وكذلك الدول الغربية التي تساعد أوكرانيا على مهاجمة الأراضي الروسية.

ترامب يعارض الهجوم

وعلى خلفية الهجوم الاوكراني الأخير، أعرب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، عن معارضته “بشدة” إطلاق أوكرانيا صواريخ أمريكية الصنع نحو العمق الروسي. واذ التزم في مقابلة مع مجلة “تايم” الأمريكية بعدم التخلي عن أوكرانيا، أكد عزمه على “استخدام الدعم الأمريكي لكييف كعامل ضغط من أجل التوصل لاتفاق لإنهاء الأزمة” المستمرة منذ شباط عام 2022. وقال ترامب، في المقابلة مع المجلة التي اختارته “شخصية العام”: “أختلف بشدة مع إطلاق صواريخ لمسافة مئات الأميال داخل روسيا. لماذا نفعل ذلك؟”. مضيفاً “نحن فقط نصعد هذه الحرب ونجعلها أسوأ”. وعند الإلحاح في سؤاله عن رأيه بموضوع دعم أوكرانيا، أجاب ترامب بأنه سيستخدم دعم واشنطن كوسيلة ضغط لإنهاء الأزمة. وقال “أريد التوصل إلى اتفاق والطريقة الوحيدة للوصول إلى اتفاق هي عدم التوقف” عن الدعم.

مصانع الأسلحة الرابح الأكبر

صواريخ أتاكمز الأمريكية الصنع وكذلك الصواريخ الأخرى ذات المنشأ الأوروبي، ليست سوى فصل من فصول الدعم العسكري الغربي لاستدامة الحرب في أوكرانيا في إطار استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية لإضعاف روسيا، وبصفتها القائد الفعلي لحلف الناتو، فقد جرت أعضاءه خلفها في الحرب على الرغم من عدم مصلحة بلادهم فيها، وهو ما أدى عملياً إلى اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية في عموم أوروبا، وارتفاع كلفة المعيشة فيها، في وقت تبدو فيه اليوم مهددة بأن تكون في دائرة النار المباشرة. وإذا كانت الحرب تشكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كاهل الاقتصادات الأوروبية، فإنها تمثل فرصة لمصانع إنتاج السلاح. ففي سياق استدامة الحرب، استنزفت المخازن العسكرية في ما كانت مصانع الأسلحة تعمل بالطاقة القصوى، وهو ما لفت اليه تقرير لصحيفة بلومبرغ، كاشفة أن واشنطن استثمرت دعمها لأوكرانيا بتوسيع إنتاج الأسلحة في 31 ولاية. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للإدارة والموارد، ريتشارد فيرما قوله إن بلاده استفادت من دعمها لأوكرانيا، من خلال استثمار 117 خطاً لإنتاج الأسلحة. وفي مقابلة مع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، قال فيرما: “نحن نتحدث عن إنتاج مدافع الهاوتزر ومركبات المشاة القتالية برادلي والذخيرة والأسلحة الأخرى”. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق إلى أن 41 شركة سلاح أمريكية حققت عام 2023 عائدات وصلت إلى 317 مليار دولار، في إثر زيادة مبيعاتها من الأسلحة لمناطق الصراع، وخصوصاً في أوكرانيا، بحسب تقرير معهد “ستوكهولم لأبحاث السلام”. وأوضح التقرير أن الشركات المشار إليها تصدرت قائمة أعلى 100 شركة أرباحاً العام الماضي، مشيراً إلى أن تلك الشركات، مع شركات أمريكية وأوروبية أخرى، كانت حصلت على نسبة 78% من إجمالي مبيعات الأسلحة في العالم، في تلك الفترة.

خاتمة

المعطيات آنفة الذكر مضافاً إليها قرار إعطاء الإذن لأوكرانيا باستخدام صواريخ بالستية بعيدة المدى ضد أهداف في العمق الروسي، وكذلك استفزاز روسيا بأموالها المجمدة في الولايات المتحدة الأمريكية وإقراض أوكرانيا منها، كلها خطوات تؤشر إلى اتجاه واحد، تصعيد المواجهة مع روسيا وتعقيد الواقع بما يجعل الحديث عن تسوية عبر حل سياسي لإنهاء الحرب مجرد افكار لا تستند إلى واقع قابل لترجمتها عملياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *