إعرف عدوك

سوريا الجديدة – عام على صعود الشرع إلى الحكم

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

كيف تبدو سوريا بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد – في الساحة الداخلية وفي الساحة الدولية – وما هي التوصيات لإسرائيل؟ “في غياب المعايير، الجيش الإسرائيلي هو الذي يدفع الثمن

وحتى الآن دفعت حكومة المرحلة الانتقالية باتجاه خطوات تثبيت سريعة وإجراءات سياسية عاجلة، تشمل تشكيل حكومة تكنوقراط وبرلمان مؤقت، إلى جانب محاولة لإعادة بناء الجيش السوري. وفي الوقت الذي يحقق فيه الشرع نجاحات لافتة في ترميم العلاقات الخارجية لسوريا ويحظى باعتراف دولي ودعم أمريكي، يواجه داخلياً تحديات كبيرة، من بينها: توتر طائفي ودعوات للانفصال، وجود مجموعات متطرفة وجهادية تعارض نهجه، وأزمة اقتصادية خانقة. وبينما تظل التساؤلات قائمة بشأن ملامح سوريا ومستقبلها، يشير هذا المقال إلى اتجاهات ورؤى آخذة بالتشكل بعد عام على الحكم الجديد. ومن المنظور الإسرائيلي، فإن من بين الخيارات المطروحة يُعدّ الأفضل لإسرائيل التقدم نحو تسوية أمنية برعاية أمريكية، مع الحفاظ على آليات رقابة وضمانات واضحة، وذلك خلافاً لمواصلة السياسة الحالية التي تزيد من مستوى العداء وترفع احتمالات الاحتكاك بين إسرائيل وسوريا.

الساحة الداخلية.. بين خطوات التثبيت وإمكانات الانهيار

ما يزال أبو محمد الجولاني، القائد السابق للحركة الجهادية جبهة النصرة، شخصية مثيرة للجدل. ففي إسرائيل، وعلى الرغم من تراجع حدّة هذا التصوّر مؤخراً، ما تزال النظرة السائدة تعتبره “جهادياً يرتدي بدلة”، وأن الصورة البراغماتية التي يحاول إظهارها للعالم ليست سوى واجهة مضلِّلة. أمّا في المقابل، فإن الموقف السائد لدى معظم دول المنطقة والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة هو أن الخطوات التي اتخذها حتى الآن تشير إلى جهد حقيقي لتثبيت سوريا وإدارتها بنهج معتدل ووطني ومؤسسي. وفي لقاءات أجراها كاتِبَا هذا المقال خلال العام الماضي مع باحثين وخبراء تابعوا الشرع على مدى سنوات، تكررت مقولة مفادها أنه قائد براغماتي وشعبوي وواقعي، أكثر منه صاحب أيديولوجيا متشددة. فبحسب هؤلاء، ومنذ عام 2017، خضع الشرع وتنظيمه “هيئة تحرير الشام” لمسار تدريجي من نزع التطرف والتكيّف مع الظروف الخاصة التي تشكّلت في إدلب بهدف البقاء وترسيخ السيطرة.

وفي ما يتعلّق بطبيعة النظام الحالي والاتجاه الذي يقود سوريا نحوه، لا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على “أسلمة” مؤسساتية ممنهجة. فالنظام يسمح بقدر من المحافظة الدينية، وهي بالفعل أكثر حضوراً في سوريا اليوم (فعاليات دينية، مسابقات حفظ القرآن، صلوات علنية، تشجيع على اللباس التقليدي)، إلا أن ذلك يتم في هذه المرحلة من دون فرض أو إكراه. وتأتي مظاهر الأسلمة من “الأسفل”، أي من شرائح من الجمهور السنّي المحافظ، لا بالضرورة من توجيهات صادرة عن مؤسسات الحكم. وعندما يظهر من بعض الجهات الرسمية محاولة لفرض معايير إسلامية، غالباً ما تواجه معارضة شعبية تؤدي في نهاية المطاف إلى التراجع عنها. وقد حصل ذلك مثلاً حين جرت محاولة فرض تعليمات بارتداء ملابس سباحة محتشمة على الشواطئ العامة، أو عند السعي لضخ محتوى ديني إضافي في الكتب المدرسية (في عهد وزير التربية السابق).

في الواقع، ومنذ وصولها إلى الحكم، اتخذت حكومة المرحلة الانتقالية سلسلة من خطوات التثبيت التي تهدف إلى تمكين إدارة سليمة بعد عقد من العنف والحرب. شملت هذه الخطوات تشكيل حكومة تكنوقراط، وصياغة إعلان دستوري (دستور مؤقت)، وإطلاق حوار وطني للمصالحة، إضافة إلى مسار بطيء من العدالة الانتقالية يهدف إلى تسوية أوضاع موظفي الدولة والعسكريين الذين خدموا في عهد الأسد. كما عملت الحكومة على إعادة تأهيل المؤسسات ونجحت في تحسين طفيف في وتيرة وجودة الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. وفي بعض المناطق، جرى تطبيق مشاريع تجريبية لمجالس محلية، لكنها تعمل جزئياً وبشكل غير رسمي فقط.

وفي شهر تشرين الأول، نظّم النظام انتخابات غير مباشرة للبرلمان (مجلس الشعب). من بين 210 مقاعد في المجلس، جرى انتخاب نحو ثلثي الأعضاء عبر هيئات انتخابية محلية في المحافظات، فيما يُفترض أن يعيّن الرئيس الانتقالي الثلث المتبقي (70 مقعداً) مباشرة. أما الانتخابات العامة فمن المتوقع إجراؤها بعد أربع أو خمس سنوات، بحجة ضرورة إتاحة الوقت لاستقرار آليات الحكم ووضع نموذج سكاني موثوق.

ويبدو أن سوريا لا تتجه نحو الديمقراطية، إذ يمكن بالفعل رصد أنماط حكم شديدة المركزية، والاعتماد على المقرّبين، وغياب التعددية، واعتماد إجراءات سياسية سريعة لا تعكس إشراكاً حقيقياً أو تمثيلاً واسعاً، بل تبدو أقرب إلى خطوات شكلية. وتبرز الانتقادات المتعلّقة بانعدام الشفافية، وتعيين المحسوبين، وغياب التمثيل العادل بشكل خاص لدى الأقليات (مثل طريقة تعيين الرئيس، وطبيعة “لجنة المصالحة الوطنية”، وتركيبة الحكومة، والانتخابات لمجلس الشعب). لذلك تبقى حالة الشك العميق هي السائدة في الداخل، خصوصاً في ظل ما مورس من عنف بحق الأقليات في البلاد، ومن بينها عنف نفّذته قوات الشرع نفسه.

بناء الجيش السوري الجديد

بدأت السلطة الجديدة عملية دمج المسلحين والمليشيات ضمن أجهزة الشرطة والجيش. ومع ذلك، يبدو أن “الجيش السوري الجديد” يعمل في هذه المرحلة كاتحاد لمجموعات مسلّحة شبه مؤسسية تحت مظلة الدولة، أكثر من كونه جيشاً وطنياً موحّداً يمتلك احتكاراً واضحاً لسلطة استخدام القوة. فصحيح أن النظام دمج غالبية فصائل المعارضة المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع، لكنه أبقى لكل فصيل سلسلة القيادة الداخلية الخاصة به، من دون اعتماد تدوير منهجي للضباط أو بناء هوية تنظيمية وطنية مشتركة. هذه الخطوة تمنع حدوث صدام مباشر بين الفصائل، لكنها في الوقت نفسه تتيح لكل منها قدرة كامنة على العمل بشكل مستقل في حال وقوع أزمة سياسية أو أمنية.

وبالتوازي مع ذلك، فإن إقصاء ضباط وجنود الجيش السوري السابق، ومعظمهم من الطائفة العلوية، عن المؤسسات الأمنية الجديدة يخلق احتمال تشكل مجموعات تمرّد محلية. وعلى خلفية هذا الوضع، ما تزال الأقليات الإثنية – الأكراد، الدروز، العلويون – تنظر إلى النظام، الذي يُنظر إليه على أنه سُنّي – إسلامي، بوصفه تهديداً محتملاً. وقد أدت المواجهات العنيفة ضد الأقليات إلى إضعاف شرعية مؤسسات الأمن، وجعلت مسألة دمج القوات الكردية ضمن بنية عسكرية وطنية مهمة شديدة التعقيد.

أما من ناحية القدرات العسكرية، فإن الجيش السوري يعتمد أساساً على وحدات المشاة الخفيفة، إذ إن معظم منظومات السلاح الثقيلة والبنية التحتية الجوية والبحرية دُمّرت في الغارات الإسرائيلية. وهو يعتمد على تزويده بالسلاح، وبرامج التدريب، ورواتب المقاتلين التي تموَّل جزئياً من مصادر خارجية، وعلى رأسها تركيا. ويواصل الجيش عمله في ظل غياب الشفافية، ومن دون رقابة مدنية فعّالة، وتحت هيمنة واضحة لشخصيات من هيئة تحرير الشام في مواقع أساسية.

وهكذا، ما تزال قدرة حكومة المرحلة الانتقالية على فرض سيطرة كاملة وإرساء حكم فعلي محدودة. فالنظام يسيطر مباشرة على نحو 50% –60% من مساحة البلاد، وخصوصاً في الشريط الحضري الممتد من دمشق إلى حمص وحماة وحلب، إضافة إلى معظم المدن الكبرى، حيث تتوافر قدرة سيطرة واسعة نسبياً تشمل مؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، وجباية الضرائب، ونظام التعليم، والخدمات الطبية. أما في الأطراف – أي في المناطق الصحراوية شرقاً، وفي شمال شرق سوريا وجنوبها – فتعتمد السيطرة على الحد الأدنى، فيما تتركز القوة الفعلية في يد مليشيات محلية، وعشائر، وقوات كردية، وفصائل موالية لتركيا، إضافة إلى تجمعات درزية.

داعش وجهات مُخرِّبة أخرى

يعمل تنظيم داعش بأساليب الإرهاب وحرب العصابات عبر خلايا صغيرة ومجموعات محدودة. وتتركّز أنشطته أساساً في البادية السورية، وفي محيط الرقة ودير الزور، وقد وسّع نشاطه مؤخراً ليشمل دمشق وإدلب. وفي الوقت الراهن لا يسيطر التنظيم على أي منطقة جغرافياً ولا يدير حملة واسعة، لكن وجود “مناطق متروكة” ضعيفة الحوكمة، وتعدد المليشيات، وغياب جهاز إنفاذ قانون مهني – كلها عوامل تُبقي إمكانية تمدده مستقبلاً قائمة.

وفي هذا السياق، يتيح إعلان سوريا انضمامها رسمياً إلى التحالف الدولي ضد داعش للشرع أن يقدّم نفسه كشريك شرعي في المعركة العالمية ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، لا كقائد فصيل جهادي سابق فحسب. ومن منظور دمشق، فإن النجاح في كبح داعش يُعدّ شرطاً مركزياً لتعزيز شرعية النظام الجديد ولضمان بقائه. وفي الوقت نفسه، تُظهر المعطيات المحدثة ارتفاعاً في نشاط داعش داخل مناطق تخضع لسيطرة الحكومة في حماة وحمص وحلب وإدلب. وعلى الرغم من أن مستوى نشاطه لا يزال أقل مما كان عليه سابقاً، فإنه يعكس قدرة التنظيم على استمرار تقويض الاستقرار وزعزعة شرعية الحكم الجديد.

أما إيران وحزب الله – اللذان تلقّيا ضربة استراتيجية كبيرة في المواجهة مع إسرائيل في حزيران 2025 وفقدا البنية التحتية التي بنياها في سوريا خلال عهد الأسد – فلم يتخليا عن طموحهما في التأثير. إذ يحاولان ترسيخ موطئ قدم جديد من خلال دعم الأقليات العرقية والخلايا المسلحة المحلية، والحفاظ على مسارات التهريب إلى لبنان، واستغلال مناطق ضعف الدولة، وقيادة حملة دعائية تُظهِر النظام الجديد كـ “أداة بيد الغرب”. وفضلاً عن ذلك، يُظهر بحث نُشر مؤخراً أن جهات مقرّبة من الأسد تنقل أموالاً عبر لبنان والإمارات لتمويل مليشيات في منطقة الساحل العلوي بهدف إشعال تمردات ضد الحكومة الجديدة.

إضافة إلى ذلك، يضطرّ الشرع نفسه إلى مواجهة انتقادات متزايدة من أفراد ومنظمات ذات توجهات متطرفة لا تدعم الصورة المعتدلة والبراغماتية التي يسعى إلى تقديمها، ولا الخطوات التي يتخذها، مثل تسوية أوضاع العلويين، ودعم الفتاوى المعتدلة الداعية إلى التسامح الديني، والحوار مع إسرائيل وضبط النفس الذي يبديه في التعامل معها، والدعوة إلى حلّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا. هذه الخطوات المثيرة للجدل مجتمعة يمكن أن تشكّل تهديداً حقيقياً لبقائه.

تحدّي الأقليات

كشفت موجات العنف ضد العلويين في منطقة الساحل – التي قُتل فيها أكثر من ألف مدني – ثم الأحداث الدامية في محافظة السويداء واستهداف الدروز، هشاشة البنية الطائفية من جديد في سوريا، وأعادت طرح السؤال عمّا إذا كانت هذه السياسة مقصودة من جانب النظام بهدف الانتقام و”تصفية الحسابات” مع الأقليات، أم أنها نتيجة جانبية لحرب أهلية طويلة وللتشكيل الأمني الجديد القائم على تعدد المليشيات مع قدرة محدودة للغاية للشرع على ضبطها، بما في ذلك القوات التي تعمل باسمه.

تطوّرت دينامية تصعيدية مع المجتمع الدرزي، بدءاً من أحداث جرمانا وصحنايا في شهري آذار ونيسان، وصولاً إلى المواجهات الدامية والمجزرة في السويداء في تموز. وقد شكّلت أحداث السويداء أدنى نقطة في علاقة النظام الجديد مع الطائفة الدرزية، وأدت إلى حصار وأزمة إنسانية خطيرة في المحافظة. كما فاقمت الانقسامات داخل القيادة الدرزية المحلية وأشعلت مواجهات عنيفة بين فصائل مسلّحة. وقد دعا بعض كبار شخصيات الطائفة، وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهجري، صراحةً إلى إقامة منطقة ذات حكم ذاتي درزي برعاية إسرائيلية – وهي رؤية تبرز التناقض بين رغبة النظام في دمشق بمركزية السلطة، وبين توجّه الأقليات نحو الاحتماء بجهات خارجية طلباً لضمانات أمنية.

وبالنظر إلى سياسة الشرع المعلنة الرامية إلى توحيد سوريا، يمكن تقدير أن استعداده لقبول نماذج لامركزية في الإدارة المحلية على المدى البعيد سيكون محدوداً، سواء في الجنوب ذي الأغلبية الدرزية أو في الشمال الشرقي ذي الثقل الكردي.

كما تتّسم علاقة النظام مع الأقلية الكردية بانعدام التفاهمات، وجمود المفاوضات، واندلاع مواجهات عنيفة ومتقطعة. فبالرغم من توقيع تفاهمات أولية في آذار بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية ودمشق بشأن دمج وحدات كردية في الجيش السوري الجديد ونقل بعض الصلاحيات المدنية إلى الحكومة المركزية، ظلّ التوتر قائماً بل انفجر مؤخراً في جولات قتال جديدة. يطالب الأكراد بالحفاظ على مؤسساتهم الذاتية وآليات الأمن المحلية وضمان حقوق الأقليات، فيما يسعى النظام إلى تركيز الصلاحيات الأمنية والإدارية في يده.

ومن منظور الأقليات، قوّضت أحداث العنف الأخيرة الثقة بالنظام بوصفه سلطة قادرة على توفير الأمن لكل مكونات المجتمع. والأسوأ من ذلك أنه – حتى إن لم تكن هناك توجيهات مركزية واضحة – فقد بدأت في سوريا ظاهرة شعبية آخذة في الاتساع تقوم بها مجموعات وأفراد من السنّة المتشددين، مدفوعة بروح انتقام وبإحساس بـ”تفوق سنّي”، وتشجع على العنف والتطرف ضد الأقليات. وقد تدفّق هؤلاء من مختلف مناطق سوريا إلى مواقع المواجهة للقتال ضد الأقليات في أثناء الاشتباكات مع العلويين والدروز.

رفع العقوبات وبدء التعافي الاقتصادي

ظاهرياً، تدخل سوريا في عهد الشرع مساراً حذراً نحو التعافي الاقتصادي. وترجمت الدعم الأمريكي للشرع إلى تجميد العقوبات المفروضة على الدولة (في إطار “قانون قيصر”) لمدة عام. كما تُناقش في مجلس الأمن تسهيلات تتعلق بتجميد الأصول وقيود الأسلحة، وفي هذا السياق تعود شركات عالمية وبنوك وبنى تحتية للدفع الرقمي إلى السوق السورية. وبالتوازي، وبمساعدة قطر وتركيا، يروّج النظام السوري لعمليات إعادة إعمار وتنوّع للبنية التحتية للطاقة، وفتح مسارات لاستيراد الغاز والنفط، وإعادة تشغيل الإنتاج المحلي، بهدف تحويل التخفيف التنظيمي إلى نمو فعلي: زيادة ساعات الكهرباء، تحسين ظروف الإنتاج، خلق وظائف جديدة وتخفيف نسبي لتكاليف المعيشة.

إلا أنه تحت هذه الواجهة تعمل اقتصاديات لا تزال تعتمد على رأس مال خارجي، واستيراد الوقود ومدخلات الإنتاج الأساسية، وقطاع زراعي تضرر بشدة نتيجة الجفاف. ويواجه صانعو السياسات في دمشق ضغوطاً متزايدة تشمل المطالبة بزيادة الأجور، وعودة اللاجئين، وتقليص الدعم، وكل ذلك دون فقدان السيطرة على التضخم. وعلى هذه البنية الهشّة، يضاف وضع مذكرات تفاهم للاستثمارات بقيمة معلنة نحو 25 مليار دولار، تكشف عن مجموعة من المستثمرين الموثوقين نسبياً إلى جانب عدد كبير من الشركات المجهولة، غير الشفافة وبدون إثبات القدرة المالية أو المهنية.

ويتميّز سوق البنية التحتية بتسليم مشاريع ضخمة لجهات بلا خبرة مثبتة، دون مناقصات عامة أو تحقق جدي من أهلية التنفيذ – وهو استمرار مباشر لأنماط “اقتصاد المقرّبين” ولكن ضمن خطاب جديد عن الإصلاح وإعادة الإعمار. لذا، فإن السؤال الأساسي لا يقتصر على ما إذا كانت العقوبات سترفع نهائياً بما يسمح بالتعافي الاقتصادي لسوريا، بل أيضاً ما إذا كانت دمشق ستنجح في استثمار نافذة الفرصة الحالية لوضع قواعد لعب جديدة: زيادة الشفافية، آليات رقابية فعالة، ومعايير ملزمة للاستثمارات الأجنبية والمناقصات في البنية التحتية، بما يؤسس لقاعدة نمو مستدامة.

النهضة السورية في الساحة الخارجية

بينما يكافح النظام لترسيخ نفسه داخلياً، يحظى بانتعاش ملحوظ على صعيد العلاقات الخارجية للبلاد. وأبرز التغيرات جاءت من الولايات المتحدة، حيث تحوّل الشرع خلال عام تقريباً من زعيم حركة جهادية إلى شريك شرعي في البيت الأبيض. إذ مثلت لقاءات ترامب–الشرع في الرياض خلال أيار، وخطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزيارته التاريخية إلى واشنطن في تشرين الثاني، مؤشرات على تحسين العلاقات وعودة سوريا تدريجياً إلى الحضن الدولي، مع الدعم الكامل من واشنطن لحكومة المرحلة الانتقالية.

ومنذ تأسيسها، كرست الحكومة السورية جهوداً كبيرة لاستعادة العلاقات الخارجية وإقامة روابط دبلوماسية مع المحيط الإقليمي والدولي. وباستثناء مصر والعراق اللتين ما تزالان متحفّظتين تجاه النظام، تعترف معظم الدول بالنظام السوري كلاعب شرعي وتعزز التعاون معه. وفي إطار هذا المسار، زار سوريا منذ تولي النظام الجديد السلطة أكثر من 80 وفداً دبلوماسياً.

تحولت تركيا، التي دعمت هيئة تحرير الشام لسنوات، إلى لاعب رئيسي في تشكيل الساحة السورية. ومنذ سقوط الأسد، تعمل أنقرة على توسيع نفوذها وترسيخه في سوريا. ويسعى النظام الجديد في دمشق، الذي استفاد سابقاً من دعم عسكري واقتصادي ولوجستي تركي، إلى الموازنة بين الاعتماد على الدعم التركي – في بناء الجيش، وتوريد المعدات، والاستثمارات في البنى التحتية المدنية، ودخول شركات تركية في مشاريع الإعمار – وبين تجنّب الاعتماد الكلي على تركيا عبر تعزيز العلاقات مع فاعلين آخرين.

كما تعمّق دول الخليج، وعلى رأسها السعودية وقطر والإمارات، علاقاتها مع نظام الشرع من خلال الدعم الاقتصادي، والاستثمارات، وإعادة الإعمار. وتعمل السعودية وقطر على تعزيز اتفاقيات تعاون في مجالات الاستثمار والطاقة، وتدعمان القطاع العام عبر تمويل الرواتب وتوسيع خدمات الكهرباء.

وينعكس النهج البراغماتي للشرع أيضاً في موقفه تجاه روسيا، التي كانت حتى وقت قريب أقرب حليف للأسد (وتمنح حماية سياسية له ولأبرز المسؤولين في نظامه) وخصمه اللدود في نظر هيئة تحرير الشام. بالنسبة للشرع، أصبحت روسيا لاعباً شرعياً وربما شريكاً محتملاً في استقرار سوريا. وتسعى موسكو للحفاظ على جزء من استثماراتها في البلاد والحفاظ على وجود محدود في قاعدتي حميميم وطرطوس، إلى جانب امتلاك أدوات نفوذ محدودة في مجالات الطاقة والدبلوماسية. وبالتوازي، يتم دراسة إمكانية نشر قوات شرطة روسية في جنوب سوريا، على غرار الترتيبات السابقة، للمساعدة في فرض النظام والسيطرة وتقليل احتمالات الاحتكاك مع إسرائيل.

السياسة الإسرائيلية في سوريا وطريق التسوية

بعد عام من اعتماد إسرائيل لنهج عسكري هجومي شمل السيطرة على منطقة الفصل وقمة جبل الشيخ، إضافة إلى حملة ضربات مكثفة، بدأت منذ نيسان المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وسوريا تمهيداً لإمكانية توقيع اتفاق أمني. وتشمل أبرز نقاط الاتفاق المحتملة انسحاب إسرائيل إلى خطوط فصل القوات لعام 1974، والمطالبة بعزل منطقة جنوب سوريا، مقابل التزام سوري بالحفاظ على الهدوء على الحدود، ومواجهة محاولات عناصر محور المقاومة (بقيادة إيران) لإعادة التموضع، وضمان أمن الدروز.

ومع ذلك، أفيد مؤخراً بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود بسبب الفجوات العميقة بين الطرفين، لا سيما حول مدى انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي، والمطلب الإسرائيلي بإقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، وفتح ممر إنساني للدروز في السويداء.

وفي أعقاب زيارة الشرع لواشنطن، تزايد القلق في إسرائيل من احتمال قيام ترامب بممارسة ضغوط لإجبارها على تقديم تنازلات تتعلق بوجودها العسكري على الأراضي السورية من أجل دفع عملية التسوية. ومن جانبهم، يواصل مسؤولو الأمن الإسرائيليين التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للوجود العسكري، وبخاصة السيطرة على جبل الشيخ، من أجل الإنذار المبكر وصد محاولات تهريب الأسلحة إلى حزب الله.

أما بالنسبة لدمشق، فإن التوصل إلى تسوية يمثل أهمية كبرى لأنه من شأنه تعزيز واستقرار سيادتها وشرعيتها نتيجة توقف النشاط الإسرائيلي. وبخصوص توسيع العلاقات نحو تطبيع كامل، شدد الشرع على أن هذا غير ذي صلة في المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن “وضع سوريا يختلف عن بقية الدول التي انضمت إلى اتفاقيات أبراهام، إذ لها حدود مشتركة مع إسرائيل التي تحتل الجولان السوري”.

على الرغم من المفاوضات، تظل إسرائيل حذرة ومتحفّظة سواء تجاه نوايا الشرع أو قدرته على ضبط اللاعبين المعادين داخل سوريا. ولذلك، في هذه المرحلة، تفضّل إسرائيل الحفاظ على حرية الحركة لديها والتصدي بمفردها لأي تهديد أمني يلوح على الحدود. فعلى سبيل المثال، هدفت الغارة الإسرائيلية التي جرت في 28 تشرين الثاني على بيت جن إلى توقيف عناصر من تنظيم “الجماعة الإسلامية” كانوا يخططون لتنفيذ عملية ضد إسرائيل. وتطورت العملية بعد إطلاق نار تجاه قوات الجيش الإسرائيلي، التي ردّت وأدت إلى سقوط قتلى في الجانب السوري وإصابة ستة من جنودها. وقع الحادث في يوم الاحتفالات بالذكرى السنوية لسقوط نظام الأسد، مما أدى إلى خروج مئات الآلاف من السوريين في مظاهرات دعماً لوحدة الدولة، وحوّل الانتباه إلى الدعوات المناهضة لإسرائيل.

ويرى الرأي العام السوري أن الهجوم جزء من “سياسة عدوانية مستمرة” لإسرائيل، التي تُعتبر في نظرهم تسعى لتوسيع حدودها وزعزعة استقرار النظام، وإحداث الفوضى وتأخير التوصل إلى اتفاق. ويبرز هذا الحادث، إلى جانب تنامي الشعور المعادي لإسرائيل في سوريا، المخاطر المترتبة على زيادة الاحتكاك معها. كما تتصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية ضد استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية.

أما الولايات المتحدة، فتعتبر التسوية بين إسرائيل وسوريا عنصراً رئيسياً في تشكيل ترتيب إقليمي أوسع، يشمل كبح إيران، واستقرار حدود الأردن ولبنان، والمضي قدماً في مسار سياسي يحقق لواشنطن مكاسب استراتيجية هامة. ويُلاحظ أن تصعيد التوتر بين الطرفين دفع ترامب في الأسابيع الأخيرة إلى سلسلة تصريحات داعمة لجهود النظام السوري في الاستقرار، داعياً إسرائيل للعودة إلى المفاوضات وعدم الإضرار بالمسار القائم. وبالمثل لما جرى في قطاع غزة، حيث فرضت واشنطن صيغة إنهاء الصراع وحددت الإطار الزمني ومسار الأحداث، يُحتمل أن يتكرر نمط مماثل في سوريا، ما يجعل من الضروري لإسرائيل المضي في التسوية وفق ظروف ملائمة قبل أن يزداد الضغط الخارجي ويُجبرها على تقديم تنازلات.

التوصيات

من بين الخيارات المطروحة أمام إسرائيل في المرحلة الراهنة، يبدو أن منح فرصة للتوصل إلى تسوية أمنية مع سوريا هو المسار الأنسب. فاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والسياسة الأحادية تجاه سوريا لا ينسجمان مع توجهات المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، تجاه الشرع. كما أن هذه السياسة تُفاقم العداء لإسرائيل وتزيد الدعوات لمواجهتها، ما قد يقود إلى احتكاكات عسكرية متكررة، ويقوّض شرعية النظام السوري الجديد الذي ما زال يتّبع نهجاً مضبوطاً، ويعزّز قوة الجماعات المتطرفة ذات الخطاب المناهض لإسرائيل، بما في ذلك إيران ووكلاؤها.

هذه الاعتبارات، إلى جانب التصميم الأمريكي والضغط المتزايد من واشنطن للمضي نحو تسوية، تفرض على إسرائيل تغيير سياستها واستثمار الظروف الحالية للحفاظ على مصالحها الأمنية. بناءً على ذلك، من الضروري وضع إطار واضح لانسحاب إسرائيل من منطقة الفصل ومن جبل الشيخ (من حيث الاستعداد والتنفيذ والزمن)، شرط الالتزام السوري بالتفاهمات، وبضمانات أمريكية. في هذا السياق، يمكن لإسرائيل الاعتماد في الإنذار المبكر على أدوات استخباراتية متقدمة ومتنوعة لا تستلزم وجوداً ميدانياً داخل أراضٍ خارجية – وهو وجود يزيد أصلاً العبء على جنود الجيش النظاميين والاحتياط – الأمر الذي يتيح تركيز الجهود على جبهات أكثر حساسية مثل إيران وقطاع غزة.

إن تسوية أمنية برعاية أمريكية قد تضمن حدوداً هادئة ومستقرة دون الحاجة لوجود عسكري على الأرض، وتُحسّن المواجهة ضد المحور الإيراني من خلال التعاون مع النظام الجديد، وتؤمّن الحماية للطائفة الدرزية، وتُعزّز مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية بوصفها لاعباً بنّاءً. وفي الوقت نفسه، يجب على إسرائيل الإقرار بأن سوريا ما زالت تعيش حالة عدم استقرار، وأن النظام لا يسيطر على كامل أراضي البلاد ولا يتمتع بشرعية مكتملة. لذلك، ينبغي الاستعداد استراتيجياً وعملياتياً لاحتمال انهيار التسوية – سواء بسبب عدم الاستقرار في سوريا أو نتيجة سياسة متعمدة من النظام الجديد. في مثل هذا السيناريو، ستكون لإسرائيل شرعية أوسع وقدرة أكبر على التحرك.

أما في حال بنية الثقة بين الطرفين، فإن بإمكان إسرائيل استثمار الزخم لدفع مسار تطبيع تدريجي مع سوريا – خطوة من شأنها إبراز أهميتها الإقليمية، وإضعاف نفوذ القوى المتطرفة داخل سوريا وفي المنطقة كلها، وتعزيز الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *