أول الكلام

نوافذُ مشرعةٌ على الدّعاء

بقلم غسان عبد الله

ونعودُ نسائلُ أنفسَنا:هل تكفي جَرعةُ مجدٍ عابرةٍ.. هل تنحني لأجلنا دائماً السماءْ.. هل تكفي العمر بقيةٌ كي يولدَ فينا الإنسانْ؟!”.. نعودُ.. ونهذي.. نتألّقُ أحياناً في لحظةِ بكاءْ.. نبحثُ عن قافيةٍ شاردةٍ.. عن قمرٍ مُتعَبْ.. رأسٍ مكدودٍ ودمعٍ لا ينضَبْ.. أسمّيها بالاسم الأشياءْ.. ينهمرُ الخوفُ علينا.. أينَ الأفراحُ المرتجاةُ إذن؟؟ أين العشقُ الدفينْ؟.. وأدقُّ الكلمةَ بالكلمةِ.. أركضُ خلفَ الحرفِ.. أرفعُ يديَ مُسْتَسْلِماً للذي ينهمرُ من عينِ الحبيبِ وجداً.. أرفعُ يديَّ للأحزانِ المسافرةِ في دموعنا.. للمناديلِ الملوِّحةِ لحظةَ رجوعنا.. فنحن ما التقينا إلا على جرحنا وأوجاعنا وصرخةِ الصمتِ في ربوعنا.. نحنُ لا نلتقي إلا على انهمارنا خلف سياجِ العمرِ ضحايا للعشقِ المنبَّتِ طعنةً في صدأِ ضلوعِنا..

يتواصلُ هذا الليلُ طويلاً.. يبلُغُ هذا السيلُ مداهُ.. وأسميها بالاسم الأشياءْ.. أدقُّ الكلمةَ بالكلمةِ.. ألهثُ خلفَ الحرفِ.. أُعلنُ انتمائي لجرحٍ يمزُجُ خطَّ الشمسِ بنار الذكرى.. للحلم يحلِّقُ طيراً مهاجراً فوق معشوقٍ وحيد.. لم أُقابلْهُ سوى في لحظةِ وجدٍ عامرةٍ على مصطبة حُلمٍ قديمٍ رَاودَني ذاتَ مساءٍ وغابَ في غياباتِ الأفولْ.. وأقول: الوجهُ الضائعُ ليس بديلاً لملامحِ وجهٍ آخر.. ثم.. أدخلُ فردوسَ الفوضى.. وأجوبُ ملكوتَ قصائدي.. أُبعثِرُ الأماني.. أفتحُ باباً للعشقِ.. وأقرأُ.. في صفحاتٍ كانتْ مطويةً على آخرِ دمعةٍ ذرَفتُها على أبوابِ العاشقينْ.. أبدأُ من دفءٍ يتآلَفُ مع هذا القلبْ.. أعرفُ دوماً أنَّ هديرَ البحرِ وفاءٌ للشاطئ.. وأنَّ القولَ مباحٌ في بوح العاشقِ.. وأن الخشوع نقاءٌ في حضرةِ المعشوقْ.. أقول: البدايةُ سرُّنا.. وأبدأُ من صفرٍ كي أصِلَ الصِّفرَ الثاني.. أتعثَّرُ أحياناً.. أخطو خطواتٍ جامحةً.. أتوجَّهُ صوبَ الحُلُمِ.. نحو السيف المُشرَعِ.. ولهاً وشعراً.. وأُنسَ قلبٍ وحياةً.. وأُقارِبُ بين العدَّةِ والعودة.. هل أسألُ عن سرِّ الصفرِ المكنونْ؟!.. وأسائلُ أينَ الدربُ يكون؟!.. أُشرِعُ النوافذَ.. أينَ الشراعُ البهيُّ إذن؟!.. أسألُ هذا الآخرَ فيَّ.. هل ثمَّةَ ما يدعو لسؤالِ الهمس؟!.. هل مُفجِعٌ تمازُجُ أفقِ الغدِ الآتي مع ما عراهُ من غمامِ الأمسْ.. هل أولدُ في يومٍ آخرَ وأناجي ظلاً بعدَ غياب الشمس؟!.

أحياناً أفتحُ نافذةً للشمسِ.. أدعوها لحوارٍ يُشعِلُ بعضَ خبايايَ.. أشيِّعُ ماضيَّ وأقولُ: البدءُ حياة.. ثم.. أدخلُ خلفَ طقوسٍ لا تحتملُ التكرارِ.. أهادنُ في الظلِّ وأصرخُ في الشمسِ: الفيءَ الفيءْ.. أُطلِقُ أصواتاً مُبهمَةً.. أبحثُ عن كلماتٍ يتباينُ فيها التأويلُ.. يشتدُّ صُراخٌ فيَّ.. ويصيرُ الوقتُ ظلالاً.. ويتداعى عقلي الراسخُ في العلمِ.. فيجلو الرأيَ بلَبسٍ في اللغةِ ووفرٍ في صفاء النفسْ.. يقترحُ الصمتَ.. ويلعنُ كلَّ طقوسَ الموتْ.. ويداري عاصفةً هوجاءَ تبحثُ عن شجرٍ مثمرٍ.. ينقشعُ الغيمُ قليلاً.. وأشيِّعُ حاضري.. أبحثُ عن زمنٍ آخرَ لعشقي الوحيدِ الفريدِ.. أنتظرُ الآتي.. أستغفرُ لروحي الولهى.. أغرقُ في لجَّةٍ يابسةٍ والبحرُ مساء.. أين الدربُ إذن.. كيف الوصولُ.. أين واحةُ الأنسِ الموعودةِ.. أين العمرُ الذاوي بعشرٍ من الطفولةِ الموءودةِ وخمسينَ من القلقِ والبحثِ الانتظار المقيتْ.

هل أصدعُ بالقولِ الصاعدِ في علياءِ الروحِ العاشقةِ وأقابلُ صمتاً بالحزن المستشري؟!.. هل أبدأُ وجع الأيامِ الباقيةِ لي.. أم أُشرِعُ في الجرحِ الراحلْ؟!.. ما بين الهول وبين القولِ الواحدِ هل يصلُ غريقٌ نحو الشاطئ؟!.. أحياناً.. لا.. هل أُلغي النوافذَ وأتركُهُا للذكرى؟!.. هل كنتُ أحلُمُ بالقولِ الموجعِ حقاً؟!.. أقولُ: أحزانُ الأرضِ يجيئون تِباعاً.. هل قلتُ غيرَ الحُلُمِ وصوتَ رفيفِ نجوايَ.. هل كنتُ أعرفُ أنَّ جموحَ القهرِ يروقُ لهوايَ.. هل أسألُ هذا القلبَ الجلادَ لماذا؟!.. هل أتمادى في طرحِ قضايايَ؟!.. هل يُسألُ الجلادُ عن معنى السوطِ.. وسرِّ السيفِ المصقولْ.. هل ما زلتُ أسألُ عن يومٍ مأمولْ.. هل أعرفُ حقاً أن الجلادَ هو الجلادْ؟!.

أدخلُ في احتمالِ النوافذِ المشرعات على الدعاء.. أشرِعُ في ارتقاءِ المشاهد.. أكتوي.. هذي المجامرُ ألقُ الدعاءْ.. أُوغِلُ في البراءةِ أعودُ إلى النقاءْ.. أقولُ: الحياةُ احتمالٌ واحدٌ.. أقولُ: الدروبُ اشتعالٌ شاهدٌ.. أقولُ البراءةُ والبدايةُ سري.. تنحني الأرضُ.. يومضُ السرُّ أيُّ رجعٍ في الصدى؟!.. أيُّ وقعٍ في صبري.. أكسرُ الأقفالَ كي لا أخسرَ الذكرى.. أقولُ التوهُّجُ يومي وغدي وأمسي.. أقولُ البسالةُ وهذا المدى شوقٌ وهذي الأماكنُ وجهي.. أقولُ النوافذُ شمسي.. أقولُ الوداعة وأنحني عند نوافذي النبيلةِ أقولُ الضراعة وأُذعنُ للمفرداتِ الذليلةِ.. أقولُ الحقيقة وأبدأُ غيثَ البداياتِ الجميلةِ.. أُشْعِلُ الماءَ أو أنتهي.. أنشرُ المسافاتِ أو أُقاربُ الدُّمى.. أصطفي الذكرى.. ونُبلَ الجباهِ.. أقولُ البداهة.. النقاوة الصبر.. أو يستقيلَ قلبي من الحياةْ.

حين امتلأ القلبُ حزناً وضفافاً.. أذكرُ أني قلتُ كلاماً يُشبِهُ دمعي.. صلَّيتُ صلاةً مثلَ صُراخِ طفلٍ.. أذكرُ أني متُّ.. أذكرُ أني واصَلتُ طريقاً مُشرَعةً وأني استنشقتُ هواء الغاباتِ.. أذكرُ أني في حضرةِ عينيكَ مويلايَ قلتُ سلاما.. وأعطيتُ سلامَ الناسِ وبوحَ الذكرِ أعطيتُ وجيبَ هذا القلب.. أذكرُ أني ذاتَ يومٍ كسَّرتُ قيودي بأسناني وأشرعتُ كلَّ النوافذِ على الدعاءْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *