مقصّرونَ في حقِّ لغتنا، مقصِّرونَ في العنايةِ بها!!
بقلم غسان عبد الله
تتأثّرُ اللغةُ – أيُّ لغةٍ – بالرّوحِ السائدةِ للحضارةِ وإنجازاتِها وآلياتِها، وينعكسُ في اللغةِ النمطُ الحضاريُّ السائدُ في مجتمعٍ من المجتمعات، والحضارةُ تتأثر باللغةِ: بأنماطها التعبيريةِ وقدراتها الإبداعيةِ التي اكتَسَبَتْها عبرَ تاريخِها الطويلِ..
وإذا كان من الميسور التدليلُ على تأثيرِ الحضارةِ في اللغة، والإتيانُ بالشواهدِ الكثيرةِ التي تعزِّزه، مثلاً اللغةُ العربيةُ تمتلئُ بالألفاظِ التي تَصِفُ الصحراءَ وحيواناتها ومظاهرَ الحياةِ فيها، كما كان تأثيرُ البحرِ واضحاً في مفرداتِ اللغةِ الإنجليزية.. إذا كان ذلك ميسوراً فإن تأثُّر الحضارةِ باللغةِ خاضَ فيه الفلاسفةُ، وعلماءُ اللغةِ المُحْدِثون تحت ما سُمِّي بعلاقةِ الفكرِ باللغة، ووجدوا تأثيراً خفيّاً للّغةِ في طريقةِ تفكيرِ الناسِ وتصوًّراتِهم عن الكونِ والحياةِ، على الرغم من أن اللغةَ هي في المحلِّ الأخير من ابتداعهم.
وأحدُ المؤشراتِ المهمةِ على تحضُّرِ شعبٍ من الشعوبِ هو علاقتُهُ بلغته: كيف ينظرُ إليها؟ وكيف يتعاملُ معها؟ ثم كم هي قدراتُ لغتِهِ على التعامُلِ مع نَمطِ الحياةِ السائد؟.
واللغةُ العربيةُ من هذه الزاويةِ في مأزِقٍ؛ فهي تعيشُ في ظلِّ حضارةٍ ليست من صنعِ أبنائها، حضارةٍ شكَّلت لنفسِها نظاماً فكريّاً، وتصوراتٍ عقائديةً عن الكونِ مخالفاً في كثيرٍ من نواحيهِ للنظامِ الفكريِّ الذي عاشتْ في ظلِّهِ اللغةُ العربية، كما أن هذه الحضارة ابتدعتْ علوماً ومناهجَ للبحثِ العلميِّ لم تأْلَفْها الحضارةُ العربيةُ من قبل، وأنجزَتْ منتجاتٍ، وصاحَبَ هذه المنتجاتِ عاداتٌ وتقاليدُ خاصة، كلّ هذا كان غريباً عن العرب وكان مأزقاً تواجِهُهُ اللغةُ العربية في كل يوم.
قديماً عندما كان العربُ هم أصحابُ السيادةِ في العالمِ القديمِ، اختلفَت طبيعةُ تأثُّرهم بتراثِ الحضاراتِ المعاصرةِ لهم، الفارسية واليونانية والهندية، لقد أخذوا منهم بعض أفكارِهم، وطرُقِ بحِثهم، وبعضَ أساليبِهم في الحياة، وفي تدبيرِ شئونِ الدولةِ، وترجموا كثيراً من كُتُبِهم، لكنهم خرّجوا كلَّ هذا بالروحِ الإسلاميةِ؛ ليخرج نتاجاً آخر فيه من سمات الحضاراتِ الأخرى بقدْرِ ما فيهِ من الطابعِ الإسلاميِّ العربيِّ، وحتى لغاتُ هذه الحضاراتِ أثّرتْ بعضَ الشيءِ في اللغةِ العربيةِ، لكنَّ الدخيلَ والمعرّبَ من هذه اللغاتِ انصهرَ في العربيةِ، ودخَلَ في نسيجِها، وتأثّرَ بروحِها العامةِ، كما كان تأثيرُ العربيةِ في اللغاتِ المحليةِ المحيطةِ بها قويّاً، فهي إما قَضَتْ عليها بعد صراعٍ طويلٍ دام قروناً، أو دخلتْ بألفاظِها وتراكيبِها في نسيجِ هذه اللغةِ، فعلى الرغم من أن اللغة الفارسية – كمثال – من عائلةٍ لغويةٍ تختلفُ عن العائلةِ التي تنتمي إليها اللغةُ العربيةُ، فإنّ أكثرَ من نصفِ كلماتِ اللغةِ الفارسيةِ ترجِعُ أصولُها إلى العربية.
في ظلِّ هذا الإحساسِ القويِّ بالتفوُّقِ تجاه الغيرِ، عامَلَ القدماءُ لغتَهم العربيةَ، ونظروا إليها على أنها أفضلُ اللغاتِ جميعاً، وأقدرُها على التعبيرِ عن العواطفِ الإنسانيةِ ومقتضياتِ الحياةِ اليوميةِ، تجدُ ذلك مبثوثاً في كتاباتِ الجاحظ، وغيرهِ ممن كتبوا عن إعجازِ القرآن الكريم، وأما علماءُ اللغةِ فإنهم كتبوا مئاتِ الكتبِ الأصلية في كل ما يتصل بالبحث في اللغة، يكفي أن نعرفَ الآن أن كثيراً من مناهجِ البحثِ الّلغوي الحديثِ نجدُ بذوراً لها في كتاباتِ العربِ القدماء، ولكن من منظورٍ فكريٍّ مخالفٍ لما يُكتَبُ اليوم.
لقد ألّف القدماءُ وبمجهودٍ فرديٍّ دائماً المعاجمَ العامةَ في اللغةِ، وألفوا معاجمَ متخصصةً في أسماءِ الحيوان، أو بعضَ الأشياءِ المتصلةِ بالبيئةِ مثل الأنواعِ والرّياحِ، وألَّفوا معاجمَ للمصطلحاتِ، وشادوا منهجاً ضخماً لبحثِ النّحوِ العربيِّ، وألّفوا فيه مئات الكتبِ حتى قيل عن النَّحوِ العربيِّ: “إنه العلمُ الذي نضجَ حتى احترق”.
ثم تغيّب الدورُ الحضاريُّ الفعَّالُ للعربِ لأسبابٍ كثيرةٍ ومعروفةٍ، وبدأ اهتمامُهم بلغتهم يقلُّ تبعاً لذلك، وبدأ عصرُ الشروحِ، وشروحِ الشّروحِ، والذي يقرأُ التاريخَ الإسلاميَّ جيداً يجدُ أنّ توقُّفَ العربِ عن الاهتمامِ بلُغتهم تزامَنَ مع الانهيارِ العامِ لكلِّ مظاهرِ الحضارةِ التي شادوها عبر مئات السنين.
في الوقت نفسهِ وعلى ضفافِ الشاطئِ الآخرِ من البحرِ المتوسّطِ بدأتْ تتولدُ حضارةُ أوروبا بكل اختلافاتها التي أشرنا لها قبلاً، ثم كان أولُ احتكاكٍ حقيقيٍّ بين أوروبا والعربِ في أوضاعِ قوّتهم الجديدةِ، واختلافِ موازينِ هذه القوى لصالحِ أوروبا في الحملةِ الفرنسيةِ على مصر.
لقد كان مأمولاً بعد ما يقرب من قرنينِ من أوّلِ مواجهةٍ حقيقيةٍ بين العربِ والغرْبِ أن تُحلَّ الكثيرُ من التناقضاتِ التي تتّسِمُ بها العلاقةُ بين حضارةِ العربِ وحضارةِ أوروبا، وأن تستطيعَ اللغةُ العربيةُ تبعاً لذلك أن تواكبَ العصرَ، لكنَّ هذه التناقضات – للأسف – تزدادُ حدّةً، ولا شكَّ أن هذا يؤثِّرُ على اللغةِ العربيةِ تأثيراً كبيراً.
ولعلَّ أهمَّ هذه التناقضاتِ أن العربَ فشلوا حتى الآن أن يكونوا عنصراً فعَّالاً ومؤثراً في الحضارة، في حينِ نجَحَ غيرُهم. هناك إحساسٌ عامٌّ غيرُ معلنٍ أننا لن نكونَ مثلَهم، وأنَّ قَدَرنَا هو أن نأخُذَ منهم دائماً، ليست هناكَ بادرةُ طموحٍ في تجاوزِ الوضعِ القائمِ، وإلى المشاركةِ الفعَّالةِ في العصر، وربما كان أهم انعكاسٍ لهذا الإحساس العام هو في تعاملنا الرديء مع اللغة العربية.
نحن مقصّرونَ في حقِّ لغتنا، مقصِّرونَ في العنايةِ بها، لا أستثني أحداً. وعلى الرغم من أننا نشاهدُ مظاهرَ التّدهورِ الّلغويِّ في كلِّ المجالاتِ، والتي تزدادُ حدّةً عاماً بعد الآخر، وزَحف العاميةِ واحتلالها مساحاتٍ في وسائلِ الإعلامِ أكثر مما ينبغي، فإننا لا نفعلُ شيئاً له قيمة من أجلِ وقْفِ هذا التدهور.
