فضاءات فكرية

استراتيجيةُ النّصرِ والهَزيمة في القُرآن الكَرِيم لا لنزعةِ الامتلاك والاستغْلال

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

إنها رؤية تأسيسية تعيد تعريف مفهومي النصر والهزيمة، وتخرجهما من دائرة النتائج اللحظية إلى سياق سنن إلهية ثابتة هي سُنَن الله في الكون والأمم والحياة والوجود.

سنحاول في هذا المقال المقتضب استكشاف معالم هذه الاستراتيجية القرآنية التي توسعت نصوصه في ذكرها، من خلال تحليل الأسباب المؤدية إلى النصر الحقيقي، والتدقيق في عوامل الهزيمة وآثارها ونتائجها، وضرورة أخذ الدروس والعبر من قصص الأولين والأمم السابقة، لنخلص إلى أن النصر في القرآن ليس نتيجة ومآلاً فقط، بل هو حالة من الوجود والثبات الراسخ على المبادئ والقيم المعيارية، وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق، بل محطة تصحيح وتمحيص للمباشرة من جديد على طريق تحقيق النصر الحاسم ولو بعد حين.

أولاً- النصرُ في اللغة والاصطلاح القرآني:

يعني النصر في اللغة “العون والتأييد والإعانة والظفر والعطاء، وإغاثة المظلوم على عدوه”، أما في الاصطلاح فهو تحقيق الغلبة والفوز على الخصم، سواء في المعارك الحربية أو المنافسات، وهو تأييد من الله للمؤمنين بإظهار حجتهم والتمكين لهم.. لكن المفهوم القرآني له أبعاد أعمق وأدق وأكثر ارتباطاً بقوانين التاريخ والوجود التي أودعهما الله فيهما، بما يعطيه عمقاً استراتيجياً لا تكتيكياً.. أي أنه ليس مجرد غلبة عسكرية أو الاستيلاء على أرض أو مال.. فالنصر الحقيقي هو “النصر من عند الله تعالى”﴿ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾[الصف: 13]، وهو تأييدٌ إلهي خاص للمؤمنين المخلصين. لذا، فإنّ قراءة الاستراتيجية القرآنية تستوجب التمييز بين نوعين من النصر:

النصر المادي أو الظاهري: وهو ما يتمثل في التفوق في ساحة المعركة، كغزوة بدر، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾[آل عمران: 123].

النصر المعنوي أو الحقيقي: وهو ثبات المؤمن على الحق وطمأنينة قلبه بالإيمان، حتى في لحظات الضعف الظاهري. لتكون أعظم صور هذا النصر هي صورة “نصر العقيدة والمنهج”، كما حدث مع النبي الأكرم(ص) في أحلك لحظات الاضطهاد سواء في مكة، أو كما جرى في معركة الخندق عندما قال تعالى:﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 22]. فهذا هو النصر الذي لا يُهزم، ولا يمكن زعزعته.

تقوم الاستراتيجية القرآنية إذاً تقوم على ترسيخ مفهوم أن النصر الحقيقي – على المدى البعيد – هو استمرارية المبدأ، وبقاء الحق، وليس مجرد تفوق آني قد يتبعه انكسار (كما حدث في غزوة أحد)…!!. وهذا عكس ما يُصوَّرُ ويُشاعُ من أنّ النصرَ هو فقط تحقق نصر في معركة من هنا أو هناك..!!.

ثانياً- مفاتيح النصر في القرآن الكريم:

تحدد الآيات القرآنية مجموعة من المفاتيح (والمعايير) الأساسية التي لا يُستنزل النصر الإلهي ولا تتحقق الغلبة إلا بها ومن خلالها، وهي بمجملها تشكل معاً استراتيجية متكاملة للانتصار الإلهي:

1-الإيمان والتقوى (الركيزة الأساسية):

يتكرر في القرآن ربط النصر بالإيمان والتقوى بشكل مطلق. يقول تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[محمد: 7]. أي أن نصرَ الله يكونُ ويأتي حتماً -كسنة تاريخية وناموس إلهي- عبر اتباع منهج الله والقيام بأوامره والالتزام بأحكام دينه.. والتقوى هي على الرأس هنا.. إنها الخوف من الله والعمل بطاعته وتجنب معصيته، وهي التي تُنتج الأمن والثبات، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[الأعراف: 96].

2- الصبر والاستقامة (سلاح المواجهة الفاعل):

لا يكون النصر في القرآن مجرد هبة مجانية بلا ثمن أو مقدمات، بل هو ضريبة وثمن يجب أن يدفع بالصبر الجميل والثبات على الحق والإصرار على تحقق النصر بلا خوف ولا وجل ولا انكسار نفسي.. وقد خاطب الله تعالى نبيه الكريم قائلاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف: 35]. والصبر هنا ليس مجرد تحمل للألم والمشقة والمعاناة، بل هو صبر على الطاعة بكل معانيها، وصبر عن المعصية وضرورة اجتناب كل تنيه وتمثله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.. إنه يعكس قوة الإرادة واليقين بأنّ العاقبة للمتقين.

3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (قوة الأمة وطاقتها الروحية والعملية):

إنّ من أعظم أسباب النصر أنْ تكونَ الأمةُ في حالة من الوعي المسؤول بضرورة تحقق التكافل الأخلاقي والاجتماعي، حيث تأمر بالخير بكافة معانيه، وتنهى عن الشر بكل معانيه ومعالمه. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران: 104]. وترك هذا الواجب حكماً وحتماً سوف يؤدي إلى سخط الله وخذلان الأمة وخسارة الدارين.

4- الضرورةُ القصوى في الأخذ بالأسباب المادية والعلمية مع التوكل على الله:

لم يهمل القرآن الجانب العملي أبداً كشرط مهم وحيوي من شروط تحقق الغلبة والانتصار.. وقصة طالوت وجالوت حاضرة بدلائلها ومعانيها المستمرة، وهي تعلمنا هذا الدرس العظيم، يقول تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً… وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾[البقرة: 247]. وعند خروج طالوت لجنوده أمرهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي…﴾[البقرة: 249]. هذا تدريبٌ على الالتزام والانضباط العسكري والصبر، ثم كانَ النّصرُ: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.. إذاً، التخطيط والتدريب والإعداد المادي ضروري بل هو الفيصل والمعيار الحيوي في تحقق النصر الذي تتكامل كل مقوماته ليكون من عند الله وحده.

5- وحدة الصف ونبذ الفرقة والانقسام:

يعتبر القرآن الاختلاف والتنازع سبباً رئيسياً للفشل وزوال النصر وانتصار العدو، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[الأنفال: 46]. والريح هنا كناية عن القوة والدولة والنصر.. أي أن وحدة الكلمة هي “الريح” التي تدفع الأمة نحو تحقيق تطلّعاتها وأهدافها.

ثالثاً- العوامل المسببة للهزيمة والخذلان (بصيرة قرآنية):

لا تقل أهمية دراسة أسباب الهزيمة في القرآن عن دراسة أسباب النصر، لأنها تعطينا خريطة للمزالق التي يجب تجنبها في المعركة ضد العدو:

  1. المعصية والذنوب (خيانة الثقة بالله):

لقد لاحظنا، أنه بعد غزوة أحد مباشرة، وفي لحظة تحليل الهزيمة، يعلن القرآن السبب الرئيسي للفشل والخسارة المؤلمة للمسلمين.. إنه عدم الالتزام بل هو عصيان الرماة لأمر النبي(ص)، والحرص على الغنائم (زخرف الدنيا).. قال عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾[آل عمران: 165]. فالذنوب والمعاصي والركض وراء الشهوة، هو الذي يبعد العون الإلهي، ويجعل الأمة عرضة لهزيمةِ من تفوّق عليها عدداً وضعفاً..

2- الاستغراق في حب الدنيا والحرص على الزينة والزخرف:

يصور القرآن الكريم حُبَّ الدّنيا كمرضٍ خطير يوهنُ العزائمَ ويشتتُ الأهداف.. وقد صف الله تعالى حال بني إسرائيل عندما خافوا من الجهاد في سبيله، يقول تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾[النساء: 74]. فالمؤمن الحقيقي هو من يشتري الآخرة بالدنيا، أما من يريد الدنيا بزينتها وزخارفها وشهواتها، فسيخسر النصر في الدارين معاً.

3- الكِبَر والغُرور والزّهو بالنفس:

لا شك بأن غزوة حنين قدمت درساً قاسياً للمسلمين، وذلك عندما أعجبتهم كثرتهم واغترّوا بعددهم، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾[التوبة: 25]. ولكن عندما الكثرة فاقدة للروح، ولا إخلاص ولا اعتماد على الله فيها، تصبح عبئاً على أصحابها، وسبباً في حدوث الانهيار وفشل الريح.

4- الفتن والتّمحيص كجزء من الاستراتيجية الإلهية:

ما يجب ذكره والتنويه له هنا هو أن حدوث الخسارة ليس كارثة كبرى ونهاية للعالم واندحار نهائي للإسلام والمسلمين.. وهي أيضاً ليست دائماً عقوبة للمسلمين، بل قد تكون ابتلاء وتمحيصاً لتمييز الخبيث من الطيب، ومقدمة لوعي ظروف النصر ومتطلباته أكثر فأكثر.. يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)[آل عمران: 142]. ولهذا فلحظات الضعف والفشل ليست لحظات عابرة لا جدوى منها، بل هي دروس وتعاليم وعبر مستفادة، أي هي مدارس عملية تُخرج الواعين الملتزمين، وتُظهر حقيقة الإيمان العملي.

رابعاً- دروسٌ من قصص الأمم السالفة (بوصلة للسلوك والاقتدار العملي):

تزخر قصص القرآن بنماذج تطبيقية لهذه الاستراتيجية، نذكر منها:

– قصة موسى عليه السلام وفرعون:

والدرس الأبلغ هو أنّ النصر لا يرتبط بقوة الطاغوت المادية. فقد خرج النبي موسى (على رسولنا وآله وعليه السلام) مع جماعة من المستضعفين، وفرعون بجيوشه وجبروته وعدته وعتاده.. وكانت النتيجة: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾[الشعراء: 65]. أي أن النصر الحقيقي كان ببقاء الحق وهلاك الباطل.

– قصة طالوت وجالوت:

وهي نموذج متكامل للجمع بين الإعداد النفسي (اختبار النهر)، والثقة بالله ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة: 249]، والاستعداد المادي (تدريب وإعداد عملي وتوفير أدوات القوة لتحقق النصر).

إن هذه التجربة (تجربة طالوت مع جالوت) تظهر لنا – من خلال ما تحدث عنه القرآن – أن النصر لم يكن حليفَ أهلِ الكثرة ممن ادّعوا الإيمان بالله، بل كان للذين ظنوا أنهم ملاقوا الله تعالى.. فقالوا: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً﴾، وقتل داوود جالوت..!!.

– أحداث غزوتي بدر وأُحُد:

كانت غزوة بدر تجسيد لوعد النصر حال استيفاء شروطه وتحقق عوامله ومناخاته وعلى رأسها: (الإيمان بالله، الطاعة لله ولولي الأمر، التوكل على الله).. وأما غزوة أُحُد فكانت تجسيداً واقعياً لآلية الهزيمة، والتي كانت أسبابها واضحة في: (عصيان الأمر النبوي، حب الغنيمة، التنازع والخصام الدنيوي).. ولهذا ما حدث في أُحُد لم يكن نهاية القصة، بل كان درساً عملياً لكي تتعلم منه الأمة، وتخرج أوعى وأقوى وأكثر حرصاً ومسؤولية في سعيها الراسخ لتحقيق النصر.

خامساً- العلاقة بين الهزيمة والنصر(تكامل سنن الله التاريخية):

قد يبدو أن النصر والهزيمة نقيضان، لكن القرآن يؤسس لعلاقة جدلية بينهما، تأتي في سياق وإطار “سنن التمكين” و”سنن الابتلاء”.. فالهزيمة (أو لحظة الضعف) ليست نهاية المطاف، بل هي: “اختبار للصدق” (ليميز الله من يصبر ويكابر على إيمانه).. وهي “تزكية للنفس” (لتطهير الصفوف من ضعاف النفوس والمنافقين).. وهي “إعادة توجيه” (لتذكير الأمة بأن القوة ليست منها، بل من الله ﴿لِيَحْزُنَ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾[الحديد: 23]).. وهي أيضاً “مقدمة لنصر أكبر”، حيث أن كثيراً ما يكون اليسر مسبوقاً بعسر، والهزيمة الظاهرية تهيئ لنصر معنوي أعظم (كما حدث بعد أُحُد، حيث استمرت الدعوة وانتشرت في الآفاق، حيث أنه حين يطمع الناس بغنائم الدنيا في أجواء معارك الحق ضد الباطل، فلا بدّ أن يتعرضوا لنكسات، وهي تأتيهم من الله إما للتأديب والتربية والامتحان، وإما للمعاقبة على ما ظهر منهم من معاصي وآثام ومخالفات لدينه ورسوله..).

إن استراتيجية النصر والهزيمة في القرآن الكريم ليست مجرد تأملات دينية، بل هي علم متكامل لقيادة الأمم وإدارة الصراعات. إنها تقدم رؤية متوازنة تجمع بين الروح والجسد، والثبات والمرونة، والغاية والوسيلة، فلا نصر بلا أسباب وعلى رأسها العلم والإعداد المادي والروحي، ولا نصر بلا ثبات على المبادئ العليا، ولا نصر بلا غاية نبيلة تتجسد في رفع كلمة الله تعالى، ولا نصر بلا وسيلة أخلاقية نظيفة..

وهكذا تأتي الاستراتيجية القرآنية لتقدم لنا أعظم معنى للنصر، وهو نصر المبادئ والقيم، وليس نصر الأشخاص أو الجيوش الجرارة.. النصر الحقيقي هو أن تموت القيم الباطلة، وأن تحيا عقيدة التوحيد والعدل والإنسانية.. النصر الحقيقي أن تكون المرجعية لقيم الله لا قيم الشيطان الأكبر ولا الأصغر.. والهزيمة الحقيقية هي هزيمة النفس أمام شهواتها، وهزيمة الأمة أمام التفرق والفساد.

لذلك، على المؤمنين والأمم التي تريد التغيير ألا ينظروا إلى لحظات الفشل كهزائم نهائية لا نهوض ولا قيامة بعدها، بل كخطوات على طريق طويل من التمكين الإلهي.. وكطريق رسم معالمه القرآن الكريم بوضوح كبير، فمن سار عليه كان معه النصر ولو بعد حين، ومن حاد عنه كان الخذلان مصيره.. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[النحل: 128]. وهذا شرط وجودي للنصر الكبير..

أخيراً، لا بدَّ لنا من التأكيد على أنَّ أشدَّ ما نحتاج إليه اليوم -في خضمِّ معركتنا الوجودية مع ألدِّ أعدائنا من شياطين العالم وطغاتهم الكبار– في ثقافتنا وإعلامنا وعلاقاتنا، هو التسلُّح بالمعرفة والعلم والقيم الإنسانية النبيلة، والإصرار على أنَّ النصر حليفُ من جعلَ الله غايتَه العليا في فكره ووعيه وسلوكه.. ويتأكد هذا خاصةً في ما يتعلق بفهم معادلات النصر والهزيمة، إذ لا يمكن استيعاب موازينها الدقيقة إلا من خلال حقيقة المواقف التي سطَّرها أهل الحقِّ في تجاربهم التاريخية التي أظهرها لنا القرآن.. إنَّ هؤلاء يعلمون أنَّ موازين القوة وحدها ليست هي الفيصل أو المعيار الحاسم في تحقيق النصر؛ فقد تكون قوياً وقوياً جداً، وتُهزم، كما هُزِم العدو الصهيوني، وما يزال يُهزم اليوم في مختلف ساحات الجنوب اللبناني وميادينه البطلة.. وقد تكونُ على شيءٍ من القوة فتنتصر، وهذه هي سُنَّة الحقِّ في التاريخ؛ فالقوة شرط من الشروط، لا كل الشروط.. فليتأمَّل الناس ما ينبغي أن يكونوا عليه من شروط النصر، كما بيَّنها سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾]الأنفال: 45-46[. ولهذا يجب على المسلمين أن يتوفروا مجدداً على هذه المعايير والشروط الحيوية لكي لا يبقى النصر مجانبهم وبعيداً عنهم، كما هو حالهم وواقعهم المؤلم اليوم..!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *