عن حرب الإبادة والتجويع الصهيونية في غزَّة وتداعياتها
بقلم توفيق المديني
إذا كانت الحركة الصهيونية العالمية قد استفادت تاريخياً من المحرقة اليهودية، واستغلتها في تبرير إيجاد “دولة إسرائيل” في فلسطين، فإنه على الرغم من مرور77 عاماً على تأسيسها، عجزت هذه الدولة اليهودية في خلق وطن آمن لليهود بالفعل.
فلا تزال “إسرائيل” اليوم، تعيش في حالة حرب دائمة مع العرب عامة، والفلسطينيين خاصة، وهي تشكل أخطر مكان في العالم بالنسبة إلى اليهود، وذلك ببساطة، لأنَّها أقيمت لكي تظل قاعدة استراتيجية متقدمة للإمبريالية الغربية تقوم بدور وظيفي في إطار المخطط الإمبريالي العام حسب كل مرحلة تاريخية.
عرَّت حرب الإبادة الأمريكية – الصهيونية على غزة، واستخدام سلاح التجويع للفلسطينيين، الذي أدّى إلى خلق مجاعة جماعية للفلسطينيين في غزة، هزِّت ضمائر العالم الغربي، حيث حثت العديد من دول الاتحاد الأوروبي بما فيها تلك التي تساند تقليديا الكيان الصهيوني، إلى دعوة الحكومة الصهيونية لفتح المعابر المتعددة في شمال وجنوب غزة للسماح بتدفق منتظم للمساعدات.
لم يُدخل الكيان الصهيوني أي مساعدات إلى غزَّة منذ نحو 80 يوماً، في ظل حصار خانق وتجويع ممنهج يهدد حياة 2.4 مليون فلسطيني. فجيش الاحتلال الصهيوني يُغلق جميع المعابر بشكل كامل، ويمنع إدخال ولو حبة قمح واحدة منذ قرابة ثلاثة أشهر، ويروِّج للسماح بدخول 9 شاحنات فقط محملة بمكملات غذائية للأطفال، وهو ما لا يشكّل سوى 0.02 بالمئة من إجمالي 44 ألف شاحنة كان يفترض دخولها خلال فترة الحصار المستمر منذ 2 مارس/ آذار الماضي2025.ويحتاج قطاع غزة يومياً إلى نحو 500 شاحنة مساعدات، و50 شاحنة وقود، لتلبية الحد الأدنى من احتياجات الفلسطينيين. وتتحمل الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، والدول العربية المتواطئة مع الكيان الصهيوني، المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة الإنسانية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة “. فقد أصبحت قضية المساعدات الإنسانية مع مرور الوقت تشكل عبئاً على الكيان الصهيوني وتجعل من الصعب عليه مواجهة الضغوط الدولية.
مواقف دول الاتحاد الأوروبي والشعور بالذنب إزاء الفلسطينيين
تزايدت مع تصعيد الاحتلال الصهيوني حرب الإبادة الجماعية على غزة، واقترابه من نقطة اللاعودة في هذه الحرب، أصدر وزراء خارجية 22 دولة ومسؤولون أوروبيون بيانا، قالوا فيه: “سكان قطاع غزة يواجهون خطر المجاعة بعد منع إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية”. وأضاف البيان أنه “يجب أن يحصل سكان غزة على المساعدات التي يحتاجونها بشكل عاجل”، مشددين على ضرورة عدم تسييس المساعدات الإنسانية إلى غزة مطلقاً. وتابع: “الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تمتلك القدرة على إيصال المساعدات لجميع أنحاء غزة”، مؤكدين في الوقت ذاته على ضرورة عدم تقليص مساحة الأراضي الفلسطينية أو إخضاعها لأي تغيير ديمغرافي.
بعد 593 يوماً من نشوب حرب الإبادة الصهيونية – الأمريكية على غزَّة، وصل الكيان الصهيوني إلى قعر دبلوماسي: فها هم الداعمون التقليديون للكيان الصهيوني، مثل بريطانيا، وفرنسا وكندا – يسمحون لأنفسهم بنشر بيان يهدد “إسرائيل” بالعقوبات إذا ما واصلت الحرب في غزة. لم يسبق أبداً أنْ صيغَ بيان بهذه الحدَّةِ ضد “إسرائيل” يجعلها دولة منبوذة على الصعيد الدولي.
فقد أعلن زعماء فرنسا، بريطانيا وكندا، بأنَّهم سيفحصون فرض عقوبات على الكيان الصهيوني، وهناك 25 دولة غربية نشرت بيان تعبر فيه عن القلق من الوضع في غزة؛ الحكومة البريطانية اعلنت عن تجميد المفاوضات حول اتفاق التجارة الحرة مع الكيان الصهيوني؛ وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي أعلن عن فرض عقوبات على المستوطنين. السفيرة الصهيونية في بريطانيا تسيبي حوطوبلي، تم استدعاؤها لمحادثة في وزارة الخارجية البريطانية. في موازاة ذلك وزيرة خارجية السويد، ماريا ملمار ستانرغراد، اعلنت نيتها الدفع قدما بفرض عقوبات على وزراء صهاينة، وهي الخطوة التي تم وقفها بعد ذلك، في حين أن وزير الخارجية الفرنسية جان نوئيل بارو، أعلن أمس بأنه يؤيد فحص إلغاء اتفاق الشراكة بين الإتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني. بعد بضع ساعات بمبادرة وزير خارجية هولندا، التقى وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل لمناقشة الغاء هذا الاتفاق.
17 دولة من بين الـ 27 دولة في الاتحاد الاوروبي قررت المصادقة على إعادة النظر في الأساس القانوني لاتفاق الشراكة الرئيسي بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني. من أجل إلغاء كل الاتفاق فإنَّه مطلوب إجماع، وفي هذه الحالة لا يمكن إلغاؤه. مع ذلك، بأغلبية ساحقة يمكن إلغاء أجزاء في الاتفاق، مثل اتفاق التجارة الحرة الذي يسمح لإسرائيل بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي بدون جمارك، أو خطة “الهورايزون”، التي تسمح لإسرائيل بالتعاون مع الاتحاد في مجال العلوم والتكنولوجيا.
يقف الرأي العام في كل هذه الدول الأوروبية ضد الكيان الصهيوني، وهو آخذٌ في الاحتدام وذلك أيضاً لأنه إلى جانب التقارير التي تأتي من غزَّة، فإنَّ كل ما يسمعوه من الكيان الصهيوني هو تصريحات أقطاب اليمين الديني المتشدِّد: سموتريتش وبن غفير عن التجويع والحسم. فالخريطة السياسية القائمة في الكيان الصهيوني، والتي تؤكد معظم المعطيات (استطلاعات الرأي) والمؤشرات، على استمراريتها وتعمقها في المستقبل المنظور، تتناقض كلياً مع فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة أو حتى شبه مستقلة. فاليمين الصهيوني بشقيه المتدين والعلماني، يشغل في اللحظة الراهنة ما يزيد عن 70% من مقاعد الكنيست، وهو ما يجسد وزنه الفعلي في المجتمع الصهيوني الذي يزداد تطرفاً وعدوانيةً.
لقد أعلنت “إسرائيل” سلفاً انها لن توافق على وضع وثيقة محددة ترسم أطر المفاوضات التفصيلية حول ما يسمى بحل الدولتين، بل ذهبت إلى تأكيد ثوابتها العدوانية المتمثلة في إسداء نصائحها للأوروبيين، لجهة أن يتحلوا بالواقعية (…) وعدم انتظار تحقيق الكثير من الإنجازات أو التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب.

حكام الخليج غير مكترثين بموضوع إبادة وتجويع سكان غزَّة
في زيارة الرئيس الأمريكي ترامب التاريخية الأسبوع الماضي إلى منطقة الخليج، وتحديداً السعودية وقطر والإمارات، أغدق حكام هذه الدول الخليجية على ترامب تريليونات من الدولارات، ربما أكثر مما كان يتصور، ومع ذلك، وبسبب موقفهم العدائي من المقاومة الفلسطينية، ومن حركة حماس تحديداً، لم يكونوا قادرين على إثارة قضية حرب الإبادة التي يشنها رئيس الحكومة الصهيونية الفاشية بنيامين نتنياهو على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. فقد خلطت زيارة ترامب للخليج المفاهيم وأعادت تشكيل التوازن في العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج، لكن لا يبدو أن هناك أي تأثير على مسار حرب الإبادة الصهيونية على غزَّة. حظي الرئيس ترامب باستقبال فيه الكثير من المديح والبذخ، وبدا منسجماً تماما مع حكام الخليج واتخذ قرارات مهمة بينها رفع العقوبات عن سوريا، متغاضياً عن الخلفية الجهادية للرئيس السوري أحمد الشرع.
أما حكام الخليج فقد فشلوا في إقناع ترامب بإيقاف حرب الإبادة في غزة، وباتوا يتبنون أطروحات اليمين الصهيوني المتطرف، الذي يقول للعرب عليكم أن لا تكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، أي بمعنى آخر أن تتخلوا عن الفلسطينيين وتكفوا عن دعمهم ولو سياسياً ومعنوياً وتركهم فريسة لتستفرد بهم “إسرائيل” وترغمهم على شرب العلقم وتجرع سم الاستسلام المهين، وأن يدعموا ما يفرض على الفلسطينيين وألاّ يطرحوا مطالب وشروطاً للسلام كأن الأمر لا يعنيهم، أو كأن القدس الشريف ليست قضية عربية إسلامية بامتياز ومصير العرب مرتبط بها وبالمقدسات وبكل شبر من أرض فلسطين الطاهرة. فالمطلوب من العرب صهيونياً، ان يسكتوا و “يبصموا على بياض”.
لذلك تخلى ترامب عن التظاهر بالتزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي ودورها التقليدي في المنطقة، مقابل المنافع المتبادلة والصفقات بمليارات الدولارات والمقايضات أمام مرأى العالم.
أما بالنسبة للدول الخليجية الثلاث، فقد أشبع اعتراف ترامب بمشاريعها الضخمة في التحول الاقتصادي، وموقعها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، رغبتها في أن تكون في قلب الأحداث وتُؤخذ مواقفها على محمل الجد، وتتنكر تنكراً تاماً وعنيفاً للقضية الفلسطينية، وترفض ممارسة أي ضغوطات على الرئيس ترامب لكي يقف خرب الإبادة في غزة.
وعلى نقيض المواقف الأوروبية من حرب الإبادة واستخدام سلاح التجويع ضد سكان غزة، لم تتخذ الولايات المتحدة إجراء مماثلا ضد الحكومة الصهيونية برئاسة نتنياهو، حتى وإنْ بدت واشنطن غير متحمسة على الإطلاق للعدوان الصهيوني الأخير على غزَّة. الموقف الوحيد الذي اتخذته إدارة ترامب هو إلغاء زيارة جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إلى “إسرائيل” هذا الأسبوع لتجنب إعطاء الانطباع بأنه يؤيدها.
فقد اتخذت إدارة ترامب أيضاً عدداً من القرارات المهمة في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة، على الرغم من اعتراضات “إسرائيل”، بدءاً من رفع العقوبات عن سوريا، ووقف الغارات الجوية ضد الحوثيين في اليمن، والتفاوض مباشرة مع حماس لإطلاق سراح رهينة أمريكي في غزة. ولا شك أن هذه الخطوات أثارت استياء في الحكومة الصهيونية الفاشية.
خاتمة: تشعر الدول الأوروبية بالذنب التاريخي، لأنَّ مأساة الشعب الفلسطيني ليست مرتبطة بما يجري منذ أكثر من سنة ونصف من حرب إبادة صهيونية-أمريكية ممنهجة في قطاع غزة، بل كانت نتيجة لمعطيات وأهداف الاستعمار الأوروبي الذي خطط وباشر في تنفيذ خططه في الاستيلاء على المنطقة العربية، وفي إقامة دولة “إسرائيل”، على أرض فلسطين. ومن هنا، فإن أوروبا لا تفهم قضية شعب فلسطين أكثر من غيرها فحسب، بل لابد وأن تستشعر بما مارسته من أعماق المأساة للشعب الفلسطيني.
فالمجتمع الصهيوني الاستيطاني الذي أوجدته “إسرائيل” يخالف حقائق المجتمع البشري وترابط أجزائه بعضها ببعض، لأنه مجتمع عسكري لا رابط بين أعضائه سوى التعطش لسفك الدماء والاستعداد لخوض الحروب، مثله في ذلك مثل أي مجتمع مرتزق يقوم بوظيفة حربية. ولكن إلى متى؟
وقد أثارت حرب الإبادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني في غزَّة سيلاً عالمياً من الإدانة المنطقية لها، كما أيقظ الخوف من اليهودية في العالم. ويدّعي الصهاينة، أولا ً، أنه لا يوجد شيء اسمه الإدانة المنطقية لـ “اسرائيل” ويعتبرون كل انتقاد لها معاداة للسامية؛ وثانياً إن معاداة السامية، فيروس ينبع من قلوب الأغيار المنحرفة، بصرف النظر عمّا يفعله اليهود أو “إسرائيل”.
تزايدت التقارير الإعلامية التي تحذر من عزلة دولية للكيان الصهيوني جراء استمراره في عدوانه الوحشي وتجويع أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزَة. وها هو المعلق المعروف في صحيفة” واشنطن بوست” إيشان ثارور، يقول: إنَّه في الوقت الذي جوعت فيه “إسرائيل” ودمرت غزة، فإنَّها تتحول إلى دول منبوذة في العالم. وأكد أنه بعد أكثر من 19 شهراً على الحرب الوحشية، فإن صبر بعض حلفاء “إسرائيل” في الغرب ينفد على ما يبدو وسط عملية عسكرية جديدة في القطاع.
وهناك ضوء أمل في واشنطن أيضاً، حيث قال النائب الديمقراطي عن كولورادو جيسون كرو إن الولايات المتحدة “فقدت الكثير من قدرتها” على التحدث عن القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان على الساحة العالمية بسبب تناقضها في تطبيق هذه المبادئ على جميع النزاعات، وبخاصة مع إسرائيل، وهو ما فشلت في تطبيقه الإدارة السابقة أيضاً.
وقال ثارور إن الإسرائيليين يجدون أنفسهم في موقف المعارضة ضد نتنياهو، ففي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود اولمرت إن ما تفعله “إسرائيل” حاليا في غزة “يقترب جدّاً من جريمة حرب”.
وكان يائير غولان، زعيم الحزب الديمقراطي ذي الميول اليسارية والجنرال السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي، لاذعاً في إدانته للحرب، حيث قال متحدثا إلى هيئة إذاعة عامة يوم الثلاثاء: “إسرائيل في طريقها إلى أن تصبح دولة منبوذة بين الأمم، كجنوب أفريقيا في الماضي، إذا لم تعد إلى التصرف كدولة عاقلة”. وأضاف: “الدولة العاقلة لا تنخرط في قتال المدنيين ولا تقتل الأطفال كهواية، ولا تجعل من طرد السكان هدفاً لها”.
من جهته قال الصحفي أدريان بلومفيلد إنَّ بريطانيا وجّهت رسالة واضحة إلى بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الصهيونية الفاشية، الجمعة: استمروا فيما تفعلونه في غزة، وخاطروا بأن تُصبحوا منبوذين بين الأصدقاء الغربيين القلائل المتبقين لكم.
