إنجاز اقتصادي جديد لليمن.. العملة تتعافى من الانهيار
بقلم نوال النونو
في عام 2016، التقى السفير الأمريكي لدى اليمن ماثيو تولر بوفد صنعاء في مفاوضات الكويت، عارضاً عليهم تسليم الأسلحة والانسحاب من صنعاء، ما لم فإن الحرب المقبلة عليهم ستكون اقتصادية وأن العملة اليمنية لن تساوي قيمة الحرب الذي طبعت عليه.
كانت الضغوط الأمريكية هائلة وغير مسبوقة، وجاءت في ذروة العدوان السعودي الإماراتي على اليمن، لكن رئيس وفد صنعاء الأستاذ محمد عبد السلام رد على السفير الأمريكي يومها قائلاً: “افعل ما شئت فنحن لا نستسلم”.
وبعد أيام من فشل المفاوضات في الكويت، أقدم العدوان على نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، في خطوة كانت تهدف إلى سحب البساط من يد أنصار الله، وإضعاف الاقتصاد اليمني، وتجفيف منابع الإيرادات، وقد ترافق مع هذه الخطوة فرض حصار خانق على اليمنيين، من خلال إغلاق مطار صنعاء الدولي، وميناء الحديدة.
كما ترافق مع هذه الإجراءات الاقتصادية هجوم عسكري على أنصار الله من كافة الجبهات، وتقدمت قوات المرتزقة الموالية للسعودية والإمارات كثيراً واقتربت من العاصمة صنعاء، من جبهة (نهم)، وفي مسار آخر تقدمت كثيراً لتطرق أبواب محافظة صعدة، مسقط رأس السيد عبد الملك الحوثي، ثم تقدمت في مسار ثالث نحو محافظة الحديدة، وسيطرة على مناطقة واسعة في الساحل الغربي.
كل المعطيات آنذاك كانت تشير إلى صعوبة صمود القوات اليمنية، وأنصار الله، وحكومة صنعاء، لكن الصمود اليمني كان سيد الموقف، وقد استطاع أنصار الله بصبرهم وثباتهم وقوة عزيمتهم على مواجهة كل هذه التحديات بثبات وحكمة، وقوة لا تلين، وفي مقدمة ذلك مواجهة الإعصار الاقتصادي، فقد لجأت حكومة المرتزقة إلى طباعة العملة بطريقة غير شرعية وبكميات مهولة، مستغلة سيطرتها على البنك المركزي في محافظة عدن، وأغرقت السوق اليمنية بالعملة المزيفة، ما أدى إلى حدوث تضخم وارتفاع كبير للأسعار، وانهيار للعملة اليمنية أمام العملات الأجنبية.
لكن صنعاء تعاملت مع هذه الخطوة بنوع من الحكمة والذكاء، فقد أعلنت عدم شرعية العملة التي تمت طباعتها، وطلبت من المواطنين بعدم التعامل معها، وسحبها من الأسواق في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وبالتالي أصبحت عملة المرتزقة لا قيمة لها في مناطق سيطرة صنعاء، ولم يتم التعامل إلا بالعملة القانونية والأوراق التي طبعت قبل بدء العدوان على اليمن، في حين تعامل المواطنون في المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية الواقعة تحت سيطرة الاحتلال الإماراتي السعودية بالعملة المطبوعة، وكان من نتائج هذا تدني سعر الصرف، وتدهور الريال اليمني أمام الدولار الأمريكية والعملات الأجنبية الأخرى، في حين حافظت صنعاء على سعر الصرف، ولم يحدث انهيار للريال اليمني.
وعلى مدى 7 سنوات، كان اليمنيون في مناطق سيطرة أنصار الله يتعاملون مع عملة ورقية مهترئة وشبه تالفة، وكانت تسبب الكثير من المشاكل للتجار ورجال المال والأعمال، لكن البنك لمركزي في صنعاء، لجأ إلى خطوة هامة قبل أيام لمعالجة مشكلة تلف الأوراق، حيث سك عملة معدنية من فئة (50) ريالاً، وقبلها سك عملة معدنية من فئة (100) ريال، وتم إنزالها في الأسواق، لتقضي على مشكلة العملة التالفة من هاتين الفئتين، ثم أقدمت على اجراء ثالث بطباعة عملة ورقية من فئة (200) وتم انزالها إلى السوق، وهذا الاجراء شكل صفعة اقتصادية مدوية لمرتزقة العملاء، وللعدوان السعودي الإماراتي.
معركة اقتصادية لم تنتهي
ما يميز هذا الإجراء أنه جاء ليحلّ مشكلة العملة الورقية التالفة، ولم يشكل انهياراً للاقتصاد، أو حدوث تضخّم في العملة، فكان إجراءً اقتصادياً ناجحاً بحسب الكثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين، ونجاح مقتدر لحكومة صنعاء والبنك المركزي فيها، ودليل على حنكة اقتصادية استطاعت أن تتعامل مع التهديدات الأمريكية بذكاء، وأن تحافظ على اقتصاد اليمن وعملته.
الآن، وبعد هذا السنوات، يؤمن اليمنيون أن السفير الأمريكي لم ينتصر في معركته الاقتصادية ضدهم، فالمتغيرات جميعها صبت في صالح أنصار الله، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وبمقارنة بسيطة جداً بين وضع اليمنيين في المناطقة الواقعة تحت سيطرة أنصار الله، ووضع اليمنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة المرتزقة والاحتلال الإماراتي السعودي، تجد الفارق كبيراً، فهناك في مناطق الاحتلال غلاء جنوني في الأسعار، وانهيار متواصل للعملة أمام العملات الأجنبية، ووضع معيشي صعب جداً لكافة المواطنين، وارتفاع للبطالة والفقر، بعكس الوضع في مناطق سيطرة أنصار الله، الذين تمكنوا من المحافظة على استقرار الصرف على مدى 8 سنوات مضت، ولهذا تجد السلعة في صنعاء على سبيل المثال تباع بـ (100) ريال، في حين تباع في عدن بـ (600) ريال، وهذا الوضع كان له انعكاساته السلبية على حكومة المرتزقة، فالمظاهرات والاحتجاجات لا تتوقف في عدن وحضرموت، ولسان حال المواطن اليمني يقول: لماذا الأسعار في صنعاء ثابتة ومستقرة ونحن لا، ولماذا الأمن والاستقرار في صنعاء ونحن لا؟ وهو اعتراف من قبل المواطنين على أن المسؤولين في صنعاء كانوا أهل حكمة وأجدر بإدارة البلد، من حكومة المرتزقة المرتهنة للخارج.
وحتى الآن، لا يزال اليمن يعاني من آثار العدوان والحصار الاقتصادي الذي فرضه العدوان السعودي الإماراتي، فآبار النفط والغاز لا تزال تحت سيطرة العدو، وهذه الإيرادات الضخمة من العملة الصعبة كانت تعود بالنفع على اليمنيين في صرف رواتبهم وتحسين اقتصادهم قبل العدوان، لكن سيطرة الاحتلال عليها سبب مشكلة اقتصادية كبيرة لدى صنعاء، ولم تتمكن من صرف رواتب الموظفين طيلة السنوات السابقة إلا بالندر اليسير، إضافة إلى أن الكثير من المصانع تعرضت للتدمير والخراب بفعل القصف، وكذلك توقفت أهم الإيرادات لليمن من المنافذ البحرية والجوية والبرية بفعل الحصار الغاشم.
يدرك اليمنيون أنهم في منتصف الطريق، وأن مواجهتهم العسكرية والاقتصادية والثقافية والإعلامية لم تحسم حتى الآن مع السعودي والإماراتي الذي لا يزال يراوغ كثيراً ولا يجنح للسلام، رغم توقيع هدنة لم يلتزم فيها إلا بوقف الغارات الجوية على اليمن، في حين يواصل حربه المتنوعة على اليمن بكل الوسائل والطرق، ولذا فإن اليمن على استعداد لخوض جولة جديدة من المواجهة مع السعودية والإمارات حتى يتحقق الانتصار الكبير والذي نراه قريباً.
