هامش ثقافي

الازدواجية اللغوية

بقلم غسان عبد الله

وهذا السجال الحاد الذي ينشب بين المهتمين باللغة يؤكد أن الإشكالية اللغوية في العالم العربي لا تزال متواصلة، وأن الدراسات اللغوية واللسانية العربية عجزت عن تقديم تصورات ومقترحات ووجهات نظر يمكن الركون إليها لدى التمعن في هذا الشرخ اللغوي الذي يفصل بين اللهجات وبين اللغة الفصحى.

 لا يختلف اثنان حول أن ظاهرة الفصحى والعامية هي ظاهرة معقدة وملتبسة، ولها أبعاد وجوانب وخفايا ينبغي أن تحظى بالاهتمام والدرس، بهدف فهم هذا الازدواج اللغوي ومن ثم البناء عليه والاستفادة منه والوصول إلى نتائج واستنتاجات تغني اللغة من جهة، وتقرب بين اللهجات والفصحى من جهة ثانية.

إن الآلية التي ينبغي أن تنطلق منها هذه الدراسات يجب أن تنهض على ثابت لغوي يقول إن الفصحى هي اللغة المعيارية، وهي الأرضية الأساسية والمعرفية لأي دراسات مقارنة، ومثل هذا الشرط يستوجب أن تكون الفصحى رائجة وقريبة من أذهان العامة، ناهيك عن النخب. لكن واقع الحال لا يعكس هذا الشرط، فاللغة الفصحى تقلّصت لأن تكون لغةَ المنابرِ والخطابةِ والصحافةِ والقضاء، في الوقت الذي تزداد فيه رقعة اللهجات التي لا تُبنى على أساس مفردات الفصحى فحسب، بل دخلت مفردات من لغات أجنبية إلى هذه اللهجات حتى أصبحت جزءاً من الثقافة اليومية، وكثيراً ما نسمع، مثلاً، مفردات عند الترحيب والوداع والشكر (مرحباً، صباح الخير، شكراً، إلى اللقاء…) تقال باللغة الإنجليزية تحديداً مع أن ثمة مفردات عربية سهلة يمكن ببساطة أن تكون بديلاً لهذه المفردات الوافدة.

والأمر الخطير الآخر يتمثل في أن استخدام تلك المفردات الأجنبية صار يشكّل نوعاً من التباهي، بل إن من يجهل استخدامها يصبح جاهلاً في عين صديقه، ومثل هذه الإشارة لا تعني مطلقاً الابتعاد عن تعلُّم اللغات الأجنبية بل على العكس ينبغي تعلُّمها، لكن أن يتحول تعلُّم تلك اللغات إلى معيار يقيس مدى ثقافة الشخص وسعة اطلاعه وتماشيه مع متطلبات الحداثة… هنا تكمن الخطورة، وبات الشاب العربي يخجل من أن يقول لصديقه (صباح الخير)، فهذا تعبير متخلّف، إذ عليه أن يقول (بونجور)!.

أعتقد أنه ينبغي تكريس وتوظيف كل القنوات والوسائل والطرق من أجل التمكُّن من اللغة الفصحى، وإصدار قرارات وقوانين تقضي بضرورة استخدامها في الإعلام والصحافة والدوائر الرسمية، لأن الفصحى تمثِّل المعيار لفهم اللهجات المحلية، وإذا ما اجتهد اللغويون العرب في فهم تلك اللهجات سيصلون إلى نتائج مهمة تفيد بأن النسبة الغالبة من تلك المفردات العامية تعود في أصولها إلى اللغة الفصحى، وعلى مجامع اللغة العربية أن تواصل أبحاثها في سبيل إيجاد مفردات بسيطة تعبر عن المبتكرات العلمية الحديثة، حتى لا يشعر الشاب العربي بغربة تجاه لغته.

وليس صحيحاً أن الفروقات اللغوية التي تفصل بين اللغة العربية الفصحى وبين اللهجات المختلفة تعادل الفروقات بين لغات العالم المختلفة وبين اللهجات التي نشأت عنها. هذا في اعتقادي وهمٌ شائع ذلك أن المسافة بين الفصحى والعامية في الإنجليزية، على سبيل المثال، أقصر بما لا يقاس فيما بين الّلغتَيْن الفصحى والعامية في العربية.

ويقول أحد الباحثين في هذا السياق: في الإنجليزية يسود النسق اللغوي – النحوي الواحد، وبالتالي الانسجام اللغوي، ووحدة اللغة بصرف النظر عن اختلافات اللهجات ومستويات الاستخدام، على حين يوجد في قلب اللغة العربية نسقان نحويان متعارضان تماماً، مرحلتان نحويتان في تطور اللغات، وهذا هو الفارق الكيفي الذي يخلق ظاهرة الازدواج اللغوي، وهذا الازدواج اللغوي لا يعني امتيازاً يتمثّل في امتلاك لغتين بل يعني الافتقار إلى لغة واحدة منسجمة مكتملة الحلقات كلغة، بكل ما تعنيه حالة أمة بلا لغة، أو حالة أمة ذات لغة تعاني من الازدواج والانشطار والتشوُّه.

اللغة العربية الفصحى تتعرض للإهمال والتشويه، وعلى المعنيين إيلاء الاهتمام بها، وجعلها مألوفة في مختلف مناحي الحياة، وتكريسها في مختلف المناسبات، ومثل هذا الأمر سيحافظ على رصانة وجزالة هذه اللغة، وكذلك ستجعل من اللهجات المنبثقة عنها مألوفة، بهذا القدر أو ذاك، وأعتقد أن أي خيار بديل عن اللغة الفصحى هو خيار فاشل، فالفصحى هي الأساس وكل ما عدا ذلك هو مجرد تفصيلات يمكن دراستها ومناقشتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *