إقليميات

صراع النفوذ والغاز والحدود في مرحلة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط

بقلم زينب عدنان زراقط

وفي هذا السياق، لم تعُد علاقة لبنان بالولايات المتحدة وإسرائيل مجرد توازنات دبلوماسية، بل أصبحت مفاتيح لفهم المرحلة المقبلة من التحوّلات الإقليمية، حيث يتقدّم الغَاز على السياسة، والبَحر على البر، والحدود على الدولة نفسها. إن لبنان اليوم ليس دولة تبحث عن إصلاح أو استقرار فحسب، بل دولة تُعاد هندستها ضمن صِراع ثلاثي أبعاده أكبر من حدودها وأعمق من أزماتها.

هكذا يصبح الصراع على الطاقة امتداداً للصراع على الحدود، وتغدو مسألة الغاز جزءاً من معادلة أمنية وسياسية تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية، وتعيد طرح سؤالٍ أكبر: هل يملك لبنان الأدوات التي تمكّنه من الدفاع عن حقوقه وموارده في بحر يتزاحم فيه اللاعبون الإقليميون والدوليون، أم أنّ مكامن القوة الحقيقية يجب الاعتراف أنها خارج مؤسسات الدولة ودبلوماسيات السياسة، لا تكمن إلاَّ بالسلاح؟! فهل يدخل لُبنان في تسوية سياسية – اقتصادية كُبرى تُحدِّد مُستقبله الإقليمي تحت درع المقاومةِ؟!.

لبنان بين المطرَقة الأمريكية والسِندان الإسرائيلي

اليوم، لبنان يعيش واقعاً مفروضاً أكثر مما هو مختار، حيث يُحتكر القرار السياسي في الكثير من ملفاته الحيوية بيد قوى خارجية، وأبرزها الولايات المتحدة، التي تُحدد من سيُنتخب ومن تُفرض عليه السياسات، وتضع سقفاً لما يمكن للحكومة أن تقرره. ومن هنا يمكن فهم التبدلات الكبرى التي شهدها لبنان خلال العقود الأخيرة. فمنذ عام 2005، توسّعت اليد الأمريكية داخل مؤسسات الدولة اللبنانية بشكل غير مسبوق.

وبعد حرب 2006، أصبحت واشنطن الشريك الإجباري في صياغة القرار العسكري اللبناني عبر منظومة الدعم الموجّه للجيش. فالمساعدات الأمريكية ليست هبات إنسانية، بل أدوات تأثير تُرسّخ خطوطاً حمراء في الجنوب وتمنع الجيش من اتخاذ أي قرار قد يغيّر موازين الردع. ولم يقف النفوذ الأمريكي عند البعد العسكري، بل امتد ليطال الجانب الاقتصادي والمالي أيضاً. فمن خلال صندوق النقد ونظام العقوبات والتحكّم بمسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تُمسك واشنطن بالمفاصل الاقتصادية للدولة. وهكذا، تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى مساحة نفوذ أمريكية، حيث باتت أي خطة إنقاذ تحتاج لإرادة سياسية من واشنطن قبل أي مؤسسة لبنانية.

وما زاد المشهد تعقيداً أنّ هذا النفوذ الاقتصادي ترافق مع دخول لبنان في معادلة الغاز العالمية. فبعد الترسيم البحري أصبح جزءاً من استراتيجية الولايات المتحدة لتأمين مصادر طاقة لأوروبا، ما جعل استقراره ضرورة جيوسياسية لا تعكس بالضرورة حُباً بلبنان، بل حاجة دولية لضمان سيرورة مشروع الغاز.

في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من معادلة الضغط الخارجي، تتعامل إسرائيل مع جنوب لبنان ليس كحدود طبيعية، بل كواجهة أمنية لا بد من السيطرة عليها أو اختراقها. فمنذ عام 1968 وحتى اليوم، نفّذت إسرائيل حروباً وعمليات توغل واغتيالات، في سياق عقيدتها الأمنية التي تضع “أمن الجليل” في قلب أولوياتها القومية. وعلى الرغم من القرارات الدولية، لم تتوقف الخروقات الجوية يوماً، فالسماء اللبنانية مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي، الذي يستخدمها لتثبيت تفوقه ولإرسال رسائل سياسية وعسكرية.

ومع دخول ملف الغاز على الخط، ازداد الطمع الإسرائيلي وضوحاً. فقد حاولت تل أبيب اقتطاع أجزاء من البلوك 9 وفرض خط هوف كأمر واقع، ما يُظهر أن أطماعها لم تكن حدودية فحسب، بل اقتصادية واستراتيجية أيضاً. وما كان للبنان أن يحفظ موارده لولا وجود قوة ردع تمنع إسرائيل من التمدّد البحري كما فعلت مع دول أخرى.

أمام هذا المشهد المزدوج، يجد لبنان نفسه اليوم أمام حقيقتين قاسيتين: الأولى أنّه لا يملك دولة قوية بما يكفي لفرض سيادتها الكاملة، والثانية أنّ الأطراف الخارجية تتعامل معه وفق مصالحها الاستراتيجية، لا وفق مصلحة لبنان. فالدولة الضعيفة تواجه مشاريع تتجاوز قدراتها: نفوذ أمريكي يحدّد الإيقاع الاقتصادي والعسكري، وتهديد إسرائيلي يختبر الحدود والسماء والبحر. هذه الثنائية خلقت واقعاً هشّاً: الدولة لا تملك مقومات الدفاع، والجيش مقيّد سياسياً، والاقتصاد خاضع لشروط دولية، والحدود الجنوبية مرتبطة بتوازنات إقليمية. وعليه، بات واضحاً أن كل ملف داخلي أصبح انعكاساً لصراع خارجي، من تشكيل الحكومة إلى التعامل مع المصارف، ومن الكهرباء إلى الحدود. لم يعد لبنان سيّد قراره، بل ساحة تُدار وفق حسابات لاعبين أكبر منه.

سلاح المقاومة – قوة داخلية بوظيفة إقليمية

أعادت هذه الأحداث فتح النقاش حول مفهوم السيادة في لبنان. فالدولة التي ترفع شعار السيادة تجد نفسها عاجزة عن السيطرة الكاملة على حدودها الشمالية، أو منع التجسس الإسرائيلي، أو فرض التزام متوازن بالقرار 1701. وهذا يقود إلى خلاصة مفادها أنّ السيادة في لبنان ليست معطى ثابتاً، بل مفهوم يتبدل وفق موازين القوى الداخلية وتدخلات الخارج، لا وفق قدرة الدولة على فرض إرادتها. ولأن إسرائيل تواصل خرق الأجواء والحدود بشكل شبه يومي، فيما يُطلب من لبنان تطبيق التزام صارم جنوب الليطاني، تتكشف حقيقة الخلل في المعادلة: سيادة غير متوازنة، واستحقاق أمني يفوق قدرة المؤسسات، وحاجة ملحّة إلى إعادة تعريف دور الدولة في ظلّ صراعٍ حدوديّ لم تهدأ نيرانه منذ وقفِ إطلاقِ النار، مُبقيةً الجنوبَ في حالةِ اشتباكٍ دائمٍ على الرغم من توقف العمليات الواسعة.

في هذا السياق، يُشكّل سلاح المقاومة العنصر الأكثر جدلاً في الداخل اللبناني، لكنه في الوقت نفسه الركيزة الأساسية التي حالت دون سيطرة إسرائيل على الحدود أو على موارد الغاز. وهذه ليست وجهة نظر سياسية، بل حقيقة فرضتها أحداث 2006 وما بعدها، حيث تغيّر ميزان الردع بشكل جذري. ولذلك، عندما ترتفع الأصوات المطالِبة بنزع السلاح، تصطدم بواقع لا يمكن تجاهله: فالجيش لا يمتلك قدرة مواجهة إسرائيل، وواشنطن نفسها على الرُغم من موقفها المعلن، لم تطالب يوماً بتفكيك السلاح بشكل فوري، مكتفيةً بالضغوط الدبلوماسية والتنسيق مع الدولة اللبنانية. وفي المقلب الآخر تدرك تل أبيب أن أي حرب شاملة قد تفتح جبهة داخلية لا تستطيع احتواءها. لذلك، أصبح السلاح جزءاً من معادلة دولية تتجاوز قدرات لبنان، حتى ولو لم تتفق القوى الداخلية على دوره أو شكله.

وعلى المستوى الأوسع، تبدو إسرائيل نفسها في موقع مأزوم. ففي عام 2025 تبدو كأنها محاصرة داخل تناقضاتها الداخلية قبل الإقليمية. فبعد الاستنزاف الطويل في غزة، باتت المؤسسة العسكرية أكثر حذراً من أي مواجهة واسعة مع لبنان، فيما لا تزال قوى سياسية تدفع باتجاه التصعيد. إسرائيل لا تستطيع شن حرب شاملة لأنها مكلفة، ولا تستطيع قبول الوضع القائم لأنه ينهك الجبهة الشمالية، ولا تستطيع الانسحاب دون مقابل لأنه يكرّس الهزيمة، ولا تستطيع تحقيق تسوية داخلية بين صقورها وعقلائها. هذا الشلل يدفع واشنطن إلى كبح الاندفاع الإسرائيلي، إذ إن أي حرب واسعة ستفجّر مشروع الاستقرار الذي تعمل عليه في شرق المتوسط وتهدد مسار الطاقة البحري.

وفوق ذلك، ساهم تغيّر المزاج العالمي في تضييق مساحة الدعم المطلق لإسرائيل. فحتى داخل الولايات المتحدة، بدأت دوائر أكاديمية وشبابية وحقوقية تنتقد الدعم غير المشروط لتل أبيب، ما وضع الحكومة الإسرائيلية أمام تحول عالمي كانت تنكره لسنوات. هذا التراجع في صورة “الدولة التي لا تُقهر” لم يأتِ فقط نتيجة الأداء العسكري، بل بسبب الفوضى السياسية الداخلية وتناقض الخطاب الرسمي وتضارب التصريحات حول أهداف الحرب ونتائجها. وهكذا دخلت إسرائيل ساحة جديدة من الصراع: ساحة الرأي العام الدولي، التي تمتلك تأثيراً كبيراً على شكل الدعم السياسي والعسكري في المدى المتوسط.

آفاق المرحلة المقبلة – اشتباك بارد فوق نار

الغاز يُدخل لبنان اليوم مرحلةً شديدةَ الحساسيّة يمكن وصفها بـ “الاشتباكِ الباردِ”. فالحربُ ليست وشيكةً، لكنها ليست مستبعدةً، والهدوءُ القائمُ ليس سلاماً، بل فاصلاً هشّاً بين جولاتِ الضغطِ. وفي الفترةِ المقبلةِ، يُرجَّح أن يشهد لبنان تبادلاً للرسائلِ الأمنيّةِ، وعملياتٍ غيرَ متوقّعةٍ، إلى جانبِ ضغوطٍ دوليّةٍ متزايدةٍ لإعادةِ ضبطِ التوازنِ السياسيِّ الداخليِّ. وفي خلفيّةِ هذا المشهدِ، يجري تفاوضٌ غيرُ معلنٍ أعمقُ بكثيرٍ مما يظهر في الإعلامِ، يتصل بملفاتِ الغازِ والحدودِ والأمنِ والأدوارِ الإقليميّةِ.

على هذا الأساسِ، يبدو أن المجتمعَ الدوليَّ، بقيادةِ واشنطن، يسعى إلى استقرارٍ يتيحُ الاستثمارَ في الثروةِ البحريّةِ، فيما تبحثُ إسرائيل عن ضماناتٍ أمنيّةٍ طويلةِ الأمدِ، بينما يحاول لبنان الحفاظَ على الحدِّ الأدنى من سيادتِه وسط بيئةٍ مختلّةِ التوازنِ. ولولا وجودُ مقاومةٍ تمتلك قدرةَ ردعٍ حقيقيةٍ، لكان لبنان اليوم ساحةً مفتوحةً أمام العدوانِ الإسرائيليِّ، تماماً كما يحدث في سوريا حيث تتوغّل إسرائيل جوّاً وبراً بلا رادعٍ فعليٍّ. فحضورُ المقاومةِ هو ما حال دون تكرارِ السيناريو السوريِّ على الأرضِ اللبنانيّةِ، ومنع تل أبيب من فرضِ وقائعَ ميدانيّةٍ أو بحريّةٍ بالقوةِ.

في المحصّلةِ، يقف لبنان عند مفترقٍ تاريخيٍّ. لم يعد السؤالُ المطروحُ هو كيفيةَ الخروجِ من الأزمةِ، بل أيَّ دولةٍ سيكون عليها لبنان بعد انتهاء هذا الاشتباكَ. فالمعادلةُ الجديدةُ لا تُبنى داخل البرلمانِ، بل تُرسَم على الحدودِ وفي البحرِ وفي مساراتِ الطاقةِ العالميّةِ. إمّا ينجح لبنان في تثبيتِ توازنِ الردعِ الذي يمنعُ انهيارَه أمام إسرائيل، أو يدخل في تسويةٍ أمريكيةٍ كبرى تغيّر شكلَ النظامِ السياسيِّ، أو ينزلقُ إلى مواجهةٍ واسعةٍ تعيدُ رسمَ حدودِ النفوذِ.

لبنان اليوم ليس دولةً على الهامشِ، بل نقطةَ ارتكازٍ في صراعٍ دوليٍّ، وسيبقى كذلك ما دامت الثروةُ الغازيّةُ تتقدّم على السياسةِ، والبحرُ على البرِّ، والحدودُ على الحكومةِ. ويبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: هل ستظل السيادةُ اللبنانيةُ رهينةً لخطاباتٍ دبلوماسيةٍ بلا أثرٍ، فيما العدوُّ لا يفهمُ سوى لغةِ القوةِ والسلاحِ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *