عالم يُدار بالقوة.. الهيمنة الأمريكية وصراع الموارد في مواجهة محور المقاومة
بقلم زينب عدنان زراقط
في عالمٍ تُدار فيه الحروب من خلف الشاشات، ويُسوَّق فيه الخراب على أنه استقرار، خرج دونالد ترامب ذات يوم ليعرّف نفسه بوصفه “رجل السلام”. عبارة لا يمكن قراءتها إلا بوصفها ذروة الوقاحة السياسية، أو التعبير الأكثر فجاجة عن الاستخفاف بعقول الشعوب.
فالرجل الذي بارك الحصار الاقتصادي حتى التجويع، وشرعن سرقة نفط الشرق الأوسط علناً، واعترف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، واغتال قادة دول ذات سيادة، لم يكن نشازاً في السياسة الأمريكية، بل كان صورتها الصافية بلا مساحيق ولا أقنعة.
ما نعيشه اليوم ليس انحرافاً طارئاً في النظام الدولي، بل لحظة انكشاف كامل. لقد سقط القناع الذي حاولت الولايات المتحدة لعقود أن تختبئ خلفه: قناع الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ونشر السلام. وتبيّن أن العالم لا يُدار بالقيم، بل بالقوة، ولا تُرسم حدوده بالقانون الدولي، بل بخرائط النفط والغاز والمعادن والممرات البحرية.
لم تعد الصراعات الجارية مجرّد حروب إقليمية بين دول صغيرة أو كيانات متناحرة، بل تحوّلت إلى فصول مترابطة من حرب عالمية غير مُعلنة على الموارد والسيادة. من فنزويلا إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان، ومن غزة إلى اليمن، يتكرّر النموذج ذاته: دولة تمتلك ثروة أو موقعاً استراتيجياً، ترفض الخضوع، فتُحاصَر، تُشيطَن، ثم تُستنزَف أو تُدمَّر.
في المقابل، يتبلور محور المقاومة لا كتحالف عابر، بل كحالة تاريخية مضادّة، نشأت دفاعاً عن السيادة، ورفضاً لمنطق الإملاء، وسعياً لكسر احتكار القوة والثروة.
فهل “رجل السلام” المزعوم لم يكن سوى واجهة لسياسة تقوم على الحصار والنهب والفوضى؟ هل علت القوّة فوق القانون الدولي وشرعنة اغتصاب موارد الدول وأعادتنا إلى شريعة الغاب وقطّاعي الطُرق؟!.. أين تقف شعوب المنطقة بين مشروع الهيمنة ومشروع المقاومة؟.
الهيمنة الأمريكية: عقيدة القوة لا الشراكة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تُخفِ الولايات المتحدة جوهر سياستها الخارجية: العالم مجال نفوذ، وليس ساحة شراكة. من “ترومان” إلى “عقلية بوش”، ومن الحرب الباردة إلى ما بعدها، ظل منطق القوة هو الحاكم الفعلي للعلاقات الدولية.
هذا المنطق تُرجِم عملياً إلى شبكة قواعد عسكرية تتجاوز الـ 800 قاعدة حول العالم تمتد من الخليج إلى شرق آسيا، وسيطرت على المؤسسات المالية الدولية، وأسواق الطاقة وحوّلت القانون الدولي إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم وتُعلَّق عند الحلفاء. إن واشنطن لا تقبل بعالم متعدد الأقطاب، لأنها تدرك أن التعددية تعني نهاية الامتياز، ونهاية النهب المنظّم. النفط والغاز والمعادن النادرة ليست مجرد موارد اقتصادية، بل أدوات سيطرة استراتيجية. الطاقة أصبحت قلب الصراع العالمي الحقيقي. من يسيطر عليها يتحكم بالصناعة، وبسلاسل التوريد، وبقرار الدول الصاعدة والنامية على حد سواء.
ولهذا، لم تكن الحروب الأمريكية يوماً منفصلة عن خرائط الطاقة. يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: “السياسة الخارجية الأمريكية عقلانية جداً… لكنها عقلانية تخدم مصالح الشركات الكبرى ولو على حساب الشعوب”. هذه العقلانية تفسّر لماذا تتحوّل الدول الغنية بالموارد إلى ساحات دمار، بينما تُترك الدول الفقيرة خارج دائرة الاهتمام.
فنزويلا: حين تصبح الثروة جريمة
لنبدأ بآخر البلطجيات الأمريكية، إلى ما جرى في فنزويلا الذي شكّل صدمة سياسية وعسكرية، ليس فقط لحجم الحدث، بل لسرعته وطريقته. العملية التي شنتها الولايات المتحدة، جرت دون اجتياح عسكري تقليدي، ودون اشتباكات أو ردود فعل شعبية واسعة، ما يشير إلى أنها لم تكن عملية احتلال، بل عملية أمنية مركبة استخدمت فيها وسائل تفوق تقليدية.
هذا النوع من العمليات يعكس منطقاً جديداً في إدارة الصراعات، قائماً على الضربات الجراحية واختطاف القيادات بدل الاحتلال، وعلى الفوضى بدل الحكم المباشر. في هذا السياق، لا يُنظر إلى فنزويلا كحالة استثنائية، بل كنموذج قابل للتكرار حيثما توفرت الظروف!؟. فنزويلا لم تُستهدَف لأنها فشلت فقط، بل لأنها امتلكت الجرأة لتأميم نفطها والخروج عن بيت الطاعة الأمريكي. فُرضت عليها عقوبات خانقة، جرى تجويع شعبها، وتخريب اقتصادها، ومحاولة إسقاط نظامها سياسياً. وهذه القاعدة تنطبق على معظم دول الاستهداف الأمريكي. الرئيس الراحل هوغو تشافيز لخّص المأساة بجملة واحدة: “مشكلتنا ليست أننا فقراء، بل أننا نملك النفط”.
غير أن هذا النموذج يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح من المشروع لدولة أن تختطف رئيس دولة أخرى بذريعة الاتهامات الجنائية؟ وإذا كان الجواب مرتبطاً فقط بميزان القوة، فإن النظام الدولي يكون قد انتقل عملياً إلى منطق “شريعة الغاب”.
الشرق الأوسط: الاحتلال باسم التحرير
سابقاً، في العراق، شُنّت حرب بذريعة أسلحة دمار شامل لم تُوجَد، فدُمّرت الدولة، وحُلّ الجيش، وأُعيد تشكيل الاقتصاد بما يخدم شركات النفط العابرة للقارات. وعلى الرغم من الانسحابات الشكلية، لا يزال القرار السيادي منقوصاً، ولا يزال قطاع الطاقة مرتهناً للتأثير الخارجي. أما أفغانستان، فكانت ساحة صراع على تخوم آسيا الوسطى وممرات الطاقة، وانتهت بعد عشرين عاماً ببلد مدمّر، دون أن تحقق واشنطن سوى الخراب والفوضى.
بينما الآن في سوريا، بلغ المشهد ذروة الوقاحة السياسية. التواجد العسكري الأمريكي في الشرق لم يعد يحتاج إلى تبرير: النفط يُنهب علناً، والدولة تُحرَم من مواردها، والعقوبات تُستخدم كسلاح تجويع جماعي. إن تقسيم سوريا ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإضعاف الدولة ومنعها من استعادة قرارها الوطني. كذلك الحال في غزة، لا يقتصر الحصار على السياسة والأمن، بل يمتد إلى غاز البحر المتوسط، حيث تُحرَم فلسطين من حقها الطبيعي في مواردها، لصالح كيان الاحتلال.
بينما في لبنان الوضعُ مُغاير، الذي حاولوا كسر “شوكته” فعجزوا”. وقد تبيّن أن معادلة الردع التي فرضها محور المقاومة منعت حتى الآن سرقة الغاز اللبناني، وكسرت إحدى أدوات الهيمنة الأساسية. بيد أنه أي اجتياح واسع لا يخدم الاستراتيجية الأمريكية، في ظل وجود سلاح مقاومة يشكل عنصر ردع، وتحول الخطاب الأمريكي من نزع السلاح إلى “احتواء السلاح”.
فعلى الرغم من التصعيد اليومي، لا تظهر جدوى استراتيجية لحرب شاملة على لبنان، خصوصاً في ظل انشغال إسرائيل بملفات الضفة الغربية، ووادي الأردن، وجنوب سوريا. واللافت أن ملف لبنان غاب تقريباً عن الخطابات السياسية الأمريكية – الإسرائيلية الأخيرة، ما يعكس ترتيباً مختلفاً للأولويات.
وبذلك أصبح لبنان – ساحة مُغايرة – يخضع لحسابات أمريكية أكثر منه إسرائيلية. بناء أكبر سفارة أمريكية في الشرق الأوسط ليس تفصيلاً إدارياً، بل استثمار سياسي طويل الأمد. الضغوط الاقتصادية، والحصار غير المعلن، واستهداف المقاومة، كلها أدوات لإخضاع لبنان وربطه بمعادلات الطاقة والحدود مع أطماع الغاز البحري التي تخدم واشنطن وكيان الاحتلال.
أما اليمن، فقصته أعمق من حرب داخلية أو أزمة إنسانية. اليمن يُستهدَف لأنه يقف على باب المندب، أحد أخطر شرايين التجارة العالمية، ولأنه يملك ثروات نفطية ومعدنية غير مستثمرة. المطلوب كان كسر الدولة، وإنهاك المجتمع، ومنع قيام سلطة مستقلة تمسك بقرار هذا الموقع الحاسم. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدفع الغربي –الإسرائيلي نحو الاعتراف بما يُسمّى “الصومال الجنوبي” أو “أرض الصومال” كدولة مستقلة. الاعتراف الإسرائيلي المبكر بهذا الكيان، المطل مباشرة على البحر الأحمر، ليس خطوة دبلوماسية بريئة، بل محاولة استراتيجية لتطويق باب المندب من الضفة المقابلة، والضغط على اليمن، وربط أمن البحر الأحمر بالمنظومة الصهيونية. إنه السيناريو ذاته: كيانات وظيفية، انتشار عسكري غير مباشر، وتحكم بالممرات البحرية. لكن اليمن، على الرغم من الحصار والحرب، تحوّل إلى فاعل إقليمي مؤثر، مثبتاً أن الجغرافيا حين تمتلك قرارها، تتحول من نقطة ضعف إلى عنصر قوة.
محور المقاومة: كسر احتكار القوة
في مواجهة هذا المشروع، لم يكن ظهور محور المقاومة صدفة، بل ضرورة تاريخية. من إيران إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن وفلسطين، نشأ هذا المحور كحالة دفاعية واعية في وجه مشروع الهيمنة. الشهيد الأسمى، “السيد حسن نصر الله” لخّص جوهر المعركة بقوله: “المعركة ليست على حدود، بل على هوية المنطقة وثرواتها وقرارها”. لقد نجح هذا المحور في كسر أسطورة التفوق المطلق، وفرض معادلات ردع، وتحويل الموارد والموقع من أدوات ابتزاز إلى أوراق قوة.
الهيمنة الأمريكية لم تعد مطلقة، ومحاولات إخضاع الشعوب تصطدم بمقاومة متصاعدة. قد تمتلك واشنطن القوة العسكرية، لكنها فقدت الشرعية الأخلاقية، وفقدت القدرة على فرض روايتها دون تحدٍّ. إن معركة الموارد هي معركة السيادة، ومعركة السيادة هي معركة الوعي. ومحور المقاومة، بكل ما قدّمه من تضحيات، لا يخوض حرباً عن دول بعينها، بل عن حق الشعوب في ثرواتها، وحقها في تقرير مصيرها.
ختاماً، العالم يقف أمام مرحلة مفصلية، تتسم بتراجع منطق القواعد الدولية وصعود منطق القوة. الجنون السياسي والاستراتيجي، سواء في واشنطن أو تل أبيب، يجعل قراءة المستقبل مهمة شديدة الصعوبة. فيما هذا الاندفاع الأمريكي، داخلياً وخارجياً، يثير مقارنات تاريخية مع نماذج توسعية سابقة. من فنزويلا إلى التهديد بالسيطرة على غرينلاند والقطب الشمالي، يلوح خطر توسيع رقعة الصراع إلى مناطق تشكل شرايين الملاحة العالمية.
غير أن المؤكد هو أن استمرار هذا النهج، إذا لم يُكبح خلال الأشهر المقبلة، قد يؤدي إلى انقلاب شامل في موازين القوى، وربما يفتح الباب أمام صراعات عالمية أوسع، تتجاوز الشرق الأوسط إلى النظام الدولي بأسره.
وفي ظل هذا المشهد المفتوح على احتمالات متعددة، تتجه الأنظار إلى شهر آذار مع انتظار نتائج محاكمة مادورو، التي ستحدد ما إذا كان سيجري تبرئته من تهمة الاتجار بالمخدرات – التي اختلقها ترامب – أو تثبيت هذه التهمة عليه – من خلال الضغط على القاضي والمحكمة الأمريكية -، وما قد يترتب على ذلك من إعادة رسم للمسار السياسي والأمني في فنزويلا. وفي موازاة ذلك، يبرز عامل ردّة فعل الصين، التي كانت تعتمد بنسبة تقارب 80% على النفط الفنزويلي، ما يجعل أي قرار قضائي أو تحول سياسي لاحق عنصراً مؤثراً في حسابات بكين الاستراتيجية للطاقة، وفي كيفية مقاربتها لتوسع النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية.
فهل ستولّد هذه الأحداث تحالفات جديدة بين القوى الكبرى، قد تقلب الطاولة على ترامب وتعيد ترتيب الأولويات في المنطقة وتدفع بالدول نحو التحرر من هيمنة الدولار؟ أم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من سينجح بفرض سياسة “القوي يأكل الضعيف” وتضرب بعرض الحائط كُل ما يُسمى بقوانين وأنظمة وحقوق ومنظمات دولية ومجلس أمن وما يصدر عنها من تنديدات لا فعل لها؟!!.
