أول الكلام

حنينٌ وذكريات

بقلم غسان عبد الله

وحدي أحضنُ حزني وذاتي، لألفةِ العبوسِ مع وجهيَ القديمِ، وذاكرتي المغادرةِ من قطراتِ الندى التي لا تبارحُ الوجدَ ولا الزفراتِ.. حيث لا يزالُ مَلَكٌ يربِّتُ على كتفِ أحزاني ويكفكفُ دمعةَ العينِ في الحَدْقةِ المكابرة.. بينما العبرات المحزوناتُ ترفل فوق رأسي المكدود وتُسْرِفُ في الصبابة والضراعة.

إلى اللا أين اتجاهاً واللا مكان موقعاً تأخذني الخارطةُ في متاهة التَّوحشِ والانطفاء.. من فجرِ النداوة لخطو التراجع فوق الماء العَبِقْ.. بالكتابةِ سهواً عن مرارةِ العشقِ وضراوةِ الأحزانِ على شكل كلمات هي حتى الآن زفراتٌ وأناتٌ موجعاتٌ على صدري اللاهثِ وراءَ السراب.

وأعودُ إلى زاويةِ العشقِ من الفيضِ الرَّائعِ لشفافيةِ عقلي الزجاجي ومن عُلْوِيةِ الماءِ السامي في روضة الارتماء على الشوك والعوسَجِ الغريبِ.. أحلُمُ بغرفةٍ وبيتٍ صغيرٍ وبعضِ الألوان لمحوِ الأسوارِ والجدرانِ.. لأعانقَ الفضاءَ والصحراءَ المجردةَ.. لأحلُمَ قليلاً في فرصِ العطشِ وجفافِ القلبِ وتَشَقُّقِ جُدُرِ الرُّوحِ في همهمات شفاهِ الولَعِ.

يا أحبابي.. إنني أحبكم بكلِّ التاريخِ المؤلمِ.. بتوقُّدِ النار، بالصورِ الكاذبةِ والأحلامِ المبتورةِ والكلماتِ المنتقاةِ من قاموسِ الصَّد والرُّعبِ والحشرجاتِ.. بتوقُّدِ النار في تصميمِ الأريجِ.. نحن لا نملك إلا الحبَّ على الرغمِ من رعبِ اليبابِ.. يا أحبابي إني لا أملِكُ أكثرَ من دمعي، ولا أستعيرُ أحزانَ الآخرين ولست أرنو إلى فرحٍ يُشْبِهُ أفراحَ الخلقِ.. أنا لا أرنو إلا إلى ابتسامةِ قلبٍ شفَّهُ الشَّوقُ.. ولحظةِ تجلٍّ مع الذَّاتِ، ولحظة انعتاقٍ من أسر الأنا القاتلة.. وثواني من التَّحرُرِ من مطارداتِ الصَّدِ والاختباءِ خلفَ إصبعِ الأوهامِ التي تمنع هذا الفرح الغريب.

إني أمسد عرش قاتلي برموش عيوني، وأهيِّئ له صرحَ أحزاني وأتَوِّجُهُ مليكاً على قلبي.. هل ثمة أمضى من هذا السيف الذي يحزُّ العُنُقَ ويمضي إلى جلاده مزيَّناً بدم العاشقين؟!.

خذوا مني كل نبضي وارتعاشَ الفرحِ ووجيبَ الروحِ وومضةَ الحياة، وأعطوني قطرةً واحدةً من حبيباتٍ تعلُقُ قُبَيْلَ الفجرِ على ورقةِ زهرةِ القِندَوْلِ المراوغة.. فأنا وعلى الرغم من احتيالها على الصباحات أرومُها بلسماً لشقاءِ خمسين عاماً ومن ثَمَّ أُحيلها إلى صفصافةِ العمرِ تقرأُ فاتحةَ الكتابِ على روحٍ أرَّقَها الوجدُ.

أحنُّ إلى تلةٍ في الهجير لكي أتفيَّءَ ظلي… إلى أرنبٍ هاربٍ في الصعود..  إلى حيّةٍ تتلوى وتمكرُ بي.. إلى جَذْعِ جُمَّيْزةٍ وليد، إلى قَشَّةٍ هائمةٍ في العراءِ.. إلى ظِلِّ طير بعيدٍ.. بعيد.. إلى نفحةٍ من غبارٍ تُوحي إليَّ بأن هناكَ حياةً، فحولي الممالكُ قد أحْرَقَتْ نخلَها ولم يتبق سوى روائحِ الدُّخَانِ وبذورٍ كلما مَسَّها النَّمْلُ تذوبْ.. وآهاتِ قلوبٍ تمشي على إثْرِ القوافلِ ثم تحدو “يا زمانَ العرَبْ.. يا زمانَ الهودَجِ الطَّرِبْ.. ويا زمانَ الشعر، وجناتٍ من نَخِيلٍ وعِنَبْ”..

أحنُّ إلى ضجة في المساءِ.. أيِّ مساءٍ.. لكي أتمادى في النُّعاسِ.. إلى رشفةٍ من قهوةٍ وكوبِ ماءٍ.. رشفةٍ من شايٍ أو زعفران.. إلى صدى مَوْلِدٍ من حنانٍ.. إلى صوت يحكي الدعاءَ حنون.. إلى أثرٍ من صلاة الغفيلةِ.. إلى بندقيةٍ تراودُ الذخيرةَ.. إلى باقةٍ مبللةٍ بالعرَقِ.. إلى موجةٍ من أرَقْ.. لكيْ أُحِسَّ بالحياة.. فحولي الورودُ يبابْ، والعشقُ عِقَابْ.. وحولي قليلُ الرجالْ.. والرجالُ احتمالْ.. وحولي مِزَقٌ من نواميسَ بشريةٍ تَسْتَحمُ بالرمالْ.. تمسحُ وجهَ الحقيقةِ بالخطوطْ.. تخطُّ روحَهَا بالهبوطْ.. تقتلها الحَيْرُة في سيرها.. بين دربِ النِّزالْ ودربِ الزوالْ.. وتحكي بكل اللغات التي لم تتنزل.. مِزَقٌ من روحٍ تتهجى الملامِحَ بعدَ غيابٍ قصيرٍ وتفشل أن تتذكر بعضَ الصور، حتى القمرُ بفواصلِهِ مَنْ كان يَحْضِنُ ظِلَّها في الليلِ.. حتى القمرْ.. أوْرَثَها الضجر.

أحن للحظة من هناء.. أو هدوءٍ من صفاء.. أحن إلى زورقٍ في الصباحِ يطفو على صفحةٍ موجةٍ نائمةٍ تستطيبُ الكَسَلَ وتستخِفُّ بالرِّياحِ.. إلى شاطئٍ يضجُّ بالغرق.. وصدى بحارةٍ أشقياءٍ.. وظلِّ أمٍّ تودِّعُ الزَبدَ.. وتلويحةٍ ما لَها سندْ.. وصوتِ منديلٍ يطوفُ بالصخورِ.. كأنَّه الأكفانُ للقبورِ لكي أُحِسُّ بالحياةِ.. فحولي بحرٌ خجولٌ بُحَّ موجُهُ من الهدير.. ولا أحد يُطْلِقُ الخيولَ من عقالِها.. لا أحد يَخِيطُ شراعاً من الفراغ.. لا أحد يَمُّدُ جسراً من الضلوع.. لا أحد فالبحرُ ثكلى تئنُّ ولا أحد.. يخدشُ جِلْدَ المياه بالصَّفَد.. كأنَّ ملحَ البحرِ مات للأبد.

يا نوافذ المساءِ.. الظلامُ عصاي.. رَعيتُ بها أنجُمَ العمر.. فتلَعْثَمْتُ بين السُّدى مرَّةً وبين الهدى.. ولفَظْتُ: “مماتي غدا..” وفي المساءِ تنحني الفلواتُ.. القناديلُ.. والرُشا.. وإذا ما فتَحتُ نوافذي في القصيدِ يطيرُ يمامٌ إلى القلبِ يضحكُ ملءَ قلبهِ.. أبيضُ.. بين غُصَّتين.. بين ليلي.. وليلي.. وصوتُ الحبيب سأترُكُ فيه سلامَ الروحِ وتلويحةَ القلبِ وأهرُبُ.. أمدَحُهُ بقطراتِ الندى من بعيد.. وأهرُبُ.. هل مرَّتين أُحادِثُهُ ثم أترُكُه لفلوات الحيرةِ والندوب؟؟ أترُكُهُ كلّهُ لعيون العِدى.

ها غَمَّسْتُ يراعي في الفؤاد.. لأكتُبَ فيه أولَ الكلامِ وأقيسَ به نبْضَ الحياة.. أشيلُ حنيناً على كتفيَّ ثم أمضي إليه.. إلى غَفلةِ العمرِ.. سأسحبُ ظلاًّ عميقاً وتنهُّدَتَيْن.. وأمضي.. تلهثُ خلفي حِرابُ الأحبةِ.. أمضي ككَهلِ غزالٍ مضى فريداً.

رُبَّ قُمْريةٍ نفَّضتْ ريشَها في دمي فانحنى شجرُ العمرِ وبكى.. دمعُهُ.. يا ظلالاً تسيلُ من القلب.. ربما نبضُكَ يا قلبُ يقطعُ الرُّوحَ شهقةً.. شهقة.. فاخفق على مهلكَ في الصدرِ إذن.. سأدُّسُ كلماتي على لوحِ العمرِ.. وها يدي في الظلامِ تُسامِرُ وَحشَتَها بالضراعات.. بالسلام عليكَ إذا ما أفلَتَتْ من يديكَ أهازيجُ الرضا في السلالِ.. يدي في الظلام.. تماماً في الظلام.. فلا طَفَرَت من نوافذي المشرعاتِ على الليلِ ومضةٌ لتعاتِبَني.. ثم سال على الخدين كلام.. يدي في الظلام.. والندى أرَّقَ يبابَ الورود.. فاشتعلَ الضِرام.. وعلى البُعدِ سيِّدُ العذاباتِ يُقرئُ كلَّ العاشقين من وَلَهِ قلبي في المساء السلام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *