حرب ترامب التجارية: الاقتصاد الأمريكي ليس بعيداً عن مخاطرها
بقلم ابتسام الشامي
مع عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأمريكي تفعيل أدوات الحرب التجارية، وهو إذ فرض في أولى قراراته رسوماً جمركية على الصين والمكسيك وكندا، وجّه تحذيرات لدول الاتحاد الأوروبي بأنها لن تكون في منأى عن الاستهداف بأسلحة الحرب التي يعتقد أن الانتصار فيها محسوم لمصلحة بلاده.
تنفيذ وعوده الانتخابية
لم يتأخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تنفيذ وعوده الانتخابية، بإعادة تزخيم الحرب التجارية كواحدة من أدوات السياسة الخارجية لولايته الرئاسية الثانية. وفي أول “صلية” قرارات في إطار هذه الحرب، فرض رسوماً جمركية على الواردات الصينية إلى بلاده بنسبة 10٪ من ضمن سقف الـ 60٪ التي توعد بها العملاق الآسيوي، في ما كانت حصة المكسيك وكندا من الرسوم 25٪ على صادرات البلدين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
على أن السلع المشمولة بالرسوم والتي تقدر قيمتها بأكثر من تريليون دولار، هي جزء من تبادل تجاري بين واشنطن والدول الثلاث المصنفة كأكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، حيث يمثل هؤلاء مجتمعين أكثر من 40% من واردات أمريكا. علماً أن حجم التبادل التجاري للولايات المتحدة مع الصين وحدها بلغ خلال العام الماضي 530 مليار دولار، من ضمنها 400 مليار، قيمة الصادرات الصينية من الكترونيات وملابس ومنسوجات. وبواقع هذه الأرقام بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الصين خلال العام الماضي 270 مليار دولار.
الرئيس الأمريكي العائد إلى البيت الابيض، كان قد استخدم أسلحة الحرب التجارية في ولايته الرئاسية الأولى، قبل أن يضطر إلى التوصل لتسوية مع الصين، قضت بتعهد الصين باستيراد منتجات أمريكية بقيمة 200 مليار دولار، تتضمن منتجات زراعية ومأكولات بحرية، وإذ تعثر تطبيق الاتفاق بفعل التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا وما رافقها من تعطل سلاسل الانتاج والتوريد، فإن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لم تتخلَ بشكل كلي عن الحرب التجارية وإن خاضتها بشكل مختلف، إذ قيدت صادرات الرقائق الإلكترونية إلى بيكين، وزادت في المقابل بعض التعريفات الجمركية على سلع أخرى، من بينها المركبات الكهربائية التي ضاعفت الرسوم عليها أربع مرات، في حين رفعت الرسوم الجمركية على أشباه الموصلات، من 25٪ إلى 50٪.
التداعيات على الاقتصاد الأمريكي
عودة الرئيس الأمريكي إلى تسعير الحرب التجارية، تأتي في سياق رؤيته العامة لمكانة بلاده ومصالحها والتي يعبر عنها بشعار “أمريكا أولاً”، وإن أوجد لها مبرراً باتهام الدول الثلاث بالمشاركة في إغراق الولايات المتحدة الأمريكية بمادة الفنتانيل المخدرة. وبحسب مزاعم الرئيس الأمريكي فإن الصين تصدر المكونات الأساسية للعقار إلى المكسيك، ما يتيح لعصابات المخدرات المكسيكية تصنيع المادة، وبيعها في الولايات المتحدة الأمريكية، مضافاً إلى ذلك في قائمة اتهامات ترامب، أن المكسيك وكندا لا تقومان بما يجب للسيطرة على تدفقات الهجرة غير النظامية إلى بلاده. على أن هذا التبرير لا يعدو أن يكون بحسب الخبراء، سوى احتواء للتحذيرات من تداعيات الحرب التجارية ليس الاقتصاد العالمي فحسب، وإنما على الاقتصاد الأمريكي نفسه. ووفقاً لتلك التحذيرات، فإن الرسوم الجمركية المفروضة على كندا والمكسيك، من شأنها تقليص الشحنات من أكبر مورّدي النفط الخام الأجنبي إلى البلاد، علماً أن كندا تصدر إلى الولايات المتحدة نحو 4ملايين برميل من النفط يوميا، في حين تصدر المكسيك اليها نحو 500 الف برميل. ووفقا لمحللين في مجموعة غولدمان ساكس، فإن “التعريفات الجمركية على النفط الكندي من شأنها ان تخاطر بزيادات لا تلقى شعبية، وإن كانت مؤقتة، في أسعار البنزين بالغرب الأوسط الأمريكي”(1).
بدورها مجلة فورين بوليسي، نشرت تقديرا لتداعيات الحرب التجارية على الاقتصاد الأمريكي، رجحت فيه ان تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة على الواردات الصينية تزامنا مع رسوم اخرى بقيمة بين 10 إلى 20٪ ينوي ترامب فرضها، إلى ارتفاع حاد في نسب التضخم نتيجة الحرمان المفاجئ للسوق من سلع عديدة، قد لا تجد خطوط الامداد الأمريكية بدائل مباشرة لها.
وفي سياق التحذير من التداعيات، يرى الخبير الاستراتيجي الأمريكي كالفن دارك أن نهج ترامب قد يضر بمكانة الولايات المتحدة على المدى الطويل. ويقول دارك: “ترامب لا يعتمد على الدبلوماسية التقليدية، بل يفضل سياسة التهديد والضغط. لكن هذا النهج قد يدفع الحلفاء إلى البحث عن بدائل وتقليل اعتمادهم على التجارة مع واشنطن”. مشيرا إلى أن التصعيد مع الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى حرب تجارية لا تحمد عقباها، حيث يمكن أن ترد بروكسل بإجراءات تؤثر في الاقتصاد الأمريكي، مما يضر بالشركات والمستهلكين داخل الولايات المتحدة نفسها.(2)
ردود الفعل
الدول المستهدفة بالرسوم الجمركية سارعت إلى الرد السياسي والعملي على الاستهداف الأمريكي، وفي حين “نجحت الاتصالات” الدبلوماسية بين الإدارة الأمريكية وكل من المكسيك وكندا في تأجيل تطبيق الأمر التنفيذي الصادر عن ترامب، عبرت الصين عن “معارضتها القاطعة” لزيادة الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على صادراتها، ودعت إلى “الحوار والمناقشات” لحل الخلافات التجارية بدلاً من التصعيد.
ومع سعيها إلى احتواء الحرب التجارية الأمريكية من خلال العمل السياسي والدبلوماسي، فإن الصين أعلنت بالتزامن مع ذلك قيوداً جديدة على تصدير بعض المعادن والعناصر شبه المعدنية، التي تعد أساسية في صناعات مختلفة كالطاقة والتعدين. وأكدت بكين أنها ستفرض رسوماً بنسبة 10% على وارداتها من النفط الخام والآلات الزراعية والمركبات الكبيرة والشاحنات الصغيرة من الولايات المتحدة. وشدّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان على أن الإجراءات الصينية تأتي في إطار “الدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة”.
بدوره أعلن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو أن كندا ستفرض رسوماً جمركية على المنتجات الأمريكية بنسبة 25% على ما مجموعه 155 مليار دولار كندي (102 مليار يورو). ومن شأن هذه الرسوم أن تؤثر في منتجات استهلاكية مثل الفواكه الأمريكية وعصائر الفاكهة والخضراوات والعطور والملابس والأحذية وكذلك الأجهزة المنزلية والأثاث والمعدات الرياضية والمواد مثل أخشاب البناء والبلاستيك. وقال ترودو إن أفضل طريقة لأن يفتتح ترامب عصراً ذهبياً جديداً للولايات المتحدة هي الشراكة مع كندا، وليس معاقبتها.
أما في المكسيك، فقد نددت رئيسة البلاد كلاوديا شينباوم باتهام دونالد ترامب لحكومتها بالارتباط بتهريب المخدرات. وأعلنت الرئيسة القومية اليسارية عن “إجراءات جمركية وغير جمركية للدفاع عن مصالح المكسيك”.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لم يكن مشمولاً بالحزمة الأولى من الرسوم الجمركية إلا أنه فضّل التحذير مسبقاً من مغبة فرضها على دوله، وشدد على أن رده سيكون “حازماً” إذا فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية على التكتل. ونبهت المفوضية الأوروبية بأن “الرسوم الجمركية تحدث اضطرابات اقتصادية غير ضرورية وتزيد من التضخم. وهي ضارة بجميع الأطراف”.
خاتمة
بإعادته تزخيم الحرب التجارية، يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وضع الاقتصاد العالمي بما فيه اقتصاد بلاده، في دائرة الأزمات المعقدة. الدول المستهدفة بالحرب ليست مجردة من الأسلحة الاقتصادية، هي أيضاً تمتلك من الأدوات ما يمكنها من التعامل مع التحدي الجديد المفروض عليها، لكن السؤال الجوهري هو حول الدوافع الحقيقية للرئيس الأمريكي من إجراءاته المتخذة في ميدان الحرب التجارية، وما إذا كان سيخوضها مهما بلغت الكلفة والتداعيات، أم أنه يستخدمها أسلوباً تكتيكياً الهدف منه إخضاع الدول وابتزازها؟.
