هامش ثقافي

انتصار الإسلام بين الواقع والمأمول.. “من الصعبِ أن تعملَ بنفسِ الطريقةِ وتتوقعُ حصولَ نتائجٍ مختلفة”

بقلم غسان عبد الله

وهل هو انتصار للمجتمعات والشعوب المسلمة على غيرها، أم أنه انتصار وتقدم الدول ذات الأكثرية المسلمة على مجتمعات ودول ذات أديان مختلفة؟! أسئلة كُثر حول هذا النوع من التساؤلات التي تطرح نفسها أمام التنظير الإيديولوجي لانتصار الإسلام.

لا شك أن الإسلام كدين هو عظيم في قِيَمِهِ ومبادئهِ ومعانيهِ ومقاصدِهِ، لكنَّ الإشكاليةَ والمعضلةَ الجوهريةَ هي في طبيعة الظروف السياسية والمعيشية للمجتمعات العربية المسلمة الحالية والسابقة طوال القرون الماضية حكومةً وشعباً، حيث إن الفترة الذهبية للإسلام العادلة كانت في عصر الرسول الكريم(ص)، ومن بعد من الخلفاء أئمة أهل البيت(ع)، ثم انحرف مسار العدالة منذ زمن معاوية، وتوالت المحن على المسلمين في عقائدهم وأفكارهم وصولاً إلى أحوالهم وطبيعة معيشتهم. حيث إن الحالة المتخلِّفة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو امتداد مسار تاريخي طويل.

بلا أدنى شك كانت هناك – ولا زالت – العديد من المساهمات الفكرية والمعرفية والعلمية التي تحاول أن تحرِّكَ الماءَ الساكن داخل المجتمعات، وتحاول الكشف عن بواطن لا ظواهر الأزمة، وتعميقَ النظر في التشخيص وفحصَ الخلل الذي أصاب المجتمعات المسلمة أفراداً وجماعات، والدراسات والمحاولات الفكرية لتشخيص هذه العلة مستمرة من داخل المجتمعات المسلمة من قبل المسلمين، وأيضاً من خارجها من قبل الباحثين المهتمين بدراسة الدين والظواهر الدينية والمجتمعات الدينية، وهذا مسار بحثي سوسيولوجي من خلال فرع علم الاجتماع الديني بأكمله في اجتهاده لدراسة الدين داخل المجتمع، وتأثيراته المتعددة.

المسلم المستبشر بمستقبل زاهر للإسلام وللمسلمين ينطلقُ من الوعد الإلهي بالتمكين والنصرِ دون محاولةِ الأخذِ بأسبابِ هذا التمكينِ والانتصارِ للإسلام، أي أن هذا المتفائلَ يقفزُ على جميع الأسباب العقلية والمنطقية التي يأمر الله بها عباده أن يعملوا بها لأجل الحصول على هذا المبتغى. فهو يوالي أعداء الله في زمننا هذا ويطبِّعُ مع الغاصب المحتل ويحاول أن يظهر الأمر على أنه من الإسلام بانتقائه آياتٍ لات تصبُّ في هذا الإطار مظهراً إياها على أنها جنوحٌ للسلمِ فاجنحوا لها.

المسلم الحالم بهذه الصورة الوردية للمستقبل هو أحد أعراض هذه الأزمة، وهو أيضاً نتيجةً للتنظيرِ الإيديولوجي المانحِ المعطي للكثيرِ من الأمنيات التي من المستحيلِ أن تتحقّق إلا في مخيلةٍ فارغةٍ من العقلِ والحكمةِ والمعرفة. وحالُ المجتمعات العربية المسلمة أمام مرأى الجميع لا يسرُّ لا القريبَ ولا البعيدَ، حروبٌ وفقرٌ وتخلُّفٌ علميٌّ ومعرفيٌّ وصناعيٌّ، وتبعيةٌ اقتصاديةٌ كاملةٌ في ظلِّ عالمٍ محتدمٍ بالصراعاتِ السياسيةِ والاستقطاب التي يُعتبرُ المسلمون فيها طرفاً ضعيفاً؛ حيث هم على هامشِ التاريخ وخارج مساره بكل ما تعنيه الكلمة، ولا أدلَّ على هذا إلا مجرّد النظرِ في كلِّ ما حولنا ابتداءً من الجزيئات الصغيرة إلى المكوّنات الكبرى مادة ومحتوى.

لو قدِّر لنا بعملِ لقاءٍ واستفسارٍ بريءٍ حول انتصارِ الإسلام لإخواننا الحالمينَ بهذه الشعارات، حول كيف يعملُ النظامُ الاقتصاديُّ في بلدانٍ تفتقدُ لبعضِ المواردِ الأساسية كالماءِ والزّرع؟ كيف سيواجهُ الإسلامُ المنتصرُ إشكاليةَ الفقرِ والبطالةِ والفسادِ في ظلِّ تفشي هذه الإشكاليات على خارطةِ المجتمعات العربية المسلمة؟. نجد الكثير من المسلمين يكترث من قلبهِ وبكلّ مشاعرهِ لهذهِ الإشكاليات، لكنَّ عقلَهُ ومعرفَتَهُ لا تعطيه أكثرَ من مجرّدِ شعاراتٍ حولَ الطريقةِ العلميةِ والمهنيةِ لمواجهِة هذه الأزمات. جَلْدُ الذات هو عزيزٌ على النفس؛ وهو أداةٌ للإفاقةِ من الأحلامِ الوردية، وأيضاً من المهمِّ أن نعلم كيف نسألُ السؤالَ السليمَ لمواجهةِ هذه الإشكاليات بعد إقرارنا بوجودها.

بُعدُ العرب المسلمين عن العلوم الاجتماعية والاقتصادية، وانجذابُهم للتخصصات المادّيةِ (الهندسية والعلمية)؛ جعلتْ منهم أكثريةً متفوقةً تهتمُّ وتعلَمُ كيف تشغّلُ الآلةَ الصناعيةَ (المستوردة) في كثيرٍ من الأحيان، ومع جهلٍ كاملٍ لعلومٍ أساسيةٍ وجوهريةٍ لمعرفةِ النفسِ البشرية، وطبيعةِ المجتمعات، حيث يُنْظَرُ للعلوم الاجتماعية نظرةً وضيعةً من قبل العرب المسلمين حكوماتٍ وشعوباً وقياداتٍ وحتى مفكرين للأسف. تجد شيخاً مصلِحاً ومهتماً بحالِ الإسلامِ وأهله، لكن يجهلُ بالحدِّ الأدنى للمعرفةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ والإنسانية، وكل ما له علاقة بتحليل الظواهر الاجتماعية. بحيثُ يقرِّرُ ويفتي لهُ الحكام ما يحقِّقُ مصالحهم خدمةً لمشاريعهم التي ارتهنوا فيها للاستكبار بحيثُ يصبِحُ الساعي إلى النصر الحقيقي للإسلام من خلال الفكر أو القوة إرهابياً ويُصبحُ المحتلُّ والمستكبرُ المنقذَ لهم ولعروشهم. أقسام العلوم الاجتماعية والسياسية في البلدان العربية تتحمل جزءاً من إشكاليةِ انكماشِ هذه العلوم، حيث لا يذهبُ لهذه الأقسامِ إلا أصحابُ المعدّلاتِ الدراسيةِ المنخفضة، على الرغمِ من أن هذه العلومَ تحتاجُ إلى قَدْرٍ معينٍ من النباهةِ العقليةِ أكثر من علومِ الآلة، ولا مزايدةً بتخصّص على تخصّص، لكنّ العلوم الاجتماعية يجب أن تكون لها أولوية في نشرها وتدريسها وخصوصاً من قبل المهتمين بـالتنظير والتحليل لإشكاليات المجتمعات المسلمة.

نؤمن أن الوعدَ الإلهيَّ حقٌّ، وأن الإسلامَ سوفَ ينتصر، وهذا الوعدُ قائمٌ طوالَ ١٤٠٠ سنة، فهل تحقّق؟ يقالُ إنه من الصعبِ أن تعملَ بنفسِ الطريقةِ وتتوقعُ حصولَ نتائجٍ مختلفة، وهذا ما حصلَ على الأقلِّ خلال المئةِ عامٍ الماضية بكلِّ وضوحٍ بشكل معروض في الكتابات والوثائق المنشورة.

ختاماً التنظير الأيديولوجي هو مخدِّرٌ، وزيادةٌ في إمدادِ فترةِ الإغماءِ للعقل، وحجبِ الرؤيةِ الحقيقةِ عن ما يحدثُ على أرضِ الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *