أول الكلام

صدى الحشرجات…

بقلم غسان عبد الله

إنه طيرانُ السلحفاةِ فوق الجسر الحديدي الأخضرِ الشاهقِ في هبوطِهِ ومئذنةِ الجامع التي لا شبيهَ لإيجازها وقصرِها بين مآذن العالم… إنه مناخ الجملِ المريضِ في صحراءٍ على جوعٍ وعطشٍ وتعبٍ دون قيامه، وانطفاءُ السِّراج وقد حالَ إلى عاشقٍ للظلامِ وقصيدةُ الدربِ يموت بها القلبُ والوعدُ بالشَّهدِ على حلاوةِ البعدِ ومرارةِ القرب، وفي النهاية، ضوءُ الأملِ الساطعِ يبرعم في مشاتِلِ العملِ اليانعِ، والقوّةُ تتغلّبُ على النّزوةِ والجمالُ يطيحُ بالقبحِ والنظافةُ تمحو القرافةَ والقرارُ يترجمه الانتظار، وأنتَ ترتدُّ إليَّ كناسكٍ نادمٍ على خطيئة آثمة: وأنا أتلقاكَ عارياً من أي ذنب، بريئاً كعصفور الشوك.‏

[دعْ قلبكَ يستسلم للحبِّ مطأطئاً لقدره الجميل، وتحرَّرْ من هواجسكَ وأوهامكَ في استعبادكَ له كأنه المستحيل].‏ ـ “أحياناً تجدني عاشقاً للموت ولكنْ من الصعب أن تجدني عاشقاً للحياة…”.‏

اكتسيتُ بتابوتي.. فصَّلتُه على قدّي المحطّمِ المتّحدِ وأشلائي المبعثرةِ المجمَّعةِ.. ناداني خشبه قائلاً مشجِّعاً:‏ تماسكْ وتقاربْ بلا جسدٍ فأنا لا أستطيعُ أن أضمَّ بين أضلاعي كياناً مفتَّتاً مهشّماً تحنقُ أوصالُهُ عليه، وتتفاقمُ لتمزِّقَ كينونتَهُ.. توسَّلتُ إليه تَوسّلَ المتضرّعِ المستعطفِ أن يقبلَ بي على علاّتي لأني لا أقوى أن أفعلَ شيئاً، أيَّ شيءٍ، غير ما فعلتْه بي يدُ المنيّة السخيّةِ ولا يقدرُ على ترميمي إلا القادرُ لأعودَ مندفعاً منقطعاً إلى حبكَ الغريبِ المريبِ، فاستلانَ قلبُ التابوتِ الرقيقُ وأشفقَ عليّ شهامةً ونخوةً، وأدخلني ملكوتَ رحمتِهِ وتسجَّتْ بِضَعي في انحائه ونمتُ مطمئناً، بهدوءٍ نفسيٍّ، مع أعضائي المفقودةِ وأنا أسترجعُ في الحلم وقائعَ جلساتِ الظهيرةِ تلعب بنا لعبتها المثيرةَ بين مدٍّ وجزرٍ وكسوفٍ وخسوفٍ، ثم يكون بعدئذٍ عناقُ الوداعِ وينفتحُ بابٌ كالشراع، أنت تتسلّلُ إلى المخدعِ وأنا أطوي إلى المقلعِ، معكَ يبابي وخرابي وعذابي وسرابي ومعي خصبكَ واخضراركَ وحدبكَ واصطباركَ ومعنا أنتَ وأنا الحياةُ نلعبُ وتلعب.‏

هنا في جنة القبر الوارفة وحديقةِ اللحدِ اللاهفةِ كلُّ شيءٍ ملكُ امتلاكي: النَّفَسُ والإحساسُ، الصوتُ والنظرُ، النومُ والصحوُ، الصمتُ والكلامُ، اللهبُ والرمادُ… والمدى المطلقُ والخطى الهوائيةُ.. لم أقتنِ مقتنى في حياتي، أياً كان، سوى ذاتي.. إنّها لي.. إنّها لي، وأنا أعرف كيف أسوسها بطلاقةٍ ولدانةٍ ورشاقةٍ وافتنانةٍ بينما ينظرُ إلينا في مملكة الجليدِ الأسودِ، البشرُ الفانونَ النائمونَ مندهشين: كيف أتوكأُ على نفسي وهي مشلولةٌ، لا عمودَ فقرياً لها ولا أطرافَ ولا عكاكيزَ.. ولكنني أرى إليهم وأُقنِعُهم بأني سليمٌ معافى، شخصٌ مُشافى، وآن يعرضُ عليَّ أحدهم أن يأخذني بصحبةِ ذاتي المريضةِ من وطأةِ الموت المميت ـ في زعمه ـ لنقومَ بنزهةٍ دمويةٍ في شوارع الشرايينِ المتفسخة أقول له مشفقاً مسعفاً:‏ ليس الموتُ الظاهريُّ المجانيُّ إلا خديعةً خارجيةً سرعانَ ما تنكشفُ عن فلسفةٍ سطحيةٍ بائدةٍ منقرضةٍ، في اعتقادي الجوَّاني ـ أنا الدّاخلي ـ ينسلني الله إنساناً من ذكرٍ وأنثى فأتغذى من خبزِ الروحِ ورغيفِ القلبِ، آتي من رحمِ الأرضِ وأعود إلى أمي الحنونِ لتحدبَ عليَّ في حياةِ موتي الجديدةِ وتضمّني بحنانٍ إلى شجرةِ صدرها الساطعةِ وتدفئني بصوفِ حضنها من برد وأسى.‏

ما أزال أنازعُ.. أيتها الحشرجةُ.. أسرعي بي إلى عناقِ الأبدية… وأنتَ يا مولى الروحِ، يا سيدي… أيّها الشفَّافُ الملائكيُّ.. هيّئ دعاء الأُنسِ ورمادَ احتراقي وشمعَ فجيعتي وتقدَّم إلى ناسكِ الروح ليستلّ ضوءَ عينيَّ من محجريهما الزاهدين بالنُّور، والمغرمينِ بالعتمة ـ إذا باد حبّي في قلبك ـ ويغسلني بعطورِ النسيانِ ويكفّنني بعراءِ الجسد ويطهرني بذاكرةِ السراب فيلحقني باحتفالِ الأناشيد الحائلة والمواثيق الزائلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *