إعرف عدوك

دراسة تكشف.. عندما يزداد القلق.. هل نختار بشكل صحيح؟

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

ما العلاقة بين مشاعر القلق الناتجة عن تصاعد الأصوات الداعية إلى معركة جديدة ضد إيران، من جهة، وبين الثقة السياسية (الداخلية) والشرعية العامة من جهة أخرى؟ الثقة السياسية، التي تُعرف في الأدبيات البحثية بأنها ثقة المواطنين في نزاهة وكفاءة وشرعية مؤسسات الدولة، ضرورية للديمقراطية، إذ تولّد دعماً ومساندة لهذه المؤسسات.

أما القلق، فهو آلية نفسية تنشأ في مواجهة تهديد وجودي أو أمني ملموس، مثل هجوم صاروخي أو إرهاب. وهذه الآلية تهزّ شعور الفرد بالسيطرة وتدفعه إلى تبني مواقف عسكرية متشددة في محاولة لاستعادة شعوره بالأمان. وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من القلق الناتج عن الحرب والإرهاب يميلون بشكل أكبر إلى تبني سياسات متشددة وعسكرية.

في المقابل، تُعد الثقة في قدرة أجهزة الأمن والدولة على التصدي للتهديدات قوة كابحة تقلل من مستوى القلق، ومن الميول العسكرية المتشددة التي تنشأ عنه.

إلى جانب الخطاب الأمني الذي يدعو إلى خطوات جريئة ضد إيران، نشهد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) التي تتيح تصوراً بصرياً لسيناريوهات تهديد، مثل الفيديو الذي يصوّر رئيس الوزراء وترامب في طريقهما لتنفيذ هجوم على إيران. من الناحية النفسية، تعمل هذه التقنيات كـ «مقدمة» للوعي: فهي تُحوّل احتمالاً استراتيجياً إلى واقع بصري ملموس، ما يقرب الشعور بالخطر.

مثل هذا الاستخدام للعرض القوي يثير تساؤلات لدى الجمهور حول ما إذا كان تشديد النبرة استجابة مباشرة للتهديد الإيراني، أم استراتيجية لإدارة الرأي العام في واقع سياسي معقد. ومن منظور بحثي، السؤال لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يتصل بالسلوك: كيف يُشكل تصور واقعي كهذا للصراع مستويات القلق ومتطلبات اتخاذ إجراءات.

في هذا السياق، من المهم التأكيد على أن الثقة السياسية يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة وتفتح المجال للتهدئة عندما يدفع القلق إلى رد فعل عسكري. فكلما شعرت بالأمان، أصبح بإمكانك الاختيار بالتحفظ؛ أو بكلمات أخرى: من يثق، لا يهدّد.

في إطار سلسلة من الدراسات حول التداعيات السياسية للإرهاب والحرب، أُجريت دراسة جديدة بعد أيام قليلة من عملية «الأسد الصاعد». وقد مثلت هذه الحرب انتقالاً من حرب الظل إلى مواجهة مباشرة، شعر بها المواطنون ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً كواقع أثّر على حياتهم اليومية وإحساسهم بالأمان.

في الاستطلاع الذي أجريناه على عينة ممثلة من 500 مشارك من الجمهور اليهودي، تم فحص العوامل التي تحدد مستوى الدعم للسياسة الحكومية تجاه إيران. وأظهرت النتائج أن مستويات القلق المرتفعة ترتبط بشكل واضح بالدعم لسياسة متشددة: فالأفراد الذين أبلغوا عن ضيق نفسي وقلق كانوا يميلون إلى تأييد الضربات الجوية، والقيادات السياسية والعسكرية، والسياسة السيبرانية الهجومية ضد البنى التحتية الإيرانية. من ناحية أخرى، غيّرت الثقة السياسية الصورة: بين المواطنين الذين أبدوا ثقتهم بصنّاع القرار، عزّزت مواجهتهم لأحداث القتال دعمهم للإجراءات الدبلوماسية، مثل التفاوض والمساعي السياسية.

بمعنى آخر، عندما يثق الجمهور بقيادته، يقل اعتماده على القوة ليشعر بالأمان. تمنح الثقة القيادة «مساحة تنفس» دبلوماسية وفتوحاً أمام الحلول غير العسكرية، حتى في مواجهة العدو الإيراني.

وتؤكد بيانات الدراسة حول حرب «الأسد الصاعد» أن القلق ليس ظاهرة محايدة؛ فهو يدفع نحو دعم استخدام القوة العسكرية في مواجهة هجمات العدو، بدلاً من اللجوء إلى أدوات أخرى كالدبلوماسية، ويجعل ضبط النفس أكثر صعوبة.

لذلك، فإن السؤال الحاسم لا يقتصر على كيفية تصرف الدولة تجاه تهديد خارجي، بل يشمل أيضاً كيفية حفاظ الجمهور على القدرة على التقدير العقلاني في واقع يُولّد فيه الخطاب الأمني نفسه شعوراً بالخوف.

وليس من قبيل الصدفة أن يعمل العاملان – الثقة السياسية والقلق – جنباً إلى جنب. فالثقة السياسية ليست عمياء، بل تتيح المطالبة بالتعامل مع التعقيد حتى في أوقات التهديد، ورفض السماح للخوف بإدارة النقاش العام. وعندما يشتد الاستقطاب وتغيب الحدود بين التحذير والمصلحة، تقع المسؤولية أيضاً على عاتق الجمهور. السؤال إذاً لا يقتصر على ما ستفعله إيران، بل على ما سنفعله نحن بخوفنا. فالقلق آلية للبقاء، لكنه أيضاً وقود خطابي؛ ومن لا يميز بين التحذير وتشتيت الانتباه قد يجد نفسه داعماً لهجوم لمجرد خوفه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *