إقليميات

ما بعد أحداث حضرموت.. دعوات علنية للانفصال؟!

بقلم نوال النونو

ولتوضيح الصورة أكثر، فإن اليمن الذي تبلغ مساحته 555 ألف كيلومتر مربع، ينقسم إلى شمال وجنوب، حيث تقع معظم المحافظات اليمنية الشمالية تحت سيطرة “أنصار الله” الحوثيين، باستثناء مدينة مأرب شمال شرقي اليمن، وأجزاء من مدينة تعز جنوب غربي اليمن، في حين استكملت قوات “الانتقالي” السيطرة على المحافظات الجنوبية، والجنوبية الشرقية، وأخرجت القوات التابعة للإخوان المسلمين – حزب الإصلاح – من هذه المحافظات، والتي كانت تدين بالولاء للسعودية.

وبناءً على هذه الأحداث، بدأ “المجلس الانتقالي الجنوبي” بدعم إماراتي بالتهيئة لإعلان دولة جديدة، تسمى دولة “الجنوب العربي”، وبدأت هذه الممارسات فعلياً على الأرض، من خلال رفع الأعلام الجنوبية بدلاً من علم الجمهورية اليمنية، بل ووصل الحال بهذه القوات إلى الدوس على علم اليمن الموحد، وإحراقه، وإطلاق الرصاص عليه.

ويتصرّف رئيس ما يسمى “المجلس الانتقالي الجنوبي” عيدروس الزبيدي باعتباره رئيساً لما يسمى دولة “الجنوب العربي”، وبموازاة ذلك يحشد أنصاره في مظاهرات واعتصامات للمطالبة “بالانفصال”، محاولاً فرض أمر واقع، والقيام بخطوات تتجه نحو إعلان “دولة الجنوب”، لكنهم عاجزون عن ترجمة ذلك إلى واقع عملي حقيقي، لأن خيار “الانفصال” لا يأتي من خلال تشنجات، أو دراسة غير منطقية، وإقامة دولة جديدة يحتاج إلى اقتصاد جديد، وعملة جديدة، وهيكل جديد، واعتراف دولي، وهذا لا يمكن أن يتحقق بسهولة؛ لذا فمن المتوقع أن يتراجع “الانتقالي” عن كل هذه الخطوات إذا وجد كل الأبواب موصدة أمامه.

ما يؤكد أن “الزبيدي” يقدم نفسه كرئيس للدولة الجديدة هو لقاءاته في القصر الرئاسي بِعَدَن، مؤكداً أنه يسعى لبناء هذه الدولة، وأنه سيتحرك لما سماه تحرير شمال اليمن من “الحوثيين”، بل إن الرجل حاول مغازلة السعودية الغاضبة عليه من خلال التأكيد بأن قواته ستكون حرباً لمواجهة إيران والقوى المتحالفة معها.

ترتيبات جديدة لمواجهة صنعاء

وتتابع القوى السياسية والثورية في صنعاء أحداث الجنوب بدقة عالية، لكن لم يصدر أي تعليق من قبل السيد عبد الملك الحوثي أو القيادات الكبيرة حول ما يجري، لكن اليمنيين بالشمال في حالة استنفار عالية، ويتضح ذلك من خلال الوقفات القبلية المسلحة التي تخرج كل يوم في معظم المديريات والقرى، والتي يصدر عنها بيانات تؤكد الاستعداد لمواجهة أي تصعيد.

وكان السيد الحوثي قد حث في بيان له قبل أسابيع أبناء اليمن على الاستعداد لجولة قادمة من المواجهة، لكنه ربط عملية الاستعداد بالتطورات الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن الأعداء يخططون لاستهداف منطقتنا العربية، وفي المقدمة حزب الله في لبنان، والعراق، واليمن. ولهذا يفهم من كلام السيد الحوثي أن الأحداث في حضرموت لا تخرج عن هذا السياق أو المخطط الذي ترسمه أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي، وهو إعادة تدوير قوات المرتزقة الموالين للسعودية والإمارات للدخول في المعركة الفاصلة مع “أنصار الله” بدعم أمريكي سعودي إماراتي صهيوني.

ويؤكد هذا الرأي التصريحات المتتالية من قيادات المرتزقة، والتي تجمع على أن الهدف القادم بالنسبة لهم هو “تحرير صنعاء” والقضاء على ما يسمونهم “الحوثيين”، ما يعني أن هناك مخططاً يدار بهدوء لتفجير المعركة الكبرى، وصنعاء على وعي كبير بذلك، وهي تستعد للمواجهة والتصدي للمؤامرة الكبيرة التي تستهدف اليمن.

“بريمر” سعودي في حضرموت

وقبل السيطرة الفعلية لقوات الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، وصل وفد سعودي إلى حضرموت برئاسة رئيس اللجنة الخاصة السعودية محمد بن عبيد القحطاني، وهو أحد المسؤولين الكبار في المملكة، وصاحب الكلمة الأولى في صرف وتوزيع المنح المالية على المشايخ والشخصيات الاجتماعية اليمنية، كما هو حال اللجنة منذ عقود من الزمن.

ويتصرّف القحطاني في حضرموت وكأنه الحاكم الفعلي، فهو يلتقي بالمسؤولين، وبالمواطنين والشخصيات النافذة بالمحافظة، وهو الذي يوجه القيادات العسكرية بالانسحاب من معسكراتهم أو البقاء فيها، وهو الذي يطالب بخروج قوات الانتقالي من حضرموت والمهرة وشبوة، وإحلال قوات ما يسمى “درع الوطن” مكانها.

وتكشف تحركات القحطاني عن ترتيب للغنائم مع الإمارات، وتحديد ما الذي تحتاجه الرياض أو ما لا تحتاجه، ووجوده في حضرموت منذ بدء الأحداث يعطي ضغطاً كبيراً على الانتقالي، ويهدد بنسف كل ما حققه من إنجازات عسكرية قد تُحسب له. وهذا إذا ما افترضنا وجود خلاف سعودي إماراتي حقيقي وخروج الانتقالي عن الخط المرسوم له، أما إذا كان هناك توافق خليجي، فإن السعودية تحاول تهدئة قبائل حضرموت وترويضها بالمال حتى تقبل بالأمر الواقع، وهو المرجح كما نعتقد.

وتعد محافظتا حضرموت والمهرة من أبرز المحافظات اليمنية التي لها نصيب كبير من الأطماع السعودية، كون المحافظتين تقعان على الحدود مع السعودية، والمملكة تعمل منذ سنوات كثيرة على نهب ثروات وخيرات حضرموت الغنية بالنفط والمعادن والمطلة كذلك على البحر العربي.

أما محافظة المهرة، فإن الرياض ومنذ سنوات تعمل على مشروع لشق أنابيب النفط السعودية عن طريق المهرة وبناء ميناء فيها يمكنها من تصدير النفط عبر البحر العربي لتفادي المرور من مضيق هرمز، وهذا لن يتحقق إلا إذا فرضت سيطرتها على المهرة.

في كل الأحوال، تسعى السعودية والإمارات إلى إعادة ترتيب أوراقهما في اليمن، من خلال تحريك الأدوات لتنفيذ المخطط الكبير وهو مواجهة أنصار الله بهدف القضاء عليهم، وهذا الهدف يخدم في المقام الأول الكيان الصهيوني الذي تعرض لحصار خانق في البحر الأحمر لمدة عامين خلال معركة طوفان الأقصى، وقصف صاروخي باليستي بالصواريخ الفرط صوتية، ما يجعله لاعباً أساسياً في كل هذه الأحداث لخدمة أهدافه.

وتترقب صنعاء كل ما يحدث باهتمام كبير، واستعداد متواصل، فالقيادة اليمنية وقواتها المسلحة تدركان أن كل ما يحدث يأتي ضمن طبخة تستهدف اليمن، وإذا كانت المعارك في السنوات السابقة تدار تحت عناوين طائفية (سُني، شيعي)، فإن المعارك المستقبلية ستدار تحت عناوين مناطقية (شمالي، جنوبي)، وهو ما تدركه صنعاء وتعمل للتصدي له بكل قوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *