فضاءات فكرية

عملية التّغيير المجتمعي والفجوة بين النّظرية والتّطبيق

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

كيف يمكن لهذين النمطين من الفواعل الفكرية – السياسية الحديث عن المبادئ الحقوقية والحريات الفردية ودول العدل والقانون والمؤسسات، وهو لا يزال يدافع عن أصنامه الفكرية والسياسية، ويرتهن لمعتقداته الجامدة، يقرأ الواقع بعين ماضيه الخاص، ويتعامل مع التغيير بأدوات فكرية وعملية سياسية تجاوزها الزمن؟!..

وكيف يمكننا تصديق خطابات من حمل السلاح في وجه أبناء وطنه (لا أعدائه)، وأسهم في إقصاء خيرة مفكريه وقادته ونخبه، رافضاً التعدد والمشاركة في الحياة العامة، بينما يبني مشروعه على يقينيات مطلقة ترفض الاعتراف بالآخر وتلغيه تماماً من الوجود؟!..

إن هذين النموذجين يمثلان بوضوح أزمة الفكر والسياسة في كثير من المجتمعات العربية، ويكشفان عن أيديولوجيات عنيفة تتخفى وراء الشعارات المقدسة لتبرير نزعتها إلى القمع والتدمير والتسلط على الناس والقبض على ثرواتها ومواردها وخيرات مجتمعاتها..!!.

وهذا الواقع يحتم علينا حقيقةً الالتزام بتبنّي نهج عقلاني في التفكير والممارسة، والدعوة إلى مصالحة شاملة تستثني فقط من تلطخت أيديهم بالدم أو مارسوا القتل الرمزي والمعنوي ضد المجتمع ككل. فالجميع – للأسف – متورط بدرجة ما في ما يمكن تسميته “الخيانة الفكرية والسياسية”.

إن على النخب الثقافية والسياسية أن تواجه شعوبها باعتراف صريح ومسؤول، تُقرّ فيه بما ارتكبته من أخطاء وتجاوزات ومظالم، وتطلب الصفح بصدق لا رياء فيه.. مع قناعتي هنا طبعاً بأن الاعتذار وحده – على الرغم من أهميته في تخفيف الغلواء وأجواء الاستقطاب – لا يكفي ما لم يترافق مع تحول جذري في منهجية العمل، وبناء منظومة مؤسسية عادلة تضمن عدم تكرار الانحرافات والتجاوزات السابقة.

وعلى الرغم من صعوبة هذا المسار، إلا أنه ليس مستحيلاً. خصوصاً وأن كثيراً من هذه النخب وصلت إلى السلطة دون تفويض شعبي حقيقي، وهو ما أفقدها الشرعية وأضعف فاعليتها وقدرتها على الفعل المنتج، فتعثرت مشاريع التنمية وتراكمت الأزمات لعقود طويلة.. فضلاً عن أنها هي بالأساس في غالبية رموزها كان لديها هاجس وحيد هو البقاء الأعمى في الحكم مع بعض الديكورات التنموية الشكلية ليس إلا..!!.

ويبدو أن الجمود الفكري الذي يسيطر على ذهنية العديد من القادة والمفكرين العرب – الناتج عن تعاملهم مع الواقع بعقلية طقوسية سحرية – هو ما جعلهم عاجزين عن فهم جوهر آلية الحكم والحرية، وكيفية ترجمة الأفكار إلى ممارسات واقعية.

إنهم – على الرغم من ادعائهم الظاهري الإيمان بالديمقراطية والتنوع السياسي والاجتماعي – ما زالوا يتوهمون أن التغيير يمكن أن يتحقق بقرار فوقي أو بخطاب إعلامي، دون تأسيس حقيقي لقيم التعددية وتوسيع فضاءات الحرية.

ولذا فإن التاريخ الحديث الذي كتبوه بأيديهم، شاهد على التناقض الفادح بين ما رفعوه من شعارات الإصلاح والديمقراطية، وبين ممارساتهم السلطوية والإقصائية على أرض الواقع.

من هنا، فإن التغيير الحقيقي في مجتمعاتنا لا يُختزل في وصول تيار جديد إلى السلطة، بل يقوم على إعادة بناء منظومة الحكم ذاتها، وعلى صياغة رؤية جديدة لمفهوم السلطة وشرعيتها ومصدرها.

ولا يمكن تجاهل فقر تراثنا السياسي في موضوع بنية الحكم وشرعية السلطة ومجالات العلوم السياسية، كما أن الفكر الحضاري الإسلامي – على الرغم من غناه في ميادين أخرى – لم يطوّر نظرية سياسية متكاملة، ما انعكس سلباً على قدرة الأجيال اللاحقة على ابتكار أنماط حكم حديثة وفعّالة على الرغم من أن البنية الفكرية التراثية تضع الإنسان كغاية لتحقيق مقاصد الشريعة وأحكام الدين، من حيث البناء والتنمية والعلم لاستكمال وجوده الفاعل كخليفة مُستأمَن..!!..

ومن هنا، فإننا ندعو المثقفين والسياسيين – ممن خاضوا تجارب فاشلة ودفعوا أثمانها الباهظة – إلى تقديم رؤى جديدة للسلطة تقوم على شرعيتها الشعبية ومدى قبول الناس لها، لا على لونها الأيديولوجي أو انتمائها الفكري. وعلى كل من يسعى إلى الإسهام في التغيير أن يتحرر من دور الوصاية الفكرية والسياسية، وأن يصالح ذاته عبر نقدها وتقبل النقد من الآخرين، وأن ينطلق من الواقع لا من النظريات المعلبة والمفاهيم المتخشبة الجاهزة.

فالعلة – كما يشير بعض المفكرين – ليست دائماً في الواقع ذاته، بل في العقول التي تحاول تطويعه قسراً ليتوافق مع أفكارها الجامدة، لا العكس.

وعندما يجرؤ المثقفون والسياسيون على مراجعة ذواتهم والبدء بإصلاح فكري وديني حقيقي، يمكن حينها أنْ نصدّق أفكارنا، ونتصالح مع بعضنا البعض، بعيداً عن النفاق والمزايدة.

الواقعية لا المثالية

لا شك بأنّ التغيير المجتمعي المنتج والنافع عملية تراكمية بطيئة غير سريعة، لا مجرد حدث درامي واحد، وهي عملية مشابهة لنمو الشجرة. تبدأ ببذرة فكرة، تروى بتضحيات صغيرة، وتواجه عواصف الرافضين للتغيير فكراً وسياسة، قبل أن تعطي ظلالها للأجيال القادمة. إنه تحول في الوعي الجمعي، وفي البنى الخفية للقيم والعلاقات، قبل أن يظهر في القوانين والمؤسسات والهياكل الإدارية والسياسية للمجتمعات والدول.

وبين النظرية والتطبيق تقع “هوة التطبيق”، حيث قد تتحول الأفكار المشرقة إلى واقع معقد. النظرية ترى العالم من فوق أو من علٍ، بخطوط واضحة وألوان نقية ونية طيبة.. أما التطبيق فهو أمر آخر، من السير في وادٍ موحل، مليء بالمفاجآت والتناقضات والتعقيدات. وهذه الفجوة ليست فشلاً، بل هي القانون الطبيعي لأية محاولة انتقال وتحول مجتمعي وسياسي عميق وبنيوي.

ولا شك بأن من أسباب التعثر، ممانعة أصحاب المصالح الخاصة، وتعقيد البشر حيث أن النظرية تتعامل مع “نماذج مجردة”، لكن الواقع أفراد لهم مخاوفهم ومصالحهم المتناقضة وذاكرتهم الجمعية. وربما هناك قصور في النظرية ذاتها، فكثير من النظريات تنبع من ثقافة أو سياق تاريخي معين، فتفقد مرونتها عند الانتقال والتغيير.. وهناك سلطة الموروث وقوة العادات والتقاليد والبنى التحتية القديمة التي تقاوم التغيير بقوة قصور.. وهناك كذلك الزمن المختلف، خصوصاً وأن النظرية تريد التغيير السريع، والمجتمع يتغير ببطء الساعات الجيولوجية.

وعندما نتطلع في التاريخ، نقرأ الكثير من الدروس والعبر التي حدثت في لحظات التغيير المجتمعي الجارفة.. ففي الثورة الفرنسية مثلاً التي نادت بالحرية، والمساواة، والإخاء، تحولت إلى حكم الإرهاب.. وكثير من أفكار الاشتراكية النظرية تحولت في التطبيق إلى ديكتاتوريات بيروقراطية قاتلة، وأيضاً هناك نظريات التحديث التي فشلت في مجتمعات حاولت القفز فوق تراثها.. ولدينا نحن العرب أكبر الأمثلة على أن التغييرات المجتمعية قد لا تأتي ببدائل نافعة وخيّرة.. بالعكس ربما تأتي بالأسوأ فكراً وسياسة وعلاقات.!!.

طبعاً، الفجوة بين النظرية والتطبيق، بين الطموح والواقع المتحقق، قد لا يكون مؤشراً أو دليلاً على فشل الفكرة ذاتها خصوصاً مع نجاحها الكبير في مجتمعات أخرى وبشروط مغايرة أخرى، بل هي دليل على أن المجتمع كائن حي معقد، لا يمكن اختزاله إلى معادلات وحسابات رقمية.. الناجحون ليسوا هم الذين يحققون أحلامهم كاملة، بل الذين يتعلمون السير في الوحل والمستنقع والرمال المتحركة دون أن تفقد عيونهم بريق النجم الذي يهديهم إلى الأحسن والأرقى.

إن التغيير المجتمعي فن الممكن الواقعي لا فن المثالي النظري.. وهو رحلة تتطلب عقل المنظر ويد العامل وقلب الصابر.. والفجوة بين الفكرة وتطبيقها ليست حاجزاً ولا يجب أن تكون عائقاً دائماً، بل هي المسافة التي تولد فيها الحكمة والوعي والمسؤولية الجسيمة..!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *