ما بين نهاية العام ومطلع السنة الجديدة ماذا سيحلُّ بلُبنان؟
بقلم زينب عدنان زراقط
يدخل لبنان مرحلة شديدة الدقة في تاريخه الحديث، تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الاستحقاقات السياسية، فيما تبدو الدولة عاجزة عن الإمساك الكامل بمسار الأحداث. زيارة رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرتقبة إلى البيت الأبيض في التاسع والعشرين من الشهر الجاري تعيد إلى الواجهة المخاوف من أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة اختبار للتفاهمات الأمريكية – الإسرائيلية.
هذه الزيارة، بما تحمله من رمزية وتوقيت، تستحضر تجربة قريبة حين شكّل لقاء مماثل في أيلول 2024 محطة مهدت لتوسيع العدوان، ما يجعل القلق اللبناني اليوم قائماً على وقائع لا هواجس.
في موازاة ذلك، يواجه لبنان استحقاقاً داخلياً بالغ الحساسية مع اقتراب مهلة الخامس من كانون الثاني، المرتبطة بانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وما يتبعها من نقاشات وضغوط حول ملف السلاح شمال الليطاني. بين هذين الموعدين، يجد البلد نفسه محاصراً بسلسلة أزمات متداخلة: أمنية، ديموغرافية، اقتصادية وسياسية، تجعل هامش المناورة محدوداً، وتضع السلطة أمام اختبار قدرتها على منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة أو تفكك داخلي متسارع. من هنا، تفرض المرحلة مجموعة أسئلة لا يمكن تجاوزها: هل يُدفع لبنان مجدداً ليكون ساحة رسائل بين واشنطن وتل أبيب؟ وهل تتحول المهل التقنية إلى أدوات ضغط سياسي وأمني؟ وأخيراً، هل ما زالت الحرب خياراً مطروحاً أم أن المنطقة تتجه إلى إعادة ضبط إيقاعها؟.
زيارة نتنياهو إلى واشنطن
يتصاعد القلق في لبنان من احتمال انتقال المواجهة من حدود مضبوطة إلى حرب شاملة مع اقتراب زيارة نتنياهو، غير أن القراءة الباردة لموازين المصالح والقرارات الكبرى تُظهر بوضوح أن الحرب الموسعة ليست خياراً مفضلاً لا في واشنطن ولا في تل أبيب، مهما علا منسوب الخطاب التصعيدي.
الولايات المتحدة، الغارقة في إعادة ترتيب أولوياتها الدولية والإقليمية، لا تبدو مستعدة لفتح جبهة جديدة وغير مضمونة النتائج في شرق المتوسط. إدارة أمريكية تعرف أن أي حرب واسعة على الجبهة اللبنانية ستفجر الإقليم بأكمله، وتهدد خطوط الطاقة والملاحة، وتربك التحالفات، في توقيت تسعى فيه واشنطن إلى تثبيت نفوذها لا استنزافه. لذلك، يظل السقف الأمريكي واضحاً: ضغط مضبوط، تصعيد محسوب، ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة.
أما إسرائيل، وعلى الرغم من محاولاتها الظهور بمظهر الطرف القادر على فرض وقائع بالقوة، فهي تدرك أن مواجهة مفتوحة مع لبنان ليست مغامرة مضمونة. الجبهة الداخلية الإسرائيلية هشة، والمؤسسة الأمنية تعرف أن أي مواجهة طويلة ستدخل البلاد في استنزاف غير مسبوق على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. لذلك، يُستخدم التصعيد اليوم كأداة ابتزاز وضغط سياسي، لا كمقدمة جدية لحرب حاسمة.
ما يجري إذاً ليس استعداداً لحرب، بل إدارة اشتباك مدروسة: ضربات موضعية، خروقات يومية، وعمليات اغتيال عبثية لا تغيّر موازين القوى بقدر ما تسعى إلى فرض مناخ دائم من التوتر. سياسة تقوم على إبقاء لبنان تحت الضغط، لا على تفجير الجبهة بالكامل. إنها معادلة “لا حرب ولا سلم”، حيث يُستنزف البلد تدريجياً فيما تُدار المفاوضات الحقيقية خارج حدوده.
لكن ما يزيد الأمر هشاشة هو أن لبنان لا يزال في موقع المتلقي لا الفاعل. فقرارات الحرب والسلم، ومستوى التصعيد أو التهدئة، تُناقش في واشنطن وتل أبيب، بينما يُترك للبنان هامش ضيق لإدارة النتائج لا صناعة القرار. داخلياً، تُدار الأزمة بمنطق شراء الوقت: تمديد هنا، تأجيل هناك، وغياب شبه كامل لرؤية وطنية شاملة تحمي البلد من التحوّل إلى ساحة دائمة لتبادل الرسائل الإقليمية.
خروقات وتصعيد جنوباً
تحاول الدولة اللبنانية، عبر الجيش، تثبيت معادلة الحد الأدنى من السيادة جنوب الليطاني، مستفيدة من هامش زمني ضيق أتاحه الواقع السياسي الإقليمي. غير أن هذه المحاولة تصطدم بوقائع ميدانية صلبة، أبرزها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من التلال والمواقع الحدودية، ما يجعل أي انتشار عسكري منقوصاً بحكم الواقع. فلا يمكن الحديث عن سيادة كاملة في ظل وجود احتلال مباشر، ولا عن تنفيذ كامل للالتزامات في ظل خرق مستمر للحدود والاتفاقات.
هذا الواقع يتجسد أيضاً في استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار المتكررة، إذ سجلت قوات الأمم المتحدة مئات خروقات إسرائيلية للاتفاق منذ سريانه، تتراوح بين خروقات جوية وبرية، تجاوزت أكثر من 10 آلاف حالة مع مقاومة هادفة لتثبيت وقف النار دون نتائج جذرية، حسب احصاءات القوات الدولية اليونيفيل.
إلى جانب ذلك، يعاني الجيش اللبناني من نقص حاد في الإمكانات اللوجستية والمالية، في ظل أزمة اقتصادية خانقة أصابت مؤسسات الدولة في الصميم. فالجيش لا يُدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بقدرات مادية واستدامة تشغيلية، وهو ما لا يتوافر بالشكل الكافي. ومع اقتراب الخامس من كانون الثاني، يزداد القلق من أن تتحول هذه المهلة من فرصة لتثبيت الاستقرار إلى منصة ضغط جديدة تُستخدم لفرض أجندات تتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال.
على الرغم من كل ذلك، سجّل موقف الجيش اللبناني في يانوح درساً في السيادة والحدود. على الرغم من كل الضغوطات، يسجل في هذا السياق موقف وطني جريء للمؤسسة العسكرية اللبنانية يعكس التزامها السيادي ورفضها للابتزاز الميداني. ففي قرية يانوح في قضاء صور جنوب لبنان، وبعد أن أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إنذاراً مباشراً إلى السكان ومطالبة بإخلاء مبنى بذريعة وجود “بنية عسكرية”، دخل الجيش اللبناني إلى المنزل المعني وفتّشه مرتين في إطار مهامه الرسمية، بما في ذلك عمليات حفر دقيقة للتأكد من خلوّه التام من أي أسلحة أو مواد عسكرية. وعلى الرغم من هذا التحقق الميداني الواضح، استمر التهديد بالاستهداف من الجانب الإسرائيلي، لكن الجيش اللبناني اتخذ موقفاً سيادياً ثابتاً بالبقاء داخل المنزل المهدَّد، ما اضطر قوات العدو إلى التراجع عن قرار القصف في نهاية المطاف بعد أن ثبت خلو المكان من أي تهديد حقيقي.
ما حصل في يانوح يُبرز معادلة أساسية: الجيش اللبناني قادر، حتى في ظل محدودية الإمكانات، على فرض إرادته الميدانية ووقف محاولات تصعيد غير مبرر، بينما تستمر الادعاءات الإسرائيلية في كثير من الأحيان بلا سند حقيقي على الأرض،مما يضعف مصداقيتها ويؤكد أن الكثير من الابتزازات تأتي ضمن مناخ سياسي يسعى إلى إبقاء الجنوب تحت الضغط الدائم، لا إلى حماية أمن فعلي.
تقرير الجيش المُرتقب في كانون2
مع اقتراب 5 كانون الثاني 2026، تنظر السلطة اللبنانية، بقيادة الجيش، إلى هذه المهلة بوصفها اختباراً حاسماً لقدرة الدولة على تثبيت سيادتها جنوب الليطاني. فالموعد لا يحمل طابعاً رمزياً فحسب، بل يمثل لحظة محورية قد تحدد مصير انتشار الجيش في المنطقة وإمكانية ضبط ملف السلاح، أو على العكس، يعكس حدود قدرة الدولة على التحكم في الأرض في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
من المرجح أن تقرير الجيش عن هذه المهلة سيؤكد أنه لم يتمكن من استكمال الانتشار الكامل أو حصر السلاح في شمال وجنوب الليطاني، بسبب استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على عدد من التلال والمواقع الاستراتيجية. هذا السيناريو يعكس واقعاً معقداً، حيث تتحرك الدولة اللبنانية وفق هامش ضيق من المناورة، في وقت يصعب فيه تحقيق أي إنجاز ميداني كامل دون تسوية سياسية إقليمية أو ضغط دولي متوازن.
في هذا السياق، “من المتوقع أن يشهد الجنوب ارتفاعاً في وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية، سواء عبر الخروق الجوية أو عمليات التفتيش الميدانية والتهديدات المباشرة، ما يزيد من صعوبة تثبيت المعادلات الأمنية، بينما تستمر التقارير عن خروقات عدة لاتفاق وقف إطلاق النار”، حسب تقديرات القوات الدولية “اليونيفيل” أيضاً.
السياسة الإسرائيلية الراهنة، كما تشير التطورات، لا تنوي الانزلاق إلى حرب شاملة، إذ يبدو أن الموقف الدولي والإقليمي، بما في ذلك دعوات الأمم المتحدة لوقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين، يعملان على إدارة الصراع بدل تفجيره.
من الداخل، سيزداد ضغط السياسيين على الجيش لتقديم حلول تقنية أو مؤقتة، بينما يظل ملف السلاح شمال الليطاني معقداً ما لم تتوافر تسوية سياسية شاملة. وفي ظل هذه المعطيات، قد يتحول الخامس من كانون الثاني إلى مرحلة تقييم لقدرات الدولة اللبنانية الحقيقية، وللتوازن بين السيادة والواقع العسكري والضغوط الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أن أي اختراق إسرائيلي للخطوط المرسومة سيكون اختباراً مباشراً لقدرة الدولة على الصمود والمقاومة القانونية والسياسية.
في الخلاصة، بين العدّ العكسي والفرصة الضيقة، لبنان اليوم ليس على حافة حرب حتمية، لكنه يعيش عدّاً عكسياً مفتوحاً على كل الاحتمالات. فبين التاسع والعشرين من الشهر الجاري والخامس من كانون الثاني، تتكثف الضغوط وتتقاطع المهل، فيما تبقى الدولة أمام فرصة ضيقة لتثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة لا تملك أدواتها ولا كلفتها. في هذا المناخ المتقلب، تبدو الحاجة ملحّة لوضوح الرؤية السياسية، وتوحيد القرار الوطني، والانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها، مع إدراك الدور الحاسم للمقاومة كجزء من المعادلة الوطنية في حماية الاستقرار. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن للمقاومة أن تكون الضمان الحقيقي لاستقرار لبنان، أم أن الانقسامات الداخلية والخارجية ستبقيها رهينة الحسابات السياسية؟.
