منكَ انطلاقي نحو مبتدأِ الزَّمنْ “في ذكرى ولادةِ الأمير(ع)”
بقلم غسان عبد الله
تتحاورُ الأعضاءُ مُشْعِلةً ملاحمَ للبقاءِ، وأنتَ مولاي تولَدُ كلَّ آن..
وكلُّ نبضٍ في يومكَ سيّدٌ في الكونِ..
هل أدركتني قبلَ انطفائي؟ هل كنتَ قربي حينَ طيَّرتُ الأغاني؟
أبداً أظلُّ عُبَيْدَكَ وأسبحُ في الفضاءِ.
تتداخلُ الأغصانُ مزهرةً، وتنشرُ في السماءِ أريجَ بهجتها
مزهوّةً برفيفها ونشيدِ حالتها وقدْ طارتْ إلى شجرِ الدماءِ..
أيكونُ فوقَ الأرضِ أغلى من لقاءِ الكائناتِ؟.. هل غير هذا الحب يبقي المعجزاتِ؟
أهفو إلى وطنٍ دمٍ، وأعيشُ وهْجَكَ في الخلايا، حيثُ يتبعني الصباحُ،
وأقومُ من رممي وحيداً دونَ قبّرةٍ وأبحثُ عنكَ في بحر السماءْ..
ويضيئني هذا الجناحُ… أنتَ الضراعةُ والبشاشةُ لا أقلّ،
أنتَ اشتعالاتُ القصائدِ أو أجَلّ،
وضياءُ فجرِكَ يمنحُ الكونَ ارتعاشةَ روحهِ.. أجَّجتني عَبْرَ الأزلْ بطلاً لتاريخٍ أفَلْ..
وأنتَ ونهجُكَ الخافقانْ.. وعلى جنائنكَ النديّةِ كل مبتدأٍ يهِلْ..
يا غايةً عبْرَ المدى المفتوحِ: سيفُكَ لم يزلْ..
يُعطي ارتعاشتَهُ العظيمةَ مثلَ زلزلةٍ، وقلبي لا يَقِلْ..
يأتي إليَّ القاتلونَ جميعُهُمْ.. يأتي إليّ الحاقدونْ..
يأتي المهرّجُ والمناضلُ والمقاتلُ والمتاجرْ..
يأتي الشتاءْ.. تأتي المشاعلُ والمزاهرْ.. يأتي الحجرْ.. يأتي الشجرْ..
يأتي الصغارْ.. والأرضُ تأتي والسماءْ.. والنارُ تأتي والدماءْ..
والكائناتُ جميعُها تأتي كأحلامِ النَّهَرْ.. لكنَّ جرحكَ لا يملُّ من النزيفْ!.
تتراكمُ الأشياءُ فوقَ سنابلي.. ويقودُني هذا الرمادُ إلى غدي..
لا أستطيعُ- بغير همسِكَ أن أطيرْ..
وأنا الهشيمُ إذا اشتعلْتَ، أنا الشتاءُ إذا انهمرْتَ، أنا التفرُّدُ إن أضأْتَ..
ما بينَنا مطرٌ يضيءُ وأنتَ سيّدُ هذي الضراعةِ..
وجميعُ من ذهبوا إلى شجراتِ روحكَ، أتقنُوا فنَّ العبادةْ،
والأرضُ متَّسَعٌ لكَ.. ولكَ الفضاءُ، والوقتُ والبدءُ المضاءُ..
كيفَ اكتشفتُكَ فاهتدى عصفورُ قلبي نحو ظلكْ..
كيفَ ابتدأتَ تفوّحُ بي ورودَ روحي فاحترقتُ في نهاياتِ الشهادة؟..
كم أدهَشَتْني عبقريّاتُ الدعاءْ!.
ما بيننا مطرٌ يضيءُ وأنتَ سيّدٌ للكواكبِ والسعادة..
لكنّ لي بحراً يجيءْ.. لكنّ لي فرحاً يفيءْ.. وبيَ النداءُ.. بيَ الكواكبُ والفضاءُ..
بيَ انتهاءاتُ الرؤى، والشوقُ يبقى خالداً عبرَ العصورْ.
أوّلتَني في بادئ الخطواتِ، أشعلْتَ الندى والقلبَ،
حوّلتَ الدعاءَ إلى فمٍ يخضرُّ لاسمِكَ ثمَّ ضوّأْتَ الجبالْ..
وأقمتَ خلفَ رؤى الصباحْ.. أربكتني..
كم مستطابٌ أن تُبدِّلَ نفسَها الأشياءُ عبْرَ الأضلعِ!
أربكتني، والكونُ مرتبكٌ معي.. كوكبْتَ قناديلكَ فاشتعلَ الفضاءْ..
كم أنتَ مستعمرٌ دمي دونَ كلِّ الكائناتْ!.. وأنا انتشارُكَ وانتشاري حيثُ تشتبكُ الجهاتْ..
أشرقتَ ورداً في فضائي فانتصرتُ.. وبدأتَ ملحمتي دروباً فالتهبتُ..
ورسمتَ أحلامي فأنجزتُ التبتُّلَ وانهمرْتُ..
هي حكمةُ القلبِ المثابرِ عبرَ تاريخِ الأمدْ، أنْ.. أرتديكَ إلى نهاياتِ الزمانْ،
كيفَ ارتفعتُ إلى الأعالي مَرّةً، ثم انخطفتُ بينَ ثنياتِ الضبابْ..
وأنا هُنا متوحّدٌ بابتهالِكَ العلويِّ أجتازُ الصّعابْ!
دعني أوزّعْ مقلتيَّ على المدى فأُطَيِّرَ من رئتيّ ما رغبَ الفضاءُ
واسكبْ دمي في كلِّ ثانيةٍ.. وغرّدْ ما رغبتَ على غصونِ تهدّمي..
كُنْ نبْضَ أغنيةِ الدّمِ فبغيرِ بوحِكَ لا تعانقني السماءُ…
دعني أوزِّعُ لونَ قلبي مثلَ هذي الشمسِ ولتنهلْ ينابيعَ الحبقْ
دعني قليلاً كي تكفنني الدماءُ..
وأنا الذي رسمَ الطفولةَ فوقَ هذي الأرضِ وابتدأَ الشروقْ..
وأنا الذي وزَّعْتَهُ زهراً على هذي المدائنِ والقُرى..
أيكونُ بدايةَ المطافِ شتاؤنا؟ أيكونُ شيئاً غامضاً كالحزنِ أم فرحاً لمبتدأ النهارْ؟
أتكونُ مختصرَ الوجودْ؟ مرّتْ يداكَ على السهولِ فأزهرتْ، وعلى الشموعِ فأُشْعِلَتْ..
مرّتْ يداكَ على المآذنِ فاستفاقَ العابدونْ، وتنفسوا فَرَحاً فأشعلَتِ الرياحُ فضاءَهَا،
وتوهجتْ قممُ الجبالِ بأبيضِ المطرِ الهتونْ..
مرّتْ يداكَ على الوجيبِ فصارَ نبضاً ثم جاءَ العاشقونْ..
لي في الضراعةِ ما يتوِّجُ راحتيَّ على البسيطةِ شعلَتَيْنْ: للحبِّ والصوتِ الحنونْ..
أيقظتُ قلبي وانخطفتُ إلى سمائكْ.. أشعلتُهُ ومشيتُ خلفَ لهيبِهِ نحوَ انبعاثك..
أعلنتُ أمطارَ الهدايةِ وانهطلتُ على ترابكْ..
ورَسَمْتُ فاتحتي وخاتمتي كما رغبتْ خطاي..
ودّعتُ كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فأضاءَني شوقٌ وورْدُ وهجرتُ زيفَ الجاهلينْ..
ورسمتُ نفسي في فضاءِ القلبِ، في ما لم يكنْهُ اللوزُ بَعْدُ وبدأتُ أخفقُ في فضائكْ..
وإليكَ تسري الخافقاتُ إلى فضاءاتِ الدعاء..
لا تبدأُ الطرقاتُ إلا من دروبكَ ثم لا تودي الرؤى إلاَّ إليكْ..
أودعتُ حبَّكَ في دمي مثلَ الطفولةِ فاستحلتُ مع المطرْ عشباً وزهراً كل عامْ،
وأنا عُبَيْدُكَ وانثيالُكَ والمدى الممتدُّ حتى منتهاي.
حريتي أنتَ.. القصيدةُ والرحيلُ إلى الولادة،
يا إمام الأنامِ، يا أهزوجةَ القلبِ المشاكسِ، يا اشتعالَ الروحِ في وقتِ الإرادة…
رتّبْتَ أزمنتي وأمكنتي وحدّدتَ التدفّقَ في الوريدِ،
وكتبتني ما شاءتِ الكلماتُ ناضجةً وأسدلْتَ الغيومَ على الأفقْ،
منكَ انطلاقي نحو مبتدأِ الزَّمنْ.. منكَ انطلاقي نحوَ خاتمةِ المحنْ.
