إقليميات

في ضرورة حماية الأمن الإقليمي في المغرب العربي

بقلم توفيق المديني

بِمَا يُمَكِّنُّ الْمُهْتَمِّينَ، وَالْبَاحِثِينَ، وَالرَّأْيِ الْعَامِّ، وَصُنَّاعِ الْقَرَارِ مِنَ الْإحَاطَةِ الشَّامِلَةِ بِأهَمِّيَّةِ صيانة الأمن الإقليمي للبلدان المغاربية، وَكَذَلِكَ فِي تَحْدِيدِ اسْتَراتِيجِيَاتِ التَّعَامُلِ مَعَهَ، بِمَا يُحَقِّقُ الدفاع عن مَصَالِحَ الدول الوطنية المغاربية، وكذلك الأمن القومي العربي، في ضوء الاختراق الصهيوني والإمبريالي الأمريكي – الفرنسي للمنطقة المغاربية.

لماذا كل هذه الضجة المفتعلة حول الاتفاقية الأمنية التونسية – الجزائرية؟

يكاد لا يمر يوم واحدٌ إلا وتتحدث أجهزة الإعلام الفرنسية، ومنابر بعض أطراف المعارضة التونسية التي تستقوي بالدول الغربية الفرنسية والأوروبية والأمريكية في عملية المناكفة السياسية بينها وبين الرئيس التونسي قيس سعيَّدْ، عن التعاون بين الجزائر وتونس في المجال الأمني والعسكري، باعتباره يمسًّ بالسيادة الوطنية لتونس. علماً أنَّ الجزائر تتعاون أمنياً وعسكرياً مع العديد من الدول في مجال التدريب وتبادل المعلومات ومحاربة الإرهاب وغيرها، فلماذا يراد أن يكون التعاون بين الجزائر وتونس عيبا وبدعة ومساساً بسيادة تونس؟.

لقد طغى ملف الاتفاق الأمني بين تونس والجزائر مجددا إلى واجهة الاهتمام السياسية والإعلامية، وكانت وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت، في بيان سابق بتاريخ 7 أكتوبر 2025، عن توقيع اتفاق حكومي مشترك للتعاون في مجال الدفاع خلال زيارة عمل قام بها وزير الدفاع التونسي إلى الجزائر، ووصفت الاتفاق آنذاك بأنه محطة مفصلية في مسار تعزيز العلاقات العسكرية الثنائية، دون أن تُنشر تفاصيل بنوده أو نطاقه التنفيذي.

ووفق تسريب مجموعة من الوثائق من مصادر جزائرية نٌشِرَتْ يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 2025، أشارت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية الصادرة في الأسبوع الأخير من شهر كانون الأول/ديسمبر 2025، إلى أنَّ هذه التسريبات أثارت قلقاً واسعاً في تونس، لاسيما مع إدراك التونسيين لطبيعة الالتزامات التي تفرضها الاتفاقيات من هذا النوع، والتي لا تُعرض على مجلس نواب الشعب وتُصنّف ضمن أسرار الدولة.

حسب صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، يرى منتقدون من المعارضة التونسية للرئيس قيس سعيَّدْ أنَّ الأمر “يُعيد إلى الأذهان شروط الحماية”، لا سيما أنَّ مضمون المادة السادسة من الاتفاق الأمني بين تونس والجزائر، يتضمن تفاصيل دقيقة يصعب اختلاقها؛ إذْ تَنُصُّ هذه المادة على حق القوات الجزائرية، التي تتدخل بطلب من النظام التونسي، في دخول الأراضي التونسية والتوغل لمسافة تصل إلى 50 كيلومتراً، مع إمكانية الوصول إلى المؤسسات عند الضرورة. كما تتحمل تونس كامل تكاليف هذه العمليات، بما في ذلك تعويض القوات المشاركة، وإيواؤها، وتغطية جميع النفقات اللوجستية بما فيها النقل. وفي حال عجزت تونس عن الدفع، يمكنها تقديم موارد طبيعية كتعويض.

كما أوضحت الصحيفة الفرنسية أن الاتفاق يفرض التزامات صارمة، حيث يُلزم تونس بإبلاغ الجزائر مسبقاً قبل إبرام أي اتفاق أمني أو عسكري مع دولة أخرى.

هذا الوضع الأمني، اعتبرت “لوفيغارو” أنه يستدعي رد فعلٍ من شركاء تونس، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي الذي تربطه بها مذكرة تفاهم منذ يوليو 2023 حول شراكة إستراتيجية وشاملة، وكذلك حلف شمال الأطلسي الذي تتمتع تونس داخله بصفة حليف رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية من خارج الحلف.

وذكّرت الصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية بمحاولة زعزعة استقرار تونس عبر العملية المسلحة التي شهدتها مدينة قفصة عام 1980، والتي أشرفت عليها المخابرات الليبية والمخابرات الجزائرية. وأيضاً حصل التوافق الإقليمي بين إيطاليا والجزائر وليبيا، بعزل الرئيس الحبيب بورقيبة عام 1987 لصالح زين العابدين بن علي، وهي خطوة ترى بعض الأطروحات أنها تمت برغبة من رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك بيتينو كراكسي، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، اللذين عارضا وقتها فرض تونس ضرائب على الجزء المار بأراضيها من أنبوب الغاز الجزائري-الإيطالي.

وأوضحت “لوفيغارو” أنَّ الأنظمة التونسية المتعاقبة نجحت، على مدى أعوام، في إبقاء التدخل الجزائري على مسافة، لكن الوضع اختلف مع قيس سعيّد الذي وصل إلى الحكم دون دعم دولي فعلي، وكان يبحث عن راعٍ سياسيٍّ. وهو الدور الذي أحسن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لعبه، بعدما فشل في ذلك كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تقول “لوفيغارو”.

لكن الرئيس قيس سعيد نفى على هامش لقائه رئيسة الوزراء سارة الزعفراني الزنزري، صحة الوثائق المتداولة، وقال إنَّ “الوثائق مفتعلة، ولا وجود لها إلا في الخيال المريض”، مشيراً إلى أنَّ مَن قاموا بفبركتها “ما زالوا يتخبطون في غيّهم”. كما أعاد تأكيد أنَّ “الدولة لا تُدار بالتدوينات، وهؤلاء مكشوفون ومفضوحون”.

تونس حليف مميز خارج (الناتو)

حين منحت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الثانية، تونس صفة حليف أساسي خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي شراكة تقول مصادر رسمية تونسية إنَّها ستعزز التعاون العسكري لمحاربة “الإرهاب”، نفت السلطات التونسية آنذاك، أنْ تكون لها تبعات خطيرة على سيادة البلاد وعلى مصلحة جيرانها، خصوصاً الجزائر.

وكان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أعلن أثناء زيارة الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي لواشنطن في عام 2015، إسناد تونس صفة حليف مميز خارج “الناتو”، وهو ما أثار مخاوف بعض المراقبين من حصول واشنطن في المقابل على قواعد عسكرية بتونس.

غير أنَّ هذا الأمر نفاه الناطق باسم الرئاسة التونسية السابق معز السيناوي، مؤكداً للجزيرة نت أنَّ “عقيدة المؤسسة العسكرية منذ الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لا تقبل بتواجد أي قوات عسكرية أجنبية على أراضيها، والحديث بخلاف ذلك أمر غير صحيح”.

ويقول السيناوي: إنَّ قبول تونس بصفة شريك أساسي خارج “الناتو” أمر تقتضيه الضرورة الأمنية في ظرف تواجه فيه قوات الجيش والأمن “هجمات مسلحة غادرة دون أن تكون لديها تجهيزات أمنية وعسكرية هامة قادرة على حمايتها من تلك الهجمات”.

فقد حصلت عدة بلدان عربية على هذه الصفة، منها: مصر والبحرين، والأردن، والكويت والمغرب. علماً بأنَّ العدد الإجمالي للبلدان المتمتعة بهذه الصفة 17 بلداً منها “إسرائيل”. وكان محللون جزائريون عَبَرُّوا عن تحفظاتهم من منح تونس تلك الصفة، بدعوى أنَّها “ستهدد الأمن القومي الجزائري، وأنَّ الولايات المتحدة تسعى من خلال ذلك لتطويق الجزائر بتشييد قواعد عسكرية لها في المغرب وتونس”. وهو حديث اعتبره السيناوي “غير صحيح”.

حقيقة الموقف الجزائري

أظهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استياءً من الجدل حول الاتفاق الأمني-العسكري مع تونس، الذي عدَّته المعارضة التونسية “مسعى جزائرياً للهيمنة على القرار السياسي والسيادة الوطنية التونسيين”؛ حيث أكّد تبون، في خطابه السنوي التقليدي أمام البرلمان المنعقد بغرفتيه في جلسة مشتركة، أن “الذين يعتقدون أنَّهم عندما يقطعون صلة تونس بالجزائر ستصبح فريسة سهلة، واهمون… إنهم لا يعرفون التونسيين جيدّاً”، مندِّدّاً بـ”محاولة زعزعة استقرار تونس، والإضرار بالأخوّة والصداقة الجزائرية-التونسية… إنهم يحاولون تقسيمنا وبثّ الفتنة بيننا”، مؤكِّداً أنَّ أمن الجزائر وتونس “مرتبط بعضه ببعض”.

كما شدَّد تبون على أنَّ الجيش الجزائري “لم يسبق أن دخل إلى التراب التونسي، ولن يدخله مطلقاً… لم نتدخل يوماً في شؤون تونس الداخلية، والجزائر تحترم القيادة التونسية”. غير أن تصريحات الرئيسين لم تنهيا الجدل الدائر حتى الآن؛ حيث لا تزال القيادات السياسية وبعض الشخصيات المعارضة تُطالب بنشر مضمون هذه الاتفاقية علناً لمعرفة ما تتضمنه. إن التعاون الأمني والعسكري بين الجزائر وتونس ليس جديداً، وهو تعاون علني، مشروع، ومتوازن، فرضته التحديات المشتركة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهو تعاون يحظى بإشادة دولية، ولم يكن يوماً موجهاً ضد سيادة أي من البلدين.

إنَّ الزعم بأنَّ تونس “تخلّت عن سيادتها” أو “تحولت إلى ولاية جزائرية” ليس فقط إهانة مرفوضة للدولة التونسية، بل يكشف العقلية الاستعلائية والعدائية التي تقف وراء هذا الخطاب، حيث أنَّ الجزائر، التي دفعت ملايين الشهداء ثمناً لاستقلالها، لا يمكن أن تقبل من حيث المبدأ أو الممارسة أن تمسّ بسيادة دولة شقيقة، وهي التي جعلت من مبدأ عدم التدخل عقيدة راسخة في سياستها الخارجية، بشهادة التاريخ والمواقف.

التحديات التي تواجه تونس والجزائر: الإرهاب والتهريب والهجرة

تملك الجزائر حدود بطول 7 آلاف كلم، 6 آلاف كلم منها حدود متوترة بسبب انهيارات أمنية في بلدان الجوار أدت لتنامي الوجود الإرهابي والأجنبي وارتفاع منسوب الجريمة المنظمة، تبقى فقط الحدود مع تونس مستقرة، ومن مصلحة الجزائر الإستراتيجية أن تكون تونس دولة قوية ومستقرة.

يبلغ طول الحدود البرية بين تونس والجزائر حوالي 965 كيلومتراً، تمتد من البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى نقطة التقاطع الثلاثي مع ليبيا جنوباً، وهي شريان اقتصادي وتجاري مهم للبلدين، وتعتبر حدود تونس مع الجزائر آمنة نسبيا مقارنة بحدودها مع ليبيا.

وفي السنوات الخمسة الأخيرة (2021-2025) أصبحت تونس منطقة عبور وحتى استقرار للهجرة غير الشرعية، وتعتبر حدودها مع الجزائر وليبيا مناطق لتدفق آلاف المهاجرين من دول افريقيا جنوب الصحراء. ومنذ عام 2022، كثفت الحكومة التونسية جهودها للسيطرة على تدفقات الهجرة، ونفذت حملات أمنية لاعتراض آلاف المهاجرين في البحر وتدمير مخيمات عشوائية لمهاجرين أفارقة. وشاهدنا مشادات حتى بين المواطنين التونسيين ومهاجرين أفارقة. وإذا كان الإتحاد الأوروبي يرغب في مساعدة دول الجنوب منها تونس لصد الهجرة غير الشرعية، فكيف لا تتعاون تونس مع جيرانها لنفس الغرض؟.

شهد حجم التبادل التجاري بين الجزائر وتونس ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة وصل إلى حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع هيمنة قطاع المحروقات على الصادرات الجزائرية. وقد ارتفعت المبادلات التجارية بنسبة 42 بالمئة منذ 2022، وهو مؤشر إيجابي جداً في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وتعد تونس الشريك التجاري الثاني للجزائر في القارة الإفريقية، وتعتمد صادرات الجزائر إلى تونس بشكل رئيسي على المحروقات (حوالي 63 بالمئة) والمنتجات الفلاحية، وتعمل البلدان على تعزيز التبادل التجاري وتنويع المنتجات.

خاتمة: تفكيك الدول الوطنية المغاربية

تقتضي المحافظة على بقاء  الدول الوطنية في منطقة المغرب العربي، أن تقيم تونس والجزائر تحالفاً استراتيجياً على جميع الصعد السياسية والاقتصادية و العسكرية والأمنية، لمواجهة هذا التأطير الاستعماري عن التدخل الأورو-الأمريكي – الصهيوني  في المنطقة  العربية بعد إسقاط نظام العقيد القذافي، و إقامة المغرب علاقات تطليع كاملة مع الكيان الصهيوني في عام 2020، إلى جانب الإمارات والبحرين والسودان، تحت رعاية الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب في ولايته الرئاسية الأولى،  وإسقاط الدولة الوطنية السورية في نهاية عام 2024، وهو الهدف الذي تعزز مع إعادة الهندسة الإقليمية الأمريكية – الصهيونية في الشرق الأوسط، وفي منطقة المغرب العربي، لبناء دول على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، وبعد أن وظفت الولايات المتحدة تيارات الإسلام السياسي المحافظة والحركات الجهادية  الإرهابية بشكل مكثف لتعزيز حضورها على حساب تيارات الوطنيين، والعلمانيين، وأنصار العقلانية، من أجل إسقاط الدول الوطنية العربية المناهضة للكيان الصهيوني، وسياسة الاستعمار الأمريكي الجديد في عهد ولاية ترامب الثانية.. فضلاً عن السعي الفرنسي الكولونيالي والصهيوني لإعادة تقسيم الجزائر إلى دولتين عربية وقبائلية(بربرية)، لا سيما في ظل المنحى التصعيدي للعلاقات الجزائرية – الفرنسية، بسبب النشاط اللافت للانفصاليين في منطقة القبائل، حيث أعلنت “حركة الحكم الذاتي في القبائل” النشطة بفرنسا، “استقلال القبائل” يوم الأحد 14 ديسمبر /كانون الأول 2025، الذي قُوبِلَ، كما كان متوقعاً، بردِّ فعلٍ عنيفٍ من الدولة الوطنية الجزائرية وأجهزتها الإعلامية.

إنَّ مفتاح الحديث عن دور إقليمي أكثر فاعلية للدول المغاربية، يبدأ بتدعيم الأمن الإقليمي المغاربي، وإقامة شراكة اقتصادية وسياسية استراتيجية فيما بين الدول المغاربية لمواجهة تحدِّياتِ التنميةِ، والإرهابِ، والجريمةِ المنظمةِ، والهجرةِ غير الشرعيةِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *