دوليات

خطف الرئيس الفنزويلي.. البلطجة الأمريكية في أوضح صورها

بقلم ابتسام الشامي

على مدى أشهر هيّأ الرئيس الأمريكي المسرح الدولي لعمل عدائي ضد فنزويلا: حشود عسكرية أمريكية ضخمة قبالة شواطئها، مكافأة مالية كبيرة لمن يقدم معلومات عن الرئيس نيكولاس مادورو تساعد في “إلقاء القبض عليه” بتهمة تزعم كارتيل للاتجار بالمخدرات، ومن ثم سلسلة ضربات طالت قوارب صيد في البحر الكاريبي بزعم محاربة تجّار المخدرات. كل المؤشرات كانت توحي بعدوان أمريكي وشيك، وهو ما تعاملت معه القوات المسلحة الفنزويلية بجدية عالية، رافقها استيعاب المتطوعين من أبناء الشعب وتأهيلهم للدفاع عن البلاد أمام الهجوم الأمريكي المتوقع. وفي حين التقت معظم التقديرات على توقع هجوم جوي يستهدف بنية النظام وتعطيل قدرته على اي مواجهة قبل بداية غزو القوات الأمريكية المحتشدة في عرض البحر، صحا العالم فجر الثالث من الجاري على زلزال سياسي قوي، مع الاعلان عن قيام قوة أمريكية خاصة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، واقتيادهما مخفورين إلى الولايات المتحدة الأمريكية تمهيدا “لمحاكمتهما” بتهمة الاتجار بالمخدرات.

البلطجة الأمريكية التي ضربت بعرض الحائط النظام الدولي القائم ومؤسساته المختلفة، ليست سوى محطة جديدة في سياق طويل من التدخلات الأمريكية في دول أمريكا الجنوبية. فخلال قرن من الزمن، تنوعت تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية وتعددت أشكالها وكذلك ذرائعها ومبرراتها وتراوحت بين التدخلات العسكرية كما في هايتي ونيكارغوا، وتنفيذ انقلابات عسكرية في غواتيمالا وكوبا، ودعم الأنظمة العسكرية  والعمليات السرية كما في تشيلي  والأرجنتين والأورغواي والبرازيل، قبل أن تنتقل واشنطن مع الألفية الجديدة إلى استراتيجية الحرب الناعمة من خلال سياسة العقوبات الاقتصادية لإخضاع الدول ومعاقبتها على خياراتها السياسية اليسارية، وهو ما اعتمدته ضد البرازيل وكولومبيا وهندوراس، لتعود مع دونالد ترامب إلى سالف عهدها في الحرب الخشنة ضد انظمة دول أمريكا اللاتينية حيث مثلت عملية خطف مادورو عودة صاخبة لتلك الحرب.

خطف مادورو بداية مسار

في استراتيجيته للأمن القومي الأمريكي، تعهد الرئيس الأمريكي تعديل الحضور العسكري العالمي الأمريكي “للتعامل مع التهديدات العاجلة لجزئنا من الكرة الأرضية والابتعاد عن الميادين التي تراجعت أهميتها النسبية للأمن القومي الأمريكي خلال السنوات أو العقود الأخيرة”، ودعت الوثيقة المعلن عنها مطلع الشهر الماضي، إلى “استعادة التفوق الأمريكي” في أمريكا اللاتينية. ومع هذا النص الصريح، يمكن القول إن اختطاف الرئيس الفنزويلي بداية لمسار جديد من التدخلات الأمريكية في دول أمريكا الجنوبية، وهو ما عكسته ردود فعل قادتها ورؤساء دولها في التعليق على زلزال الاختطاف. وفي هذا السياق، أعربت دول في مجلس الكاريبي عن “قلق جدي” إزاء التدخل العسكري الأمريكي وحذرت من أنه قد يؤثر في استقرار المنطقة بأسرها. ووصف رؤساء كوبا والمكسيك وتشيلي وبوليفيا وكولومبيا العملية بأنها انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة والسيادة الوطنية، داعين إلى احترام القانون الدولي.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو كان أكثر تعبيراً عن تداعيات ما قامت به واشنطن في كراكاس على جيرانها، اذ وصف اختطاف مادورو بأنه “هجوم على سيادة أمريكا اللاتينية”. وهو وصف وافقه الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى في العملية “تذكيراً بأبشع أشكال التدخل” في تاريخ القارة وقال إن “اعتقال مادورو سابقة خطيرة قد تؤسس لمشهد مختلف في أمريكا اللاتينية.. وهو تجاوز لأبعد خط يمكن أن تتخطاه أي جهة، وأنه خطر كبير على سلم المنطقة.

وفي تشيلي، أدان الرئيس غابرييل بوريتش الضربات الأمريكية، ودعا إلى حل سلمي للأزمة الفنزويلية، مع تأكيد احترام السيادة الوطنية.

القراءات الإعلامية للحدث

التحذيرات من تداعيات البلطجة الأمريكية في فنزويلا انسحبت أيضاً على الإعلام، الذي رأى في ما جرى مخاطر على باقي دول أمريكا اللاتينية، وفي هذا الإطار، قالت صحيفة إل كوميرسيو البيروفية: “لا يشعر أحد بالأمان إذا رأت دولة كبرى أنها مخولة بشن عملية عسكرية ضد دولة أصغر”.

وفي سياق متصل قالت إل إسبكتادور الكولومبية “أمريكا اللاتينية تسمع أصداء ماضٍ مؤلم”. في ما اعتبرت فولها دي ساو باولو البرازيلية أن ترامب أظهر “ازدراء للنظام القانوني الدولي”. وقالت إل كلارين الأرجنتينية إن “ما حدث هو تجسيد لمبدأ ترامب في العمل”.

وإذا كان الإعلام في دول أمريكا اللاتينية قد حذر من أن اختطاف مادورو مؤشر على تدخلات أمريكية أوسع، فإن الإعلام الغربي انقسم بين تسويغ الاعتداء وتظهيره بوصفه عملية ضرورية من أجل السلام، وتظهير تأثيره في صورة أمريكا وسمعتها في ضرب النظام الدولي.

وفي هذا الإطار جاءت افتتاحية صحيفة واشنطن بوست في اليوم التالي لعملية الخطف تحت عنوان “العدالة في فنزويلا.. التحدي التالي هو تهيئة البلاد لنجاح طويل الأمد”، وقالت الصحيفة، “إن ملايين الأشخاص حول العالم، وفي فنزويلا على وجه الخصوص، يحتفلون بسقوط الديكتاتور”. ورأت الصحيفة أن إقدام ترامب على اعتقال مادورو يعد أحد أكثر قرارات الرؤساء الأمريكيين جرأة منذ سنوات، واعتبرت العملية نجاحاً تكتيكياً لا جدال فيه.

وإذ أشادت الصحيفة بالقدرات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية ووصفتها بأنها “لا مثيل لها”، قالت إن “الهجوم يُعد نصراً كبيراً للمصالح الأمريكية”، مشيرة إلى أن العملية سبقها بساعات اجتماع ودي بين مادورو ومسؤولين صينيين داعمين، وكان مدعوماً من روسيا وكوبا وإيران.

وبخلاف واشنطن بوست، جاءت افتتاحية نيويورك تايمز محملة بالكثير من الانتقاد لعملية الاختطاف ومخاطرها، وتحت عنوان “هجوم ترامب على فنزويلا غير قانوني وغير حكيم” كتبت هيئة التحرير في الصحيفة الأمريكية محذرة من عواقب عودة الولايات المتحدة إلى المنطق العسكري والحسم بالقوة في معالجة الملفات الخارجية. وأضافت “إذا كان هناك درس شامل من السياسة الخارجية الأمريكية خلال القرن الماضي، فهو أن محاولة الإطاحة حتى بأكثر الأنظمة بؤساً قد تجعل الأمور أسوأ، فقد أمضت الولايات المتحدة 20 عاماً ولم تنجح في إنشاء حكومة مستقرة في أفغانستان، واستبدلت ديكتاتورية في ليبيا بدولة ممزقة. ولا تزال العواقب المأساوية لحرب العراق عام 2003 تطارد أمريكا والشرق الأوسط”. مذكرة بأن الولايات المتحدة زعزعت استقرار دول في أمريكا اللاتينية – بما في ذلك تشيلي وكوبا وغواتيمالا ونيكاراغوا – عبر محاولات إسقاط حكومات بالقوة. ورأت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يقدم تفسيراً متماسكاً لخطوته في فنزويلا، وقالت إنه يدفع البلاد نحو أزمة دولية من دون أسباب وجيهة. وإذ سخِرَت نيويورك تايمز من مبررات ما وصفتها بـ “مغامرات الإدارة العسكرية”، والتي تركزت على تدمير “إرهابيي المخدرات”، قالت إن التفسير الأكثر ترجيحاً للهجمات على فنزويلا موجود في “إستراتيجية الأمن القومي” التي نشرها ترامب مؤخراً، والتي زعمت حق الهيمنة على أمريكا اللاتينية.

وخلصت نيويورك تايمز إلى أن فنزويلا أصبحت أول دولة تخضع لهذا الشكل المستجد من الإمبريالية، منوهة بأنه نهج خطير وغير قانوني لمكانة أمريكا في العالم.

صحيفة “الغارديان” بدورها سلطت الضوء على البعد القانوني للتدخل، مشيرة إلى توقع خبراء القانون الدولي أن تلجأ واشنطن لتبرير خطواتها بذريعة “الدفاع عن النفس”، مع استبعاد تعرضها لمساءلة فعلية على الساحة الدولية. وأجمع الخبراء، بحسب الصحيفة، على أن التدخل الأمريكي ينتهك ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، محذرين من أن غياب أي محاسبة، بفعل امتلاك واشنطن حق النقض، قد يفتح الباب أمام دول أخرى لتكرار النهج نفسه

وفي مقال لمحلل الشؤون الخارجية في الصحيفة البريطانية، حذر سيمون تيسدال، من أن ما جرى لا يمثل حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في نهج تصعيدي يهدد الاستقرار العالمي ويقوض النظام الدولي.

وقال إن “الانقلاب الذي قادته الولايات المتحدة في فنزويلا” وأدى إلى الإطاحة بالرئيس مادورو، أثار قلقاً إقليمياً وعالمياً واسعاً، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على النظام الدولي والاستقرار في أمريكا اللاتينية. ووصف الكاتب هذا التحرك بأنه غير قانوني وغير مبرر، ويعكس نهجاً يقوم على الفوضى بوصفها سياسة معتمدة في عهد ترامب. مشيراً إلى أن الهجوم على فنزويلا جاء في سياق تصعيد أوسع، تزامن مع تهديدات أمريكية بضرب إيران، وبعد أشهر من الضغوط العسكرية والاقتصادية على كاراكاس. ورأى أن سعي واشنطن لفرض منطقة نفوذ مطلقة في النصف الغربي من الكرة الأرضية أثار موجة من الذعر لدى قادة أمريكا اللاتينية، الذين باتوا يخشون من تحول دولهم إلى أهداف تالية في أجندة البيت الأبيض، خصوصاً مع وجود شخصيات – مثل وزير الخارجية ماركو روبيو – تقود الدبلوماسية الأمريكية برؤية تصادمية تجاه بعض الدول مثل كوبا وبنما.

خاتمة

من صانع السلام إلى خاطف الرؤساء كشفت عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الصورة الحقيقية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن خلفه أمريكا، الدولة التي يترأسها بوصفه كاوبوي جديد مجهر بتزعمه مافيا تهدف إلى السطو على سيادة الشعوب وسرقة ثرواتها.

هوامش:

العربي الجديد، اختطاف مادورو: 100 عام من تدخل واشنطن في أمريكا اللاتينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *