ما بعدَ العدوان على إيران ولبنان: لماذا تُعدُّ حربُ ترامب ونتنياهو على إيران ولبنان نصراً إيرانياً وخسارة أمريكية؟!
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
في البداية نسأل: هل تحقّقت أهداف ترامب ونتنياهو في هذه الحرب العدوانية التي شنّاها على إيران ولبنان؟!..
قبل الإجابة على هذا السؤال يجب التنبيه والإشارة الضرورية إلى أنّ الحروب في العصر الحديث لم تعد تُقيَّم بناءً على نتائجها العسكرية المباشرة فقط، كما لا يمكن اختزالها في مشهد النصر أو الهزيمة.. فثمّة تحولٌ جوهري في طبيعة الصراعات المسلحة، إذ لم يعد الميدانُ وحده هو الفيصل والحكم، بل أصبحت هناك ساحات متعددة في هذا الاتجاه: سياسية، اقتصادية، إعلامية، ومعنوية أخلاقية..
أي هناك نمط جديد من الصراعات، تتداخل فيه القوة العسكرية الملموسة مع القدرة على التحمّل والصبر والمصابرة ووجود العقيدة والإرادة الفولاذية، وتوفر القدرة الحقيقية على الثبات والاحتواء، بحيث يصبح منع الخصم من بلوغ أهدافه وأغراضه هو بمثابة “انتصار حقيقي”.. وهذا المفهوم الجديد للانتصار هو ما يفسر لماذا يمكن لطرف أن يخرج من حرب وقد تكبد خسائر، لكنه يحتفظ بورقة النصر السياسي والمعنوي، بينما يخرج الطرف الآخر بقوته العسكرية الظاهرة، لكنه يجد نفسه خاسراً على مستويات عدة، سياسية واقتصادية وغيرها..
وفي هذا الإطار، يكتسب القول بأن إيران، وعلى الرغم من أنها تكبّدت خسائر مادية ليست قليلة، إلا أنها حققت نصراً كبيراً، كبدت فيه أمريكا خسائر نوعية، يمكن القول معها إنها لم تحقق أي نصر، بل خسرت خسائر كبيرة عسكرية واقتصادية وسياسية ومعنوية، أقول: يكتسب هذا القول دلالة تحليلية عميقة، وخصوصاً مع انطلاق مفاوضات إسلام آباد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية. فالمفاوضات بحد ذاتها شكلت اعترافاً أمريكياً ضمنياً بأن خيار الحرب والعقوبات القصوى لم يؤدِ إلى النتائج المرجوة بالنسبة إليها، وأن العودة إلى طاولة الحوار ليست من قبيل القوة، بل من قبيل إعادة تقييم واقعي لفشل المشروع العسكري العدواني. وهنا يمكن بيان الآتي، من خلال عدة نقاط محورية تشرح وتحلل طبيعة هذا النصر الإيراني وتلك الخسارة الأمريكية – الصهيونية:
1- صمود الدولة الإيرانية ومؤسساتها:
لم تسقط إيران ولم يحدث أي تغيير في نظامها السياسي والعسكري وبوصلتها الاستراتيجية على الإطلاق، رغم ما كان العدو يمني نفسه، ويسعى لإسقاط إيران دولة ومؤسسات وحضارة، حيث قام على هذا الصعيد باغتيال كثير من القيادات الإيرانية البارزة في بداية الحرب. وكان الاغتيال الموجّه للقادة – خصوصاً في صفوف الحرس الثوري وفيلق القدس – جزءاً من استراتيجية أمريكية – إسرائيلية كانت تراهن على أن توجيه ضربات قاسية للرأس سيجعل الجسد ينهار كلياً.. لكن إيران أثبتت عكس ذلك تماماً. فسقوط القادة، مهما كانت مكانتهم، لم يؤدِ إلى شلل في القرار أو تراجع في العمليات أو بدء انهيار الدولة ككل. وقد لاحظ الجميع أنه على الرغم من التدمير الممنهج الذي طال إيران من قنابل وصواريخ أمريكا وإسرائيل، – والتي سقطت على منشآت مدنية (مدارس، مصانع، جامعات، معاهد، طرق وجسور وغيرها) أكثر بكثير مما طال وسقط على منشآت عسكرية – إلا أن الدولة استمرت في أداء وظائفها وواجباتها.. وهذا تحديداً جوهر القدرة على الصمود والاحتواء ومن ثم المبادرة..
طبعاً استهداف البنى التحتية المدنية هو تكتيك معروف في حروب التدمير الشامل، وكان الهدف منه كسر الإرادة الجماعية للشعب الإيراني، ودفعه للضغط على نظامه وحكومته، لكن ذلك لم يحدث أبداً.. بل حدث عكسه، حيث تكاتف الإيرانيون كلهم – معارضة وموالاة – مع بعضهم خلف قيادتهم في لحظة وطنية تاريخية.
إن امتلاك القدرة على الصمود والاحتواء، ومن ثم المبادرة الفعالة بالرد الصاروخي الكبير والمدروس الذي ألحق دماراً كبيراً في القواعد العسكرية والمنشآت التجسّسية في الخليج وإسرائيل، هو بحد ذاته نصر كبير لإيران، ودلالة قوية على أن قوة إيران تكمن في كونها دولة مؤسسات لا دولة شخص، ولا دولة أفراد. فمؤسساتها بقيت: المجلس الأعلى للأمن القومي، الحرس الثوري، الجيش النظامي، المؤسسة القضائية، الحكومة، ومجلس الخبراء، وغيرها.. كل هذه المؤسسات استمرت في العمل والتنسيق.. وخطابها الثوري ليس جامداً بل مرناً ومنفتحاً، يعرف كيف يتكيف مع الظروف القاسية دون أن يتخلى عن مبادئه الأساسية.. وفي هذه الحرب تحوّل حلم الانهيار (الأمريكي – الصهيوني) إلى واقع ترسيخ السيادة الوطنية الإيرانية. وبدلاً من أن تخرج إيران من الحرب أضعف، خرجت بوطنية متعاظمة، وإجماع داخلي نادر، وإدراك عالمي أنها دولة قوية لا تسقط بسهولة.
2-إغلاق مضيق هرمز.. سلاح النفط الاستراتيجي:
عرفت إيران أنّ ما يوجع أمريكا والغرب عموماً هو النفط، والخسائر الكبيرة التي تطال الجيوب والميزانيات، نتيجة نقص إمداداته إلى الأسواق الغربية والأمريكية والدولية عموماً. فالحرب الحديثة لم تعد تُربح بالصواريخ والعسكرة فقط، بل بقطع الإمدادات الحيوية للطاقات، بما يحوّل حياة الخصم إلى جحيم اقتصادي غير قابل للتحمل.. وهذا ما أدركته طهران بدقة.. فقامت بإغلاق أحد أهم شرايين النفط ومنافذه الأساسية وهو مضيق هُرمز، الذي تمر عبره (25-30)٪ من إمدادات نفط العالم وغازه.. وهذا انتصار لإيران أيضاً لأن المضيق كان مفتوحاً من قبل، وقامت هي بإغلاقه بقوة سيطرتها العسكرية كونه يشكل جزءاً من مياهها الإقليمية. والمشهد هنا معكوس: الطرف الذي يُعتقد أنه الأقوى (أمريكا) عجز عن فتح هذا المضيق عسكرياً دون حرب شاملة قد تؤدي إلى كارثة بيئية واقتصادية عالمية لا تُحمد عقباها.
وخسرت أمريكا رهانها على فتحه بالقوة العسكرية والحصار.. وإيران في كل ما تقدم لم تحتج إلى احتلال مضيق هرمز، بل فقط إلى جعْله غير آمن، وهذا ما فعلته بنجاح.
3- صمود حلفاء إيران وقوة الحاضنة الشعبية:
صمود وقوة حلفاء إيران في كل من لبنان واليمن والعراق شكل عاملاً إضافياً في ترجيح كفة النصر الإيراني.. فالحرب لم تكن ثنائية بين إيران وأمريكا، بل كانت حرباً إقليمية متعددة الجبهات، وكل جبهة منها شكلت استنزافاً للعدو، وأثبتت أن محور المقاومة ليس مجرد أذرع إيرانية، بل قوى ذات جذور شعبية وقدرة قتالية حقيقية.
ففي لبنان، تمكن حزب الله من إيقاع خسائر فادحة في جنود العدو وآلياته ومنشآته.. ورغم القوة النارية الجوية التي يمتلكها الكيان الصهيوني، والتي تفوق قدرات كثير من الجيوش النظامية في العالم، لم يستطع هذا الكيان اللقيط تحقيق أي غرض من أغراضه سواء على مستوى نزع السلاح أو إعادة الحزب لما بعد الليطاني، أو دفع حاضنته الشعبية للانقلاب عليه. وهذا ما كان يراهن العدو عليه من خلال قصف المنازل والبنى التحتية، وارتكاب المجازر بحق المدنيين، وتهجير سكان القرى الحدودية، حيث توهم أن هذا الضغط الدموي الكبير سيجعل الناس تثور على حزب الله وتطالبه بإلقاء السلاح. لكن النتيجة كانت عكسية تماماً.. حيث أن قيام العدو بارتكاب مجازر وتهجير وأعمال قتل وتدمير ممنهج للمدن والأحياء في الجنوب وصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية، لم يكسِر إرادة الناس، بل زادهم تمسكاً بمقاومتهم واعتقادهم في أنها هي الحامية الوحيدة للأرض والعرض.. وهذا الصمود هو نصرٌ كبير لأنّ الناسَ أصحاب أرض محتلة، ويواجهون أشرس وأعتى قوى الاحتلال والظلم، ومن يدافعُ عن هذه الأرض هُم أبناؤها الذين خرجوا من تربتها. وهنا الفرق جوهري بين جيش يحارب بالمال والعتاد من الخارج، وبين مقاتل يدافع عن بيته وعائلته وأرضه. وما رأيناه من عودة سريعة للناس إلى قراهم ومدنهم الجنوبية بعد إعلان وقف إطلاق النار مباشرة، هو دلالة كبيرة على أن هذا الشعب المقاوم راسخ الجذور في أرضه، ومتمسك بها، وبمن يدافع عنها. ولا يمكن احتلال شعب يعود إلى بيته المدمر خلال ساعات من توقف القصف.. وتوقف العدوان نفسه، مهما كانت شروطه، هو ثمرة هذا الصمود الأسطوري للشعب ولمقاومته العظيمة الباسلة.
4- المفاوضات كدليل على الفشل الأمريكي:
عودة أمريكا لمفاوضة إيران من جديد، ما كانت لتحدث لو أن النظام الأمريكي حقق نصراً عسكرياً على إيران، وهو أمر سعوا إليه واندفعوا باتجاهه بكل قوتهم وآلتهم الحربية منذ البداية، متوهّمين أنهم قادرون على إسقاط دولة كبيرة بحجم إيران، تشكل قوة سياسية واقتصادية وعسكرية، ولها موقعها الجغرافي والجيوسياسي المميز والفريد..
إن جلوس أمريكا، بقوتها العظمى، إلى طاولة حوار مع إيران التي يُفترض أنها “مُنهكة” و”منكوبة” بالحرب، هو اعتراف صريح بأن مشروع “العقوبات القصوى” و”الضغوط العسكرية القصوى” قد فشل في تحقيق أهدافه والوصول لأغراضه.
وفي هذا خسارة لأمريكا ونصر لإيران أيضاً. فإيران لم تذهب إلى مفاوضات إسلام آباد من موقع ضعف، بل من موقع من راكمَ أوراق قوة: صمود في مواجهة العدوان، قدرة على الردع، حلفاء أقوياء، وسلاح إغلاق المضيق.. أما أمريكا فجاءت وقد خسرت الكثير من مصداقيتها في المنطقة، وأثبتت لعملائها وحلفائها التقليديين أن قوتها ليست مطلقة، وأنها لا تستطيع حماية حتى قواعدها العسكرية من الرّد الإيراني.
ومع ذلك، وعلى الرغم من اقتناعنا بأن ما قد تسفر عنه مفاوضات إسلام آباد لن يتعدى كونه “صفقة محدودة”، ربما تقوم على مقايضة مدروسة للمكاسب، تتمثل في تقييد بعض الأنشطة النووية بشكل جزئي، مقابل تخفيف محسوب للعقوبات، وربما ترتيبات غير معلنة لتهدئة التوتر في بعض المناطق الإقليمية؛ فإن هذه الصيغة لن تؤدي إلى حل جذري لأساس المشكلة والأزمة، لكنها تشكل إدارة عقلانية لها، وتجنباً لتفجرها في مرحلة لاحقة قريبة ربما..
وحتى هذه “الصفقة المحدودة” لا يمكن قراءتها إلا كنصر إضافي لإيران: فالبرنامج النووي لم يُلغَ، والعقوبات لم تبقَ كما هي، والحضور الإقليمي الإيراني لم يتقلص.. ولكم أن تتخيلوا المفارقة هنا: أن أمريكا التي كانت تريد “استسلاماً إيرانياً” قبل الحرب، أصبحت الآن تتفاوض على “تفاهمات مرحلية”…!!.
في الخلاصة، يمكنُ القولُ إنَّ حرب ترامب ونتنياهو على إيران ولبنان لم تحقق أهدافها الكبرى لا في إسقاط النظام الإيراني، ولا في نزع سلاح حزب الله، ولا في تغيير موازين القوى الإقليمية لصالح المشروع الأمريكي – الإسرائيلي.. أما ما تحقّق فهو عكس ذلك: ترسيخ السيادة الإيرانية، إثبات فعالية محور المقاومة، كشف محدودية القوة الأمريكية، وإجبار واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أقل قوة مما كانت عليه قبل الحرب. وبهذا المعنى، وبمعيار “منع الخصم من تحقيق أهدافه”، يمكن القول إن إيران وحلفاءها حققوا نصراً نسبياً كبيراً، وإن أمريكا وإسرائيل تكبدتا خسائر استراتيجية فادحة. إنها حقاً حروب لم تعد تُقيَّم بمقاييس الماضي كما قلنا سابقاً، بل بموازين جديدة تضع الصمود والمفاوضات والردع في قلب مفهوم الانتصار، والحضور الفاعل في موازين العلاقات الإقليمية والدولية.
وهذا هو “روبرت بيب”، عالم السياسة الأمريكي البارز وأستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، (والذي يُعد أحد أبرز الخبراء الاستراتيجيين في الولايات المتحدة في ملفات الأمن الدولي، والقوة الجوية، وسياسات الردع)، يتحدث عن الموضوع قائلاً: “إن إيران تبرز اليوم كرابع قوة عالمية كبرى، إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا”.
وبطبيعة الحال، يربط بيب هذا الصعود بالقدرة الاستثنائية لإيران على ما يسميه “تشكيل وصياغة القرارات” في قمة الهرم العالمي، متجاوزاً بذلك منطق التفوق العسكري وحده للدول.. ويضيف “أن هذا التحول كان محض خيال قبل الحرب”.. مما يعني نهاية احتكار القوة التقليدية، إذ أن التأثير الجيوسياسي اليوم يتجاوز حجم الترسانة العسكرية للدول.
كما يشكل هذا التحول اعترافاً صريحاً بضرورة وجود وتأسيس هندسة جديدة للمنطقة؛ فعندما يضع خبيرٌ بهذا الحجم إيران في مصاف القوى العظمى الثلاث، فإن ذلك يعكس في الواقع تحولاً جذرياً – ومقلقاً ربما – في عقيدة مراكز التفكير الأمريكية.. إنه تحول تغييري، يبتعد عن سياسات الاحتواء والتدجين التقليدية المعروفة، ويتجه نحو التعامل مع إيران كقطب أساسي في صياغة النظام الإقليمي والعالمي الجديد.
وهذا الطرح الأكاديمي يُفككُ طلاسم السلوك الأمريكي الفج مؤخراً، حيث انتقلت واشنطن إلى هندسة الصفقات وكبح جماح حلفائها – وتحديداً إلجام إسرائيل في لبنان – عبر أوامر سيادية صارمة، كنتيجة حتمية لمعادلة الردع التي فرضتها طهران على صانع القرار الأمريكي.
والحقيقة الراسخة اليوم هي أن عملة القوة قد تغيرت.. فالنظام العالمي الجديد يُصاغ حصراً على مقاس من يفرض قواعد الاشتباك، ويجيد تحويل الأذى الاستراتيجي إلى نصر سياسي مؤثر ومنتج في طبيعة المواقف والعلاقات والوظائف والأدوار.
