إعرف عدوك

استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب 2025 – تداعياتها على إسرائيل

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

يُصوَّر الشرق الأوسط على أنه “قضية تمّت معالجتها” – إيران ضعيفة، والمشروع النووي “مُدمَّر”، والحرب في غزة منتهية، والتطبيع الإقليمي يتقدم. في هذا الإطار، تُعرَّف إسرائيل بأنها مصلحة جوهرية وشريك رئيسي، إلى جانب دول أخرى، في البنية الجديدة للشرق الأوسط، وهو الهدف الرئيسي للإدارة في المنطقة. في الوقت نفسه، تُعتبر إسرائيل كياناً قادراً على إعادة فتح جبهات واسعة، وبالتالي تقويض قصة النجاح التي تسعى الإدارة إلى ترسيخها.

على أي حال، فإن التركيز في الاستراتيجية الأمنية والسياسة الفعلية التي تقودها إدارة ترامب يمنح إسرائيل فرصةً قصيرةً ومحددةً، لا تتجاوز ثلاث سنوات، وربما أقل في الواقع، تلتزم خلالها واشنطن التزاماً خاصاً تجاه إسرائيل. بالنسبة لإسرائيل، لا يقتصر الأمر على مجرد “التوافق” مع الإدارة، بل يتعداه إلى استغلال هذه الفترة الزمنية المحدودة لتعزيز أهداف استراتيجية ذات قيمة طويلة الأجل في مواجهة الولايات المتحدة والمنطقة، مع إدارة المخاطر الناجمة عن ميل الإدارة إلى إعلان “إغلاق الملف”، ونقل العبء إلى الشركاء، وتجنب التدخل العسكري المباشر على نطاق واسع

إن ترسيخ الأمن الإسرائيلي رسمياً كمصلحة أمريكية يعزز قدرتها على المطالبة بالحفاظ على مذكرة التفاهم بين البلدين وتوسيع نطاقها، ما يضمن لها تفوقاً نوعياً، فضلاً عن تعميق التعاون الأمني التكنولوجي، ووضعها في موقع مركزي للاستخبارات العسكرية ضمن المحور الموالي للولايات المتحدة، بما في ذلك الاندماج في مشاريع الطاقة والطاقة النووية المدنية والذكاء الاصطناعي. من جهة أخرى، فإنّ الرواية القائلة بأنّ التهديدات من إيران وقطاع غزة وسوريا ولبنان قد “تمّت معالجتها” تُقلّل من شرعية الإجراءات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق في المستقبل؛ ومن المرجّح أن تتسع الفجوة بين الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط واحتياجات إسرائيل الأمنية؛ كما أنّ توطيد العلاقات بين إدارة ترامب وحلفائها الخليجيين وتركيا، فضلاً عن اعتمادها على شركاء آخرين في المنطقة، من شأنه أن يُترجم إلى ضغوط على إسرائيل لاتخاذ تدابير سياسية وأمنية تتعارض مع مصالحها، لا سيما في الساحة الفلسطينية.

تعكس استراتيجية إدارة ترامب الأمنية محاولة لإعادة صياغة مبدأ “أمريكا أولاً” في سياق التنافس بين القوى العظمى، والإرهاق من الحروب، والحاجة إلى إعادة الاستثمار في الأمن والاقتصاد الأمريكيين. وتسعى الوثيقة إلى “معالجة” خمسة إخفاقات تُحدّدها الإدارة الحالية في السياسة الأمريكية خلال العقود الأخيرة:

* التوسع المفرط في الالتزامات العالمية: الحفاظ على “النظام الليبرالي” في جميع أنحاء العالم، حتى عندما يكون إسهامه المباشر في الأمن الأمريكي مثيراً للجدل.

* إهمال الأمن الداخلي والاقتصاد: استثمار الموارد في الشرق الأوسط وأوروبا وشرق آسيا على حساب البنية التحتية الأمريكية وحدودها وصناعتها.

* تشجيع العولمة والتجارة الحرة: أدى الرهان على العولمة والتجارة الحرة إلى إلحاق ضرر بالغ بالطبقة الوسطى الأمريكية والقاعدة الصناعية، التي كانت تُعتبر مركز ثقل الهيمنة العسكرية والاقتصادية الأمريكية.

*خلط القيم بالمصالح: الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان كأداة مركزية في السياسة الخارجية، حتى عندما تتعارض مع المصالح الأمنية والاقتصادية.

*الاعتماد على المنظمات والمؤسسات متعددة الأطراف: ربط السياسة الخارجية الأمريكية بأطر دولية، بعضها تُصنّفه الإدارة على أنه متحيز ضد أمريكا وينتهك سيادتها.

في هذا السياق، تُشير الوثيقة إلى التخلي عن التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على النظام الدولي الليبرالي والدفاع عنه، والذي كان ركيزة أساسية للسياسة الخارجية المشتركة بين الحزبين منذ الحرب العالمية الثانية.

المبادئ التوجيهية وإعادة صياغة العقيدة

تُحدد استراتيجية الأمن القومي إطاراً جديداً للسياسة الخارجية لا يقوم على أيديولوجية سياسية ثابتة، بل يركز على ما تُعرّفه الإدارة الأمريكية بالمصلحة الوطنية الأمريكية:

* الأمن الاقتصادي – التركيز الرئيسي: تعزيز التفوق الاقتصادي، وإنعاش الصناعة، وإعادة هيكلة النظام التجاري العالمي، وتوسيع القدرات الأمنية، وحماية حقوق العامل الأمريكي. وتُعدّ الموارد الطبيعية، ولا سيما المعادن والطاقة الحيوية، من المجالات المفضلة للسيطرة عليها.

* المصالح الأمريكية فوق المصالح الدولية/العالمية: إعطاء الأولوية للمصالح السياسية والاقتصادية الأمريكية الملموسة، مع تقليل ثقل الأمن الجماعي والمؤسسات متعددة الأطراف.

* عدم التدخل والنهج الواقعي: وضع معايير صارمة للتدخل العسكري. وتؤكد الإدارة أنها لن تسعى لفرض “تغييرات ديمقراطية اجتماعية” على الدول الأخرى، وستُدير العلاقات مع الأنظمة غير الديمقراطية، واصفةً هذا النهج بالواقعي وغير المنافق.

* مركزية السيادة والدولة القومية: تُقدّم الدولة القومية كأساس للنظام الدولي. يُنظر إلى حماية الحدود من الهجرة الجماعية غير المنضبطة على أنها أساس للنظام والتماسك الاجتماعي ومناعة الدولة.

* توازن القوى وتقاسم الأعباء: تسعى الإدارة إلى العمل مع الحلفاء للحفاظ على توازن القوى الإقليمي والعالمي، دون أن تتصرف كشرطي عالمي. ويتطلب ذلك تقاسماً جديداً للأعباء: إذ يُطلب من الدول الغنية زيادة استثماراتها في أمنها بشكل ملحوظ (أعضاء حلف الناتو، والدول الشريكة للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ).

هرمية الساحات وتنفيذ السياسات

الوطن الأم ونصف الكرة الغربي

يعيد مفهوم الأمن صياغة أولويات المجالات: أولاً، الوطن الأم ونصف الكرة الغربي؛ ثم المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين؛ وأخيراً أوروبا والشرق الأوسط. وينبع التركيز على نصف الكرة الغربي، وفقاً للإدارة، من عقود من الإهمال التي سمحت بما يلي:

* الهجرة غير الشرعية الواسعة؛

* تهريب المخدرات من قبل عصابات المخدرات؛

* تزايد الوجود والاستثمار الصيني في أمريكا اللاتينية

تتوافق استعادة السيادة الأمريكية، من بين أمور أخرى، مع مبدأ مونرو، الذي ينص على أن أي تدخل خارجي في الشؤون السياسية للأمريكيتين من قبل دول أجنبية يُعد عملاً عدائياً ضد الولايات المتحدة. ويتجلى ذلك في تبني إدارة ترامب لمبادئ مبدأ مونرو (انتاج ترامب)، التي تحرم المنافسين الأمريكيين من القدرة على نشر قوات عسكرية والسيطرة على البنية التحتية الحيوية في المنطقة. في الواقع، يُعدّ التركيز على نصف الكرة الغربي رداً مباشراً على عقود من النفوذ والاستثمار الاقتصادي الصيني في “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة، بهدف إقصاء المنافسين و”الحد تدريجياً من النفوذ الخارجي العدائي” في المجال الأمريكي.

آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ: الصين كتحدٍ اقتصادي

تُوصَف منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأنها الساحة الاقتصادية الأهم، إذ تُمثّل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويركّز منظور الصين بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي:

* التشديد على الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ “حرة”، بما في ذلك حرية الملاحة والحفاظ على الوضع الراهن في تايوان.

* التهديد الرئيسي هو المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وليس المواجهة الاستراتيجية الشاملة.

* التشديد على معالجة سيطرة الصين على سلاسل إمداد المعادن الحيوية وحماية تفوقها التكنولوجي.

تُشدّد إدارة ترامب على رغبتها في التوصل إلى “علاقة اقتصادية ذات منفعة متبادلة” مع بكين، ما يُشير إلى نية واشنطن تعزيز اتفاقية تجارية شاملة وخفض مستوى التوتر بين البلدين. مع ذلك، ينبغي أن يسير السعي وراء هذا “الانفراج” المحدود جنباً إلى جنب مع تعزيز الردع الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فضلاً عن الدفع نحو “إعادة توازن العلاقات التجارية” لحماية العامل الأمريكي من الممارسات التجارية والصناعية الاستغلالية. ونظراً للأهمية الاقتصادية لهذه المنطقة، تُشدد الإدارة على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتوسيع الاستثمارات الأمريكية فيها، ولا سيما تعزيز القوة التكنولوجية والاقتصادية للولايات المتحدة لتكون “الشريك العالمي المفضل” لدول المنطقة. وفي هذا السياق، يُعدّ غياب الإشارة إلى المواجهة الاستراتيجية مع كوريا الشمالية وبرنامجها النووي أمراً لافتاً، مما يفسح المجال أمام استئناف المحادثات بين واشنطن وبيونغ يانغ

أوروبا وروسيا

تُوصَف أوروبا بأنها قارة تواجه “محواً حضارياً”. وإلى جانب التحديات المعروفة المتمثلة في التباطؤ الاقتصادي وانخفاض الإنفاق الدفاعي في القارة، يُصوَّر الاتحاد الأوروبي كهيئة نظام حوكمته:

* لا تتوافق مع الأجندة الوطنية.

* تقوّض حرية التعبير.

* تقمع المعارضة الوطنية.

* تضر بالسيادة والهويات الوطنية.

تهدف واشنطن إلى إعادة أوروبا إلى مسارها الصحيح من خلال “تعزيز عظمة أوروبا” في مواجهة الهيئات متعددة الأطراف التي يُنظر إليها على أنها تُضعف القارة، وتعتبر صعود الأحزاب “الوطنية” علامة إيجابية، مع التلميح إلى دعم علني وفعّال للتيارات القومية.

أما بالنسبة لروسيا، فالأهداف المعلنة هي:

* إنهاء الحرب في أوكرانيا.

* استعادة الاستقرار في القارة وفي العلاقات مع موسكو.

* الحد من توسع حلف الناتو، مع الحفاظ على سيادة أوكرانيا وإعادة تأهيلها.

هناك تناقضات داخلية: فمن جهة، التطلع إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا وتحقيق الاستقرار في مواجهة روسيا؛ ومن جهة أخرى، عدم الإشارة إلى روسيا كـ “خصم مهيمن” وإلى بُعد الردع النووي، على عكس وثائق الاستراتيجية السابقة (2017- 2022).

الشرق الأوسط

يُصوَّر الشرق الأوسط كساحة شهدت إنجازات كبيرة. تم تحقيق ما يلي:

* إلحاق الضرر بقدرات إيران وإضعافها، بما في ذلك “تدمير المشروع النووي”؛

* إنهاء الحرب في قطاع غزة واستعادة الرهائن الإسرائيليين من أسر حماس.

* توسيع نطاق التطبيع بين إسرائيل والدول العربية.

من هذا المنطلق، يتمثل الهدف الرئيسي في “إدارة الاستقرار” بدلاً من استثمار موارد إضافية.

في هذا السياق، تعتزم الولايات المتحدة ما يلي:

* الحفاظ على وجود عسكري مركّز (بحري، جوي، استخباراتي، قوات خاصة)، لا سيما حول مضيق هرمز والبحر الأحمر لحماية خطوط الطاقة والملاحة.

* تجنب الحروب الكبرى والوجود البري المطوّل.

* الاعتماد على شركاء إقليميين أقوياء – بقيادة إسرائيل ودول الخليج كخط دفاع أول.

يتضمن المفهوم الأمني الأمريكي التزاماً صريحاً بأمن إسرائيل، الذي يُعرّف بأنه مصلحة جوهرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. تُقدّم إسرائيل كشريك استراتيجي رئيسي في منظومة التحالفات الإقليمية لواشنطن – إلى جانب دول الخليج ومصر. الرسالة هي أن الإدارة ترى في الحفاظ على الجيش الإسرائيلي وتُعتبر الميزة النوعية والقدرة على الدفاع عن النفس شرطاً أساسياً للبنية الإقليمية الجديدة، ولذا يوجد مبرر مستمر لتقديم المساعدة الأمنية والتعاون الاستخباراتي والدبلوماسية الحمائية لإسرائيل في المحافل الدولية.

مع ذلك، يرتكز هذا الالتزام على مبدأ آخر: تجنب “الحروب الأبدية” ونقل العبء إلى الحلفاء. بعبارة أخرى، تلتزم الولايات المتحدة بضمان “بقاء إسرائيل آمنة”، لكنها لا تلتزم بالعودة إلى انخراط عسكري عميق ومستدام في المنطقة، وتتوقع من إسرائيل وشركائها الإقليميين تحمل معظم العبء الأمني. ومن هنا، يُعدّ الالتزام الأمني ركيزة وأداة في آنٍ واحد: فهو يمنح إسرائيل دعماً أمريكياً قوياً، ولكنه يُشكّل أيضاً أساساً للضغط على القدس لتجنب أي خطوات من شأنها تعريض الولايات المتحدة لجولة جديدة من الحروب والتدخلات، والعمل، قدر الإمكان، ضمن إطار الاستقرار الإقليمي والتطبيع. يُنظر إلى أي خطوة إسرائيلية من شأنها إعادة فتح الصراعات المنتهية على أنها تدخل في مشروع استراتيجي أوسع يحدده الرئيس ترامب لنفسه.

الآثار المترتبة على إسرائيل

التركيز في الاستراتيجية الأمنية في السياسة الحالية التي تقودها إدارة ترامب لإسرائيل فرصةً قصيرةً ومُركّزةً، لن تتجاوز ثلاث سنوات على الأكثر، وربما أقل في الواقع، تلتزم خلالها واشنطن التزاماً استثنائياً تجاه إسرائيل. تهيمن الولايات المتحدة على الساحة الإقليمية، وتعمل وفقاً لمبدأ “السلام من خلال القوة”: السعي لتحقيق إنجازات سياسية واقتصادية سريعة، وتسويق النجاحات، واستغلال نتائج الصراعات العسكرية لتشكيل بنية إقليمية جديدة. بالنسبة لإسرائيل، لا يعني هذا مجرد “التوافق” مع الإدارة، بل استغلال هذا الوقت المحدود لتعزيز أهدافها الاستراتيجية.

تُعدّ هذه الخطوة ذات قيمة طويلة الأمد للولايات المتحدة والمنطقة، مع إدارة المخاطر الناجمة عن ميل الإدارة الأمريكية إلى إعلان “إغلاق الملف”، ونقل العبء إلى الشركاء، وتجنب التدخل العسكري المباشر واسع النطاق. وكلما تحقق الهدف الأمريكي المتمثل في إرساء الاستقرار الإقليمي، ازداد حافز الولايات المتحدة للحفاظ على وجودها في المنطقة وتعزيز المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج.

أهداف وفرص إسرائيل

التأكيد الرسمي على أمن إسرائيل كمصلحة أمريكية: يُوفّر تعريف أمن إسرائيل كمصلحة أمريكية جوهرية أساساً متيناً للمطالبة بمواصلة ضمان التفوق النوعي، والحفاظ على المساعدات الأمنية وتطويرها، وتعزيز التعاون في مجالات الاستخبارات، والأمن السيبراني، والدفاع الجوي، والتكنولوجيا. علاوة على ذلك، عندما ترغب واشنطن في نقل العبء إلى الشركاء، يُمكن لإسرائيل أن تُرسّخ مكانتها كمركز أمني وتكنولوجي في المحور الموالي للولايات المتحدة: مزيج من القدرات الاستخباراتية والهجومية القائمة على صناعة دفاعية متطورة

بنية إقليمية جديدة – يُتيح سعي الإدارة الأمريكية لتوسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام” كعنصر أساسي في هذه البنية الجديدة، وكركيزة للاستقرار الإقليمي طويل الأمد، فرصة استراتيجية لإسرائيل. ويستند هذا إلى دمج المصالح المشتركة بينها وبين دول رئيسية (لا سيما السعودية ودول الخليج، إلى جانب مصر والأردن) في مجالات الأمن والبنية التحتية والطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا، بما يُرسي ترابطاً متبادلاً ويُقلل من هامش تحرك إيران ووكلائها.

تحسين موقف المساومة مع واشنطن – كلما رسّخت الولايات المتحدة مكانة إسرائيل كعنصر لا غنى عنه في الإطار الإقليمي، اتسعت مساحة المساومة الإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بالوعود طويلة الأمد بالمساعدات والتسليح، أو في سياق التفاهمات المكتوبة بشأن حرية العمل (لا سيما مع إيران ووكلائها).

الاستفادة من أجندة الطاقة والطاقة النووية المدنية والذكاء الاصطناعي – يُتيح التركيز على شراكات الطاقة (بما في ذلك الطاقة النووية المدنية) والمشاريع القائمة على الذكاء الاصطناعي والابتكار، لإسرائيل فرصةً للاندماج في مشاريع إقليمية، بما يُعزز اعتماد شركائها عليها، ويُعزز المصلحة الأمريكية في ضمان أمنها.

المخاطر التي تُهدد إسرائيل

ترسيخ سردية مفادها أن “حدث الشرق الأوسط” قد انتهى – إن المبالغة في تقدير أن “المشروع النووي قد دُمر”، وأن إيران قد أُضعفت، وأن الحرب في قطاع غزة قد انتهت، تُرسخ سردية “إغلاق الملفات”. وأي محاولة إسرائيلية مستقبلية للادعاء بأن التهديد الإيراني قد تجدد، أو أن هناك حاجة إلى مزيد من التحركات الواسعة في غزة، قد تُقابل بالتشكيك والشعور بأن إسرائيل تُقوّض إنجازاً كبيراً تتباهى به الإدارة. في هذا السياق، يُنظر إلى إسرائيل على أنها اللاعب الوحيد الذي يُرجّح أن يفتح جبهات جديدة رئيسية (ضد إيران، في لبنان، في قطاع غزة).

ردود الفعل السلبية تجاه الاتفاقيات: إن ميل ترامب إلى إبرام اتفاقيات يمكن تقديمها على أنها إنجاز، حتى لو لم تكن مُفصّلة، وقدرته على الضغط على إسرائيل لقبولها، قد يؤدي إلى وضع تُجبر فيه إسرائيل على الموافقة على اتفاقيات تبدو وكأنها تخدم مصالح الإدارة، ولكنها تحمل عواقب سلبية طويلة الأمد على إسرائيل، وقد تُقلل من هامش مناورتها في الأزمات المستقبلية.

تآكل الرغبة العملية في استخدام القوة لصالح إسرائيل: على الرغم من الإعلان بأن أمن إسرائيل مصلحة جوهرية، فإن المبدأ التوجيهي المتمثل في تجنب الحروب الكبرى ونقل العبء إلى الشركاء قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الالتزام المعلن والاستعداد لاستخدام القوة العسكرية المباشرة، لا سيما ضد إيران وحزب الله. تعتبر الإدارة الأمريكية الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية ناجحاً، لكن القرار تعرض لانتقادات من مؤيدي الإدارة، وبشكل عام، فإن الإدارة مترددة في الانخراط الفعال في القتال.

تزايد الاعتماد على شركاء إقليميين لا تتداخل مصالحهم: مع نقل الولايات المتحدة عبء الأمن إلى “المحور الموالي لها” (إسرائيل، السعودية، دول الخليج، مصر، وتركيا)، وهي خطوة تتطلب زيادة كبيرة في التنسيق فيما بينهم، قد تضطر إسرائيل إلى دفع ثمن أمني أو سياسي للحفاظ على هيكل التحالف، حتى عندما لا تتطابق مصالحها تماماً مع مصالح شركائها.

تضرر التفوق النوعي لإسرائيل: كلما سعت الإدارة الأمريكية إلى إبرام صفقات إقليمية (بما في ذلك مبيعات المعدات المتطورة)، ازداد خطر تآكل هذه الميزة النوعية في حال عدم تحديد التعويضات والاستثناءات والقيود.

اتساع الفجوة مع أوروبا وبعض أجزاء النظام الأمريكي: يُثير التراجع عن التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان معارضةً في أوروبا وفي الأوساط الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها؛ ومن شأن انفتاح إسرائيل المفرط على هذا الإطار الأيديولوجي الذي توجه إدارة ترامب أن يُفاقم التوترات بين إسرائيل وأوروبا، وبينها وبين الحزب الديمقراطي، وكذلك مع بعض المجتمعات اليهودية في إسرائيل، فضلاً عن تعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي.

توصيات سياسية

 يتطلب تحقيق أقصى استفادة من الفرص المتاحة لتعزيز أهداف إسرائيل ومواجهة التحديات إعداداً مُركزاً: صياغة واضحة للأهداف والاستراتيجية، وتقييم موثوق للمخاطر، وتحديد المواقف التي يُمكن تعديلها لمساعدة الإدارة على تحقيق أهدافها. لقد مكّنت نجاحات إسرائيل ضد حماس وإيران واشنطن من تحقيق أهداف استراتيجية وإبراز إنجازات سياستها الخارجية، ما عزز مكانة إسرائيل في نظر الإدارة الأمريكية، لكن هذا لا يكفي. بإمكان إسرائيل، بل يجب عليها، أن تواصل إظهار دورها المحوري في عملية إعادة تشكيل المنطقة، فضلاً عن مساهمتها في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا والدفاع السيبراني، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضاً في ساحات بالغة الأهمية للأمن القومي الأمريكي، مثل شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.

أمام واشنطن

* إعادة ترسيخ المساعدات والالتزامات: ينبغي تشجيع تجديد/توسيع اتفاقية المساعدة الأمنية متعددة السنوات (مذكرة التفاهم)، مع التكيف مع التهديدات المتطورة (الصواريخ الدقيقة، وأنظمة الدفاع المتقدمة، والهجمات السيبرانية). بالإضافة إلى ذلك، ولضمان الحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل، وفقاً لنص التشريع الصادر عن الكونغرس الأمريكي عام 2008.

* تطوير الشراكة التكنولوجية (الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية) كعامل مضاعف للقوة الاستراتيجية: ينبغي إنشاء مسار مخصص لتعزيز مشاريع البحث والتطوير المشتركة ذات المخرجات القابلة للقياس في مجالات الذكاء الاصطناعي للأمن، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية؛ فضلاً عن الاستعداد المشترك لعصر الحوسبة الكمومية، والترتيب المسبق لآليات التصنيف، وضوابط التصدير، وحماية الملكية الفكرية لمنع الاحتكاكات التنظيمية وتعزيز الثقة وتبادل المعلومات.

* آلية تنسيق استراتيجي دائمة: يوصى بإنشاء منتدى دائم على مستوى رفيع لمعالجة ثلاث قضايا: إيران، والساحة الشمالية – إسرائيل ولبنان، وسوريا، والساحة الفلسطينية، والذي سيتناول تنسيق سيناريوهات التصعيد وخطوات “كسر التوازن”، وسيعمل أيضاً على وضع خطوط حمراء مشتركة.

* إيران: يجب صياغة حزمة عمل مع الإدارة تحدد أهدافاً عملية تجاه إيران: وقف التقدم النووي؛ تقليص مشروع الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ وإلحاق الضرر بشبكة الوكلاء. وبقدر ما يتمّ إحراز تقدّم سياسيّ تجاه طهران، يجب الإصرار على التحقق الفعّال وإنفاذه، والحفاظ على آليات الضغط حتى يتمّ الامتثال الفعليّ، مع التركيز على مكوّنات القدرة العسكرية وليس النوويّة فقط.

على الساحة الإقليميّة

 * تعزيز التطبيع مع السعودية: سيمثّل إنجازاً كبيراً من حيث مكانة إسرائيل وعملية اندماجها في العالم العربيّ والإسلاميّ. ومن المرجّح أن يتضمّن أيّ خطّة مقترحة للتطبيع بين إسرائيل والسعودية بنداً فلسطينياً. من حيث المبدأ، يمكن لإسرائيل الاختيار بين المقاومة التلقائيّة، ممّا يضعها في موقف “عرقلة” العملية، ومحاولة المبادرة وتحديد الثمن بحيث يكون أكثر منطقيّة من وجهة نظرها. يمكن أن يكون الخيار الإسرائيليّ بين ثمن معقول ومتدرّج قائم على مبادرتها الخاصّة، وثمن يُملى من الخارج كشرط أساسيّ للتطبيع.

* مبادرات إقليمية بقيادة إسرائيل: ينبغي تقديم مبادرات مشتركة لأنظمة الدفاع الجوي مع دول الخليج، والتعاون في حماية الممرات الملاحية في البحر الأحمر والخليج، وأطر استخباراتية لمواجهة شبكات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ووكلائها.

* اندماج مُنظّم في مشاريع الطاقة والطاقة النووية المدنية: يُوصى بالدمج في المشاريع بطريقة لا تُضرّ بالميزة النوعية، بل تُعزّز الترابط بين إسرائيل وشركائها الإقليميين والولايات المتحدة. ينبغي أن تُشكّل رؤية الرئيس ترامب لهيكلية جديدة في الشرق الأوسط أساساً لتوسيع التعاون الإقليمي، بما يُلبّي تطلعات الإدارة الأمريكية للمنطقة.

في الساحة الفلسطينية

استغلال خطة ترامب لرسم ملامح سياسية: بعد قبول خطة ترامب، ينبغي لنا المضي قدماً واستغلال هذه الفترة لرسم ملامح سياسية للانفصال بين دولة إسرائيل وكيان فلسطيني مستقل (منزوع السلاح وذو سيادة محدودة، يخضع لاتفاقيات مع إسرائيل) (كما طالبت إسرائيل في المفاوضات السابقة). من هذا المنطلق، يمكن الربط بين هذه المبادرة ومبادرة ترامب لعام 2020 (صفقة القرن): إذ تتضمن هذه المبادرة جوانب قد تخدم إسرائيل بشكل جيد، وهي مذكورة بالفعل في الخطة الحالية المطروحة. وقد يُمهد الربط بين مبادرتي ترامب الطريق لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

* يجب إدارة الموقف تجاه قطاع غزة والضفة الغربية بحكمة، مع تجنب أي خطوات أحادية الجانب قد تُؤدي إلى صراع بين إسرائيل والبيت الأبيض، وتُعرّض مشروع التطبيع الإقليمي للخطر.

* ينبغي صياغة حزمة متدرجة من الخطوات: – سلة من الإجراءات الأمنية والمدنية والاقتصادية – تُمكّن الإدارة من إظهار “تقدم نحو الاستقرار” في الساحة الفلسطينية، دون إلزام إسرائيل بتسوية دائمة غير مقبولة لديها. تُعد هذه التطورات أساسية لاستمرار عملية التطبيع، لا سيما مع السعودية. مع ذلك، فبدون إحراز تقدم في الحوار حول حل سياسي للقضية الفلسطينية، ستبقى فرص تعزيز التطبيع مع السعودية ضئيلة.

على الصعيد الأمريكي الداخلي

يتطلب تحقيق التوازن بين الهوية السياسية والحفاظ على جسور التواصل مع أمريكا ما بعد ترامب، يجب تقليص الاعتماد الحصري على معسكر ترامب، حتى وإن كان حليفاً رئيسياً. يجب على إسرائيل الحفاظ على التواصل مع مراكز القوى المهمة (البنتاغون، وزارة الخارجية) ومع الجالية اليهودية في الولايات المتحدة. ويُشدد على ضرورة بذل الجهود لإعادة بناء العلاقات مع الحزب الديمقراطي قدر الإمكان. وعلى الرغم من أن هذه مهمة معقدة تتطلب حساسية ودقة في التعامل مع مختلف الجوانب، إلا أن تنفيذها في ظل الاستقطاب الحالي في النظام الأمريكي أمر بالغ الأهمية لأمن إسرائيل على المدى البعيد.

خلاصة

لا تُنهي استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها تُغير قواعد اللعبة بشكل كبير: تقليل التدخل الأمريكي المباشر، وزيادة الاعتماد على الشركاء الإقليميين في الأمن، وترسيخ سردية مفادها أن “الشرق الأوسط تحت السيطرة” ويسير على طريق الاستقرار. في هذا السياق، يبقى أمن إسرائيل مصلحة أمريكية معلنة، ولكن في الوقت نفسه، يُتوقع من إسرائيل أن تتصرف بطريقة لا تُعيد فتح جبهات إقليمية واسعة.

تواجه إسرائيل فرصة محدودة لاستغلال الفرص المتاحة خلال الفترة المتبقية من ولاية الرئيس ترامب، ويتمثل التحدي الرئيسي أمامها في تحقيق توازن دقيق بين التوترات التالية: تعزيز وتعميق الدعم الأمريكي لها والاستفادة من البنية الإقليمية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة، مع الاستعداد في الوقت نفسه لوضع يقع فيه العبء الأمني الأكبر عليها وعلى شركائها؛ والاندماج في المبادرات الاقتصادية والتكنولوجية الإقليمية، مع الحفاظ على حرية العمل الاستراتيجية تجاه إيران ووكلائها؛ وتعزيز العلاقة مع الإدارة الحالية دون المساس بالقدرة على التعاون مع الإدارات المستقبلية، سواءً كانت ديمقراطية أو جمهورية.

على المدى البعيد، فإن التوجهات التي تعكسها الوثيقة – تقليص الالتزامات العالمية، ونقل الأعباء إلى الحلفاء، وتقليل الاعتماد على النظام الليبرالي – ليست نتاج شخصية ترامب وحدها، بل تعكس عمليات متأصلة في النظام الدولي وفي المجتمع الأمريكي نفسه. بالنسبة لإسرائيل، هذا يعني ضرورة صياغة استراتيجية مزدوجة: الحفاظ على أقصى قدر من التحالف الخاص مع الولايات المتحدة، إلى جانب التعزيز المستمر للاستقلال الاستراتيجي، والقدرة على الردع، والنظر بعناية في استخدام القوة، حتى لا يُنظر إليها على أنها تقوض مشروع إعادة تصميم الشرق الأوسط وفقاً للمفهوم الأمريكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *