فضاءات فكرية

الفيدراليةُ في سوريا بين الممكن والممتنع مقاربةٌ في تحدّيات التّنوع، ومَسارات المُستقبل

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

إذْ بينما يرى البعض في النظام الفيدرالي حلاً مثالياً لأزمات البلد، ولإدارة التنوع الديمغرافي التاريخي المعقد في سوريا، يعتبره آخرون تهديداً لوحدة البلاد وسيادتها واستقلالية قرارها، وربما خطوة أولى نحو تقسيمها..!!..

نعم، تقفُ سوريا اليوم أمام استحقاق تاريخي وجوهري، (بعد سنوات طويلة من الصراع المرير الذي أعقب سقوط منظومة الاستبداد المركزية السابقة)، على صعيد كيفية إعادة بناء دولة تجمع شتات السوريين، وتحافظ على وحدتهم دون العودة إلى هيمنة أي شكل أو نمط من أشكال أو أنماط الحكم الشمولي..

في هذا المقال نحاول بشكل موضوعي حيادي قدر المستطاع، استكشافَ إمكانية (أو عدم إمكانية) تطبيق الفيدرالية في سوريا من خلال تحليل الواقع التاريخي والاجتماعي السوري، مع التركيز على التحديات والفرص التي تواجه هذا النموذج السياسي في بلد أنهكته التدخلات، ومزقته الصراعات والحروب، وتشابكت فيه مصادر وقوى الضغط والتأثير الإقليمية والدولية، وتعقدت وتضاربت الحلول المطروحة لمعالجة جوهر أزمته التي باتت أزمة وجودية نتيجة تلك التدخلات بالدرجة الأولى.. ولكن قبل الولوج للتحليل؛ أود الإشارة لبعض النقاط التي أعتبرها ضرورية له، وهي:

  1. أنا كمثقفٍ عضوي لستُ من الدّاعين للفيدرالية ولا من رافضيها الجَذريين، إذ أعتبر أن الأمرَ بكلّيته مرهون (أو يُفترض أن يكون مرهوناً!) لقرار السوريين في تحديد مصيرهم المستقبلي، وشكل الحُكم الذي يتطلعون من خلاله لبناء دولتهم، وعلى أي طريق أو سبيل سياسي عملي يريدون موضعتها، فهذا شأنٌ يخصهم أولاً وأخيراً..
  2. هناك خلطٌ كبير في المعنى المصطلح للفيدرالية، وغياب حقيقي لمعناه السياسي العملي لدى قطاعات كبيرة من الناس، وفي النهاية هي (أي الفيدرالية) ليست تقسيماً ولا انقساماً سياسياً ومجتمعياً، بل شكل من أشكال الحكم السياسي الإداري المحلي (الموسّع) المتصل في العمق بمركزية الدولة وقرارها السيادي الخارجي.
  3. انطلاقاً من ضرورة توفير أجواء النجاح لأي عمل، أعتقد أنه يجب أولاً وأخيراً تحقيق حالة أمن وأمان وسلام مجتمعي سوري داخلي بعيدة عن أجواء التوتر والصراع والعنف، ومن ثم فليقرّر السوريون الطريقة التي يرغبون بها لحكم أنفسهم من خلال مجالس محلية منتخبة بصورة حقيقية لا ديكورية.. إذ أنّ استمرار أعمال العنف والمظاهرات (وعقلية شارع مقابل شارع) في هذه الظروف المتوترة جداً، سيلقي بمزيد من الحطب على نار الفتنة المشتعلة أساساً.. وتحقيقُ هذا الأمرُ (العقلاني السلمي المتمثّل في الأمان والسلم الأهلي عملياً لا نظرياً) منوطٌ بل وواجب ملقى – ليس فقط على الناس التي باتت تبحث عن ملاذات آمنة معيشية لها – بل قبل ذلك على عاتق السلطة نفسها التي بيدها القرار اليوم، فهي قادرة على لجم الصراعات، وكبح جماح العنف (خاصة الأهلي منه)، والانخراط في مسعى حقيقي للتحرك الوطني الشامل لتكون مظلة جامعة لكل الناس تحت سقف المواطنة والحقوق وتأمين الاحتياجات.
  4. المزاج النفسي والعملي للأقليات السورية (وأنا آسف لاستخدام هكذا مصطلحات ومفاهيم ما قبل وطنية)، وخصوصاً العلويين، موجود تحديداً في الشارع السّنّي، ومجمل القوى الدينية التاريخية المؤثرة فيه خصوصاً من الشخصيات والنخب المعتدلة (وهي كبيرة وواسعة ولها حضورها بطبيعة الحال)، وهذه هي التي بيدها أمر تحديد توجهات هذا المكون الوطني خلال الفترة القادمة، على صعيد الاحتضان الوطني الحقوقي الشامل، وبناء أسس ومقومات المواطنة الحقوقية..

.. لمحة تاريخية عن واقع سوريا بعد عام 2011م

شكلت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في آذار 2011م منعطفاً حاسماً في التاريخ السوري الحديث، فقد تحولت المظاهرات السلمية المطالِبة بالحرية والكرامة إلى صراع مسلح معقد تعددت فيه الأطراف، وتشابكت المصالح والأدوار الإقليمية والدولية.. وبعد أكثر من عقد على اندلاع تلك الأزمة (أي حوالي عام 2021م)، لم يعد النظام السياسي المركزي قادراً على بسط سيطرته على كامل التراب السوري، حيث توزعت السيطرةُ الفعلية بين النظام السوري في المناطق الغربية والوسطى، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي، وفصائل المعارضة المختلفة في الشمال الغربي.

هذا التجزؤ “الجغرافي – السياسي” (إذا صح التعبير) ولَّد واقعاً إدارياً معقداً، حيث تطورتْ في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أشكال مختلفة من الإدارة السياسية والمجتمعية الذاتية، خصوصاً في مناطق سيطرة “قسد” التي أعلنت عن تأسيسِ نظامٍ إدارة ذاتية في شمال وشرق سوريا يعتمدُ على مفاهيم اللامركزية السياسية والإدارية المتقدمة، وإن لم يعلن رسمياً كفيدرالية.

ومن باب العلم التاريخي فقط (ولو استطردنا قليلاً في الحديث)، فقد تمَّ في حزيران من العام 1922م تأسيس “اتحاد الدول السورية”، وهو هيكل سياسي لــــــ “كيان فيدرالي” أنشأه الانتداب الفرنسي، وضم دول: (دمشق، وحلب، وجبل العلويين)، مستلهماً النموذج السويسري، (حيث نُقلت يومها العاصمة إلى حلب الأمر الذي أثار استياء الدمشقيين).. كما نُظمت شؤون الاتحاد عبر مجلس تمثيلي يضم 15 مندوباً، مع تقاسم الإيرادات المالية، وإدارة مشتركة للقضاء والجمارك والاتصالات.. وفي المقابل، احتفظت كل دولة باستقلالها في التعليم والعملة والطوابع البريدية.. ولم تدم هذه التجربة طويلاً؛ ففي نهاية عام 1924 (أي بعد حوالي سنتين ونصف السنة على إنشاء ذلك الاتحاد الفيدرالي)، وبسبب عدم رضا المكونات السورية عن التجزئة، صوّت المجلس على حلّ الاتحاد، واستبداله بــــ “الدولة السورية” التي دمجت دمشق وحلب، مع بقاء دولة العلويين مستقلة (سميت بحكومة اللاذقية عام 1930م) حتى كانون أول من العام 1936م، أي أنها دامت حوالي 16 عاماً، وانتهت بدمجها فعلياً (1937م) في الجمهورية السورية، كتنازل فرنسي للكتلة الوطنية القومية السورية.

.. مفهوم الفيدرالية وأنماطها وأسباب الاندفاع إليها

الفيدرالية كنظام سياسي تعني توزيع الصلاحيات بين حكومة مركزية تمسك بالقرار في العاصمة، ووحدات إقليمية (ولايات، أقاليم، مقاطعات) تتمتع بحكم ذاتي في مجالات محددة، مع احتفاظ الحكومة المركزية بصلاحيات السيادة مثل الدفاع والسياسة الخارجية.. أي أن الفيدرالية في جوهرها ليست “تقسيماً”، بل هي عقد اجتماعي يوزع السلطات بين مركز قوي (يهتم بالخارجية والدفاع والعملة)، وأقاليم تتمتع بحكم ذاتي في شؤونها المحلية (التعليم، الصحة، القضاء المحلي، والتنمية الاقتصادية..

وتتنوع النماذج الفيدرالية بين:

1. الفيدرالية الإقليمية: حيث تقسم الدولة إلى وحدات إقليمية بغض النظر عن التركيبة الديمغرافية.

2. الفيدرالية العرقية/القومية: حيث تستند التقسيمات إلى اختلافات عرقية أو قومية.

3. الفيدرالية المختلطة: تجمع بين الاعتبارات الإقليمية والديموغرافية.

  • ويطرحُ بعضُ السّوريين هذا النمط من الحكم (الفيدرالية بصرف النظر عن نوعها ونمطها) لعدة أسباب:
  • إدارةُ التّنوع الديني والعِرقي: حيث أن سوريا موزاييك فريد يضم كثيراً من المكونات والانتماءات الدينية والقومية والجهوية والعرقية والاثنية.. والفيدرالية تمنح هذه المكونات حالة “الأمان الهوياتي” إذا صح التعبير، وتسمح لها بإدارة شؤونها الثقافية والتعليمية دون خوف من “صهر” هوياتها في بوتقة هوية الأغلبية الساحقة.
  • تحقيقُ العدالة التنموية: حيث أنه ولسنوات طويلة خلت، عانت المناطق البعيدة (الجزيرة، حوران، والساحل) من تهميش تنموي لصالح العاصمة.. والفيدرالية قد تسمح لكل إقليم باستثمار موارده (نفط، زراعة، سياحة) لتطوير مجتمعه المحلي مباشرة.
  • الدّيمقراطيةُ التّشاركية: تقريب مراكز القرار من المواطن يجعل السلطة أكثر خضوعاً للمساءلة، ويمنع ولادة وبروز حكم ديكتاتوري أو “ديكتاتور عابر للأقاليم”.

.. إمكانيات تطبيق الفيدرالية في سوريا – تنوعٌ كمصدر ثراء وتحدٍ

تمتلكُ سوريا تنوعاً ديمغرافياً ملحوظاً، يشكل أساساً نظرياً قوياً لدعم نموذج فيدرالي.. فهي تضم:

تنوعٌ عرقي وقومي: عرب، كرد، أرمن، آشوريون، سريان، شركس، تركمان.

تنوعٌ ديني وطائفي: مسلمون سنة، علويون، إسماعيليون، دروز، مسيحيون بمذاهب متعددة، إيزيديون.

تنوعٌ ثقافي ولغوي: العربية كلغة رسمية، مع وجود لغات محلية مثل الكردية، السريانية، الأرمنية، الشركسية.

وقد شَهدَ هذا التنوعُ – الذي تعايشَ لقرون طويلة مع بعضه بعضاً في إطار الدولة السورية الحديثة (خاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال عام 1946م) – توترات ونزاعات عديدة متكررة، خصوصاً فيما يتعلق بالهوية الكردية، والمطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية للأكراد.. وقد أظهرت تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا قدرة المجتمعات المحلية على إدارة شؤونها في ظلّ غياب السلطة المركزية، وإنْ في ظروف استثنائية.

نظرياً، يمكن للفيدرالية (بمعنى اللا مركزيات الإدارية) أن توفر – كما قلنا – إطاراً دستورياً وقانونياً حقوقياً يضمن:

– حماية حقوق الأقليات القومية والدينية.

– تمثيلاً أكثر إنصافاً للمجموعات المختلفة في مؤسسات الدولة.

– مرونة أكبر في إدارة الخدمات والموارد المحلية.

– تقليل الاحتقان المركزي والصراع على السلطة.

.. التحدياتُ والعقبات أمام تطبيق الفيدرالية

على الرغم من المبررات النظرية، تواجهُ فكرة الفيدرالية في سوريا عقبات عديدة جمة:

أولاً- التّحدياتُ الداخلية:

    1-الممانعةُ السياسية والأيديولوجية: تعتبر النخب التقليدية الحاكمة والنخب المعارضة التقليدية أيضاً أن الفيدرالية تشكل تهديداً لوحدة سوريا الترابية، وتفتح الباب أمام تقسيم البلاد. كما أن الدستور السوري الحالي والنظام السياسي القائم يقومان على مركزية صارمة.

    2- غيابُ الثقافة السياسية الديمقراطية: الفيدرالية نظام معقد يتطلبُ مستوى عالياً من النضج السياسي والوعي المؤسساتي، والثقة العميقة بين المكونات المختلفة، وهي عناصر واشتراطات قليلة بل شحيحة في السياق الوطني السوري الذي عانى للأسف من تركة طويلة ثقيلة من الاستبداد والتمييز.

    3- عدمُ وضوح الحدود الإقليمية للمقاطعات الفيدرالية: حيث يصعب تحديد حدود واقعية عادلة للمناطق الفيدرالية في سوريا بسبب التداخل السكاني الكثيف والمعقد، خاصة في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق والقامشلي وحماة، حيث تتعايش المجموعات المختلفة مع بعضها كمركب واحد متداخل.. وهذه (الجغرافيا البشرية) تشكل معضلة حقيقية من الصعب حلها لمن يتطلع للحل الفيدرالي بالمعنى الواسع والمركزي.. وهذاالتداخل السكاني الكبير والواسع بين السوريين، ليس “كانتونات” مغلقة. فالعربي يعيشُ بجانب الكردي، والسني بجانب العلوي في المدن الكبرى، وحتى في الأرياف تقترب وتتداخل القرى المتنوعة من بعضها بعضاً.. بالتالي: إن محاولات رسم حدود فيدرالية على أسس “إثنية” أو “طائفية” قد يؤدي إلى عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي لتجانس الأقاليم، وهو ما يجعل الفيدرالية “الجغرافية الإدارية” مُمكِنة، بينما الفيدرالية “الهوياتية” مستحيلة وخطيرة.

  • التوزيعُ غير المتكافئ للموارد: تتركز الثروات النفطية والمائية والزراعية في مناطق محددة (خاصة شرق الفرات)، مما يخلق إشكالية في تقاسم الموارد بين الأقاليم الفيدرالية.. حيث يطرح هنا سؤال أساسي حول كيفية إقناع إقليم “فقير الموارد” بفيدرالية تحرمه من حصته في ثروات الإقليم “الغني” الآخر..!!. حيث أنه من دون وجود “صندوق سيادي وطني”، وتوافق وطني شامل، ستتحول الفيدرالية إلى عبء كبير، ووقود لحروب داخلية على الآبار والمياه وغيرها.
  • الصراعُ المسلح المستمر (بشكل وبآخر): طالما استمرت الحرب وعدم الاستقرار، يصعب الحديث عن إصلاح سياسي جذري كنظام فيدرالي.

ثانياً- التحديات العربية والإقليمية والدولية

وتتمحور حول:

1- رفض الدول الإقليمية: ترفض معظم الدول المجاورة لسوريا فكرة الفيدرالية، خصوصاً تركيا التي تعتبرها خطوة نحو تقسيم سوريا، وإنشاء كيان كردي قد يلهم الأكراد في تركيا للانتفاضة ذدها والسعي للمطالبة بمثله. كذلك، تعارض إيران النظام الفيدرالي لأنه قد يقلص نفوذها في سوريا.. حيث أن من مصلحة الأمن القومي لتلك الدول (خاصة تركيا) بقاء سوريا موحدة غير منفصلة تحت ظل سلطة واحدة موحدة، يتعاملون معها، وتضمن لهم حدودهم وأمنهم من جانبها.. ولكن بالمقابل (والسياسة حبلى بالمتغيرات والمفاجآت) إذا ما رأت تلك الدول خاصة تركيا، أنّ الدول الكبرى قد تسعى لفرض اتفاقات مع أطراف سورية (قسد مثلاً) لن تراعي فيها الحساسيات التركية، بحيث تكون على حساب أمنها، فإنها ستحاول أن تجد لنفسها موطأ قدم حتى ضمن مشاريع التقسيم ذاتها، إن تم إقرارها دولياً، وذلك حفاظاً على مصالحها وأمنها القومي..!!. مع قناعتي طبعاً بأن هناك عدم اتفاق دولي بهذا الشأن..!.

2- انقسام الموقف الدولي: بينما قد تدعم بعض القوى الدولية نموذجاً لا مركزياً في سوريا كحل سياسي، تختلف الرؤى حول درجة اللامركزية المقبولة.. فروسيا، الحليف الرئيسي للنظام السابق والتي باتت اليوم من أهم الحاضرين الفاعلين في الملف السوري حالياً، تعلن دعمها لوحدة سوريا مع إمكانية منح بعض الصلاحيات الإدارية للمناطق.

3- الوضع الدستوري والقانوني الدولي: أي تغيير في نظام الحكم في سوريا يجب أن يحظى بشرعية دولية، خاصة من مجلس الأمن، وهو أمرٌ معقد في ظل الانقسام الدولي حول الملف السوري.

.. نماذج فيدرالية مقارنة ودروس مستفادة

يطرح البعض إمكانية الاستفادة من تجارب دول أخرى عانت من تنوع ديني وقومي وديمغرافي مماثل:

  • العراق: نموذج فيدرالي قائم على أساس طائفي – إثني، (وبحسب المادة الأولى من دستور عام 2005م، نظام الحكم هو جمهوري برلماني ديمقراطي فيدرالي)، وقد واجه هذا النمط في الحكم السياسي العراقي إشكاليات وتحديات كبيرة في تقاسم السلطة والموارد، خصوصاً بين بغداد، وإقليم كردستان.
  •  سويسرا: نموذج فيدرالي ناجح قائم على التوافق بين المجموعات اللغوية والدينية.

ج- بلجيكا: فيدرالية معقدة بين مجتمعين لغويين رئيسيين، عانت من أزمات سياسية متكررة.

والعبرة الرئيسية هنا في النهاية تكمن في أن نجاح الفيدرالية في أي بلد يستجيل أن يتحقق من دون طاولة حوار بين مكوناته.. أي هو مرهون بوجود توافق وطني حقيقي، وثقافة سياسية ديمقراطية، ومؤسسات قوية، وعدالة في توزيع الموارد والثروات.

.. رؤيةٌ تحليلية- الفيدراليةُ بين المثالية والواقعية

بعد هذا التحليل الشامل، يمكن الخلوص إلى أن الفيدرالية في سوريا تتراوح بين الممكن نظرياً والممتنع عملياً في المدى المنظور..

فمن الناحية النظرية، قد يرى البعض أن النظام الفيدرالي يقدم إطاراً معقولاً لإدارة التنوع السوري المعقد، ويمكن أن يكون حلاً وسطاً بين المركزية الصارمة (التي يرى كثير من المحللين والمراقبين أنها تتأخر في تحقيق العدالة والإنصاف)، والتقسيم الذي يرفضه معظم السوريين. مع أن الواقع على الأرض بعد عام 2011م أفرز أشكالاً من الإدارة الذاتية المحلية قد تشكل نواة لنظام حكم لا مركزي..!!.

ولكن عملياً، تواجه الفيدرالية في سوريا موانع وعوائق هائلة:

غيابُ الشركاء السياسيين المؤهلين: معظم الأطراف السورية، بما في ذلك النظام والمعارضة التقليدية، ترفض الفيدرالية جملة وتفصيلاً.

الهشاشةُ الأمنية: لا يمكن بناء نظام سياسي معقد في ظل استمرار الصراع ووجود قوات أجنبية على الأرض.

الرفضُ الإقليمي: الموقف الإقليمي المعارض يشكل عائقاً حاسماً.

التركةُ الثقيلة من عدم الثقة: عقود من التمييز والقمع خلقت هوة عميقة من عدم الثقة بين المكونات السورية.

.. بدائلُ ممكنة ومسارات انتقالية:

بدلاً من التطرق مباشرة إلى نموذج فيدرالي كامل، قد يكون من الواقعي التدرج نحو أشكال من اللامركزية الإدارية الموسّعة كخطوة أولى، تتضمن:

1. زيادة صلاحيات المحافظات والبلديات في إدارة الخدمات المحلية.

2. ضمانات دستورية وقانونية لحقوق الأقليات الثقافية واللغوية.

3. إصلاح نظام الحكم المحلي ليكون أكثر تمثيلاً للتنوع التاريخي المجتمعي السوري الواسع.

4. آليات عادلة لتقاسم الموارد والثروات بين المناطق.

إنّ هذه الخطوات قد تشكلُ جسوراً نحو نموذج سياسي أكثر توافقاً مع تنوع سوريا، دون الدخول في الجدل العقيم حول الفيدرالية.

.. خاتمة

إنّ الفيدرالية في سوريا ليست مجرد نموذج سياسي تقني، بل هي قضية وجودية تمسُّ هوية الدولة ومستقبلها.. إذْ بينما يبدو النظام الفيدرالي حلاً نظرياً أنيقاً ومبهراً لإشكالية التنوع السوري، إلا أن تطبيقه يواجه عوائق عملية هائلة تتعلق بالسياق السياسي والأمني والإقليمي وربما الدولي الأممي.

والمسار الأكثر واقعية قد لا يكونُ نقاش الفيدرالية كحل جذري، بل بالعمل على بناء توافق داخلي وطني حول سوريا جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية للمجموعات المختلفة. وهذا التوافق قد ينتج مع الوقت نموذجاً سياسياً فريداً يجمع بين وحدة الدولة ومراعاة تنوعها، سواء أكان فيدرالياً أم لا.. والمهم أن يأتي هذا كله من خلال “عقد وطني جديد” يعترف بحقوق الجميع، دون الحاجة لرسم حدود دم داخل الوطن الواحد.

وفي النهاية، مصير النظام السياسي في سوريا يجب أن يقرره السوريون أنفسهم عبر عملية سياسية حقيقية وشاملة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والصراعات الإقليمية. وفقط حين تهدأ المعارك والسجالات واللغط، وأجواء اللا استقرار، وتتوفرُ الإرادة السياسية الحقيقية للتفاوض والتسوية، يمكن الحديث جدياً عن نماذج الحكم المناسبة لسوريا المستقبل..

فالهدف الأسمى فهو بناء دولة القانون والمؤسسات لكل إنسان سوري، ما زالَ يحلم بالعيش الآمن المستقر، في أن يسند رأسه بسلام في أية بقعة من وطنه، لا يخشى معها جندياً يقرعُ بابه، ولا تهميشاً يسرقُ موارده ومستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *