التصعيد الأمريكي ضد فنزويلا مستمر.. سرقة النفط أولوية
بقلم ابتسام الشامي
واصلت الولايات المتحدة الأمريكية تصعيدها التدريجي ضد فنزويلا، وبموازاة التحشيد العسكري في البحر الكاريبي، أطلقت أولى عمليات قرصنة النفط الفنزويلي، بالسطو على إحدى ناقلاته، في خطوة أكدت الإدارة الأمريكية أنها لن تكون يتيمة وإنما بداية مسار جديد في سياق رفع الضغوط على كاراكاس.
مصادرة ناقلة نفط
لم تمض أيام قليلة على نشر البيت الأبيض الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي التي ركزت على “استعادة التفوق الأمريكي” في أمريكا اللاتينية، حتى بدأت واشنطن مرحلة جديدة من الضغوط على فنزويلا وأخواتها من الأنظمة المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أن البلاد العائمة على أضخم احتياطي نفط عالمياً تعيش منذ شهر آب الماضي أجواء اقتراب الحرب الأمريكية ضدها، إلا أن واشنطن أرسلت خلال الأيام الماضية رسالة إلى كاراكاس توضح فيها عزمها على تغيير الهوية السياسية للبلاد عبر تحييد نظامها القائم، مضيفة إلى هذا القرار المعروف، شروحاً إضافية عن الوسائل التي قد تعتمدها، ومنها إلى حشد المزيد من القوات والقطع العسكرية والعقوبات الاقتصادية وإغلاق الأجواء وقصف قوارب الصيادين، تكليف الجيش الأمريكي بسرقة النفط الفنزويلي حتى تحديد توقيت بدء الحرب، في خطوة مصممة تولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه كشفها أمام الصحافيين في البيت الأبيض، في ما يعد أحدث محاولة من قبل إدارة ترامب لزيادة الضغوط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، “لقد احتجزنا للتو ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا، إنها ناقلة ضخمة، بل في الواقع هي الأكبر على الإطلاق التي يجري احتجازها”.
السطو على النفط الفنزويلي الذي بدأت طلائعه في حادثة يوم الأربعاء الماضي، يبدو أنه سيكون مساراً جديداً من مسارات رفع الضغوط على كاراكاس. فقد أفادت ستة مصادر مطلعة لوكالة رويترز، بأن الولايات المتحدة تستعد لاعتراض المزيد من السفن التي تنقل النفط الفنزويلي. وقالت مصادر ملاحية للوكالة إن عملية الاحتجاز، وهي الأولى من نوعها منذ عام 2019، وضعت مالكي السفن والمشغلين والوكالات البحرية المشاركة في نقل الخام الفنزويلي في حالة تأهب، إذ أعاد كثير منهم النظر فيما إذا كانوا سيبحرون من المياه الفنزويلية في الأيام المقبلة كما هو مخطط له.
وذكرت المصادر المطلعة التي رفضت الكشف عن هويتها نظر لحساسية القضية أن “من المتوقع تنفيذ الولايات المتحدة مزيداً من التدخلات المباشرة في الأسابيع المقبلة مستهدفة السفن التي تحمل النفط الفنزويلي والتي ربما تكون نقلت أيضاً نفطاً من دول أخرى مستهدفة بعقوبات أمريكية، مثل إيران”.
الحكومة الفنزويلية: ثرواتنا مستهدفة
ورداً على هذا الاعتداء، اتهمت الحكومة الفنزويلية الولايات المتحدة بارتكاب عمل من أعمال القرصنة الدولي قبالة سواحلها، معتبرة أن واشنطن تنفذ خطة متعمدة للاستيلاء على مواردها النفطية. معتبرة أن حجج الولايات المتحدة المتعلقة بالهجرة أو المخدرات أو حقوق الإنسان ليست سوى ذرائع سياسية.
وجاء في بيان الحكومة، “الأمر لا يتعلق بالهجرة، ولا بالمخدرات، ولا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان. الأمر كان دائما يتعلق بمواردنا الطبيعية، نفطنا، طاقتنا، الموارد التي تعود حصريا للشعب الفنزويلي”.
انقسام أمريكي
على أن هذه الخطوة التصعيدية الجديدة أثارت انقسام المشرعين الأمريكيين، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من نوايا عدوانية قد تورط الولايات المتحدة بحرب جديدة.
وفي هذا السياق، رأى نواب ديمقراطيون أن الخطوة من جانب وزارة الحرب والبيت الأبيض “تصعيدية في شكل ونوعية عمل القوات الأمريكية في مياه الكاريبي، في وقت لا يزال فيه البيت الأبيض يتصرف دون الحصول على تفويض من الكونغرس”.
ونقلت عنهم وكالة إرم نيوز اعتبارهم أن هذا التطور من شأنه أن “يضيف المزيد من التعقيد إلى النقاشات الدائرة حالياً في مبنى الكابيتول حول هذه العملية”. بدورهم نواب جمهوريون، أظهروا، وفقاً للمصدر ذاته، تأييدهم للخطوات التي يتخذها البيت الأبيض في هذه العملية مؤكدين أن نظام مادورو عمل دائماً على تقديم مساعدات مباشرة إلى كوبا خصوصاً بتزويدها بمواد الطاقة والنفط. أوضحوا أن “ناقلة النفط المحتجزة كانت في طريقها إلى كوبا وهو سلوك فنزويلي لطالما أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من هذا النوع من التعاون بين نظامين يعاديانها في الحدود القريبة والمجاورة”.
التهديدات تقابل بالمزيد من الاستعداد
مصادرة ناقلة النفط الفنزويلية من قبل القوات الأمريكية في البحر الكاريبي أعقبها فرض واشنطن عقوبات جديدة على ثلاثة من أبناء شقيق الرئيس الفنزويلي وشركات عدة تتولى نقل النفط، أكدت النوايا العدوانية الأمريكية اتجاه فنزويلا والتي تستعد الأخيرة لمواجهتها برفع مستوى الاستنفار لدى المؤسسة العسكرية والتعبئة العامة في الأوساط الشعبية. وفي هذا الإطار أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عزم بلاده “تعزيز قدراتها الدفاعية خلال العام المقبل، وذلك ضمن رؤية سماها “خطة 2026”. مشيراً إلى أن حكومته تعتزم إعلان استراتيجيات جديدة لتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد في العام الجديد. وأوضح أن هذه القرارات جاءت إثر اجتماع عقده مع كبار مسؤولي الحكومة. وأكد مادورو “أن التحركات العسكرية الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي تشكل تهديداً ضد فنزويلا” موضحاً “أن هذه التطورات تعد أحد أكبر دوافع بلاده لزيادة استثماراتها الدفاعية”، في مجالات الأمن والدفاع وسياسات الاتصال والتنظيم المجتمعي.
من جهته، أعلن وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز أن “التهديدات التي تعرضت لها فنزويلا مؤخراً دفعتها إلى تطوير استراتيجيات جديدة وإعادة هيكلة “القوة المليشياوية” داخل البلاد. وأضاف أن القوات البحرية الفنزويلية تعزز استعداداتها وتأهبها يوماً بعد يوم، وهي “مستعدة للرد على أي هجوم قد يستهدف البلاد”.
خاتمة
بمصادرة ناقلة النفط، والتلميح بأنها بداية لعمليات مماثلة، ترفع الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطها على فنزويلا، والأهم أنها تكشف حقيقة نواياها بوضع اليد على ثروات البلاد الكاريبية، بخلاف المزاعم التي سوقتها عن محاربة تجارة المخدرات وملوكها، ومع استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب التي تعيد تركيز الاهتمام على أمريكا اللاتينية بوصفها منطقة نفوذ أمريكي صافية، فمن الواضح أن فنزويلا ليست سوى بداية مسار تصفية الأنظمة السياسية المناوئة في ما تعتبره واشنطن، المحيط الاستراتيجي لأمنها القومي.
