وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة.. الدلالات بالنسبة لإسرائيل
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
نشرَت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» (National Security Strategy)، التي تشكّل بمثابة بوصلة إرشادية لبقية مؤسسات الإدارة الأمريكية، وللساحة الدولية عموماً، بشأن الرؤية الفكرية والأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وتعكس الوثيقة الحالية عملياً سياسة ترامب ونهجه منذ عودته إلى ولاية ثانية في البيت الأبيض. ويتصدرها إبراز مبدأ “أمريكا أولاً”، مع التشديد على المصالح الأمريكية الخاصة، والتحفظ إزاء الانخراط في عمليات عسكرية طويلة الأمد، وتعزيز القوة والتفوق الاقتصاديين للولايات المتحدة، واحترام سيادة الدول.
وتسلّط الوثيقة الضوء على الطموح إلى ترسيخ الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية، مع تركيز خاص على الصراع حول سلاسل توريد المعادن الحيوية؛ وتقاسم الأعباء وزيادة الاستثمارات الدفاعية من جانب حلفاء الولايات المتحدة؛ والتركيز على نصف الكرة الغربي، أي دول أمريكا اللاتينية، في ضوء الحاجة إلى مواجهة الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات؛ وإبراز المنافسة الاقتصادية مع الصين، وضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وضمان استقلال تايوان؛ واعتماد مقاربة نقدية تجاه أوروبا التي تواجه خطر «المحو الحضاري»؛ إلى جانب التأكيد على ضرورة إنهاء الحرب في أوكرانيا واستعادة الاستقرار في العلاقات مع روسيا.
تقليص الانخراط في الشرق الأوسط؟
فيما يتصل بالشرق الأوسط، يبرز بوضوح توجّه الإدارة الأمريكية نحو تقليص مستوى انخراطها في المنطقة، إذ «انقضت الأيام التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على تخطيط السياسة الخارجية الأمريكية بعيدة المدى وعلى الإدارة اليومية لشؤونها». ويستند ذلك إلى ما يورده التقرير من أن الشرق الأوسط لم يعد يشكّل بؤرة مركزية للتهديدات الحقيقية أو لصراعات القوى على الساحة العالمية، وأن الملف النووي الإيراني قد جرى التعامل معه، كما تراجعت الأهمية المركزية لدول الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة بوصفها مورّداً رئيسياً للطاقة. وبناءً عليه، تؤكد الوثيقة السعي إلى توسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل دولاً إضافية في المنطقة والعالم الإسلامي، والرغبة في دفع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والطاقوي. وتعكس هذه الرؤية العبارة الواردة في ختام الفصل الخاص بالشرق الأوسط، والتي تفيد بأن «قدرة الرئيس ترامب على توحيد العالم العربي في شرم الشيخ في مسار يسعى إلى السلام والتطبيع ستُمكّن الولايات المتحدة من إعطاء الأولوية لمصالحها الأمريكية».
وتتجلّى مقاربة الإدارة التي تفضّل المصالح الأمريكية على تعزيز القيم الليبرالية، خلافاً لنهج إدارات سابقة، في التأكيد على أن «مفتاح العلاقات الناجحة يكمن في تقبّل دول وقادة المنطقة كما هم، مع تعزيز التعاون على أساس المصالح المشتركة». وقد تجسدت هذه السياسة عملياً في تعميق العلاقات الثنائية مع دول الخليج، كما عكسه اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر، وفي الارتقاء بمستوى التعاونين الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة من جهة، والسعودية وقطر من جهة أخرى، إلى جانب توقيع اتفاقيات دفاع مع الدولتين.
وتشير الدلالات الواردة في الوثيقة إلى أن الهدف المركزي لإدارة ترامب يتمثل في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وضمان ألا يتحول الشرق الأوسط إلى حاضنة لنشاطات إرهابية تستهدف المصالح والأهداف الأمريكية، بالتوازي مع حماية خطوط الملاحة البحرية، ولا سيما في مضيق هرمز والبحر الأحمر. ويتم ذلك مع تجنّب الانخراط العسكري الواسع والمطوّل، والاعتماد ضمناً على شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل ودول الخليج. وفي هذا السياق، تبرز توقعات بأن تشارك الدول الشريكة للولايات المتحدة في تحمّل العبء الأمني، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً في الرؤية الأمريكية العالمية، التي تسعى إلى تقليص الانخراط العسكري وزيادة استثمارات الحلفاء في المجال الأمني حول العالم، مع مطالبتهم بإظهار قدر أكبر من المسؤولية، بما في ذلك على صعيد الإنفاق والالتزامات الميزانية.
الدلالات والتوصيات بالنسبة لإسرائيل
توفر وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإسرائيل فرصاً غير قليلة، إلى جانب تحديات تتعلق بعمق العلاقات المستقبلية مع الإدارة الأمريكية. فمن جهة، تتضمن الوثيقة التزاماً صريحاً بالحفاظ على أمن إسرائيل، واعترافاً بحيويتها بالنسبة للمصالح الأمريكية، وبالحاجة إلى توسيع أطر التعاون معها. كما تُنظر إلى إسرائيل بوصفها شريكاً مهماً في منظومة التحالفات الإقليمية للولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، فإن الدلالة المترتبة على سعي الإدارة الأمريكية إلى تقليص انخراطها العسكري إلى الحد الممكن، تفرض عملياً على إسرائيل قيوداً على حرية حركتها وقدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق من دون تنسيق و/أو من دون الحصول على ضوء أخضر من الإدارة. ويعود ذلك إلى التخوف من أن تؤدي مثل هذه الخطوات إلى جرّ الولايات المتحدة إلى انخراط عميق، وربما إلى الإضرار بمصالحها الاستراتيجية الأوسع.
وعليه، يتعيّن على إسرائيل استغلال نافذة الفرص التي فُتحت أمامها خلال فترة رئاسة الرئيس ترامب في السنوات الثلاث المقبلة، من أجل تعميق التحالف الاستراتيجي والعلاقات الخاصة بين البلدين، وتحسين وضعها الاستراتيجي العام. وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة، في جملة أمور، في ضوء تصاعد التوجهات النقدية تجاه إسرائيل في الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك داخل أوساط في الحزب الجمهوري.
يمر السبيل الرئيس لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة أولاً عبر إبراز قيمة إسرائيل للأولويات الجوهرية للولايات المتحدة، وعلى رأسها دعم خطة التسوية للرئيس ترامب في الشرق الأوسط، التي تركز على اتفاق تطبيع تاريخي مع السعودية. ويزداد هذا الاحتياج إلى سياسة واضحة في الوقت الراهن نظراً للفجوات الظاهرة بين إسرائيل والولايات المتحدة في القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الانتقال إلى المرحلة الثانية في قطاع غزة، والتعامل مع السلطة الفلسطينية، وسياسة إيران.
ويتجلى ذلك أولاً في معارضة إسرائيل الحازمة لمشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة، وهو شرط أساسي لاستعداد الدول العربية للانخراط في هذه العمليات واستثمار الموارد الضخمة المطلوبة لإعادة إعمار القطاع وإيجاد سلطة بديلة لحركة حماس. علاوة على ذلك، دون تقديم أفق سياسي للفلسطينيين، من المتوقع أن يدخل رؤية التطبيع للرئيس ترامب في حالة ركود طويلة.
وتظهر الخلافات بين البلدين أيضاً في الملف الإيراني. فبينما تدرس إسرائيل، وفقاً للتقارير، إمكانية شنّ هجوم إضافي نظراً لمساعي إيران في إعادة بناء قدراتها، تبدو إدارة ترامب حالياً حريصة على محاولة التوصل إلى اتفاق نووي جديد. وعلاوة على ذلك، وبخلاف موقف إسرائيل، يشكل الخط الأحمر بالنسبة لإدارة ترامب، وفق تصريحاتها العلنية، نشاط إعادة بناء البرنامج النووي، وليس برنامج الصواريخ. وبناءً عليه، يبدو أنه طالما أظهرت إيران حذراً، خصوصاً فيما يتعلق بأنشطتها النووية ولم يتشكل تهديد ملموس لقدرتها على امتلاك سلاح نووي عسكري، سيستمر الرئيس ترامب في إظهار معارضته لأي حملة عسكرية إضافية ضدها.
يتعلق التحدي بتجديد اتفاقية المساعدات متعددة السنوات، المقرر انتهاؤها في عام 2028. ونظراً للتحفظات التي أبدتها إدارة ترامب بشأن الاستمرار في تقديم مساعدات مالية للدول لأغراض أمنية، يجب على إسرائيل السعي لإعداد صيغة جديدة للاتفاقية متعددة السنوات، تضمن استمرار الدعم والتعاون الأمني – العسكري مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على التفوق النوعي للقوات الإسرائيلية (جيش الدفاع الإسرائيلي). وفي هذا الإطار، ينبغي دراسة مدى توافق الاتفاقية الجديدة مع التغييرات في أولويات الإدارة الأمريكية، مع تقديم حلول للتحديات والتهديدات المشتركة، ولا سيما فيما يتعلق بالتعاون التكنولوجي العسكري.
معهد السياسات والاستراتيجية – د. شاي هَرتسفي (باحث كبير، رئيس قسم الشؤون الدولية والشرق أوسطية، المعهد للسياسات والاستراتيجيات (IPS)، جامعة رايخمان)
