إقليميات

إيران نَصَرَت مِحوَر المقاومة نَصراً عَزيزاً

بقلم زينب عدنان زراقط

أما ترامب، الذي زعم إسقاط النظام الإيراني، وتدمير البرنامج الباليستي الصاروخي، والقضاء على المفاعلات النووية وسرقة اليورانيوم، فقد اصطدمت كل هذه المزاعم بواقع مختلف، بعدما استهدف الحرس الثوري القواعد العسكرية الأمريكية في منطقتنا، والتي كانت تُستخدم في الهجوم على إيران، فيما نال الكيان الصهيوني نصيبه من الخراب والدمار.

وكان دخول اليمن إلى خط المواجهة، وتهديده بإغلاق مضيق باب المندب، وإطلاقه الصواريخ باتجاه حيفا وتل أبيب، محطة مفصلية كشفت تبدل موازين القوى؛ إذ وجد الأمريكي نفسه أمام معادلة تدفعه إلى التراجع والبحث عن تسوية وفق الشروط الإيرانية، في وقت أصبح مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية تخنق حساباته.

فلم يكن الفضل للدولة اللبنانية، ولا لتنازلاتها المجانية أمام الكيان الصهيوني، ولا لدخولها في مفاوضات مباشرة مذلّة مع العدو المجرم، في وقت كانت فيه دماء الشهداء ترتقي والمجازر تُرتكب بحق أهل الجنوب. بل إن التحولات الكبرى جاءت من مسار المواجهة الإقليمية الأوسع، حيث لعبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دوراً محورياً في دعم محور المقاومة، وترسيخ معادلة وحدة الساحات، ومواجهة الغطرسة الأمريكية، ما أدى إلى إضعاف قدرة إسرائيل على فرض شروطها وتحقيق أهدافها.

وبدل أن تحقق هذه الحرب الإنجازات التي سعى إليها العدو، عادت دماء الشهداء لتفرض معادلات جديدة في المنطقة، فتراجع المشروع الأمريكي، وبرز مسار إنهاء الحروب المفتوحة في مختلف الساحات، ولا سيما لبنان، مع فتح ملف إعادة الإعمار وتحميل العدو مسؤولية التمويل، إلى جانب تحرير الأموال المجمدة.

والأكثر دلالة أن مضيق هرمز، الذي كانت إيران تفتحه بالمجان أمام حركة الملاحة، أصبح اليوم ورقة سيادية تُدار وفق معادلات جديدة، على غرار القنوات والممرات الدولية التي تخضع لشروط ورسوم عبور، في مشهد يعكس تحولاً عميقاً في قواعد الاشتباك وتبدل موازين القوة في المنطقة.

بين تراجع واشنطن وخسارة تل أبيب

دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي تراهن على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية، بالاستناد إلى القوة الإسرائيلية، ستؤدي إلى فرض شروطها على إيران وحلفائها. لكن حين تصطدم الحسابات الكبرى بالمصالح، تصبح التحالفات خاضعة لمنطق القوة لا لمنطق الشعارات؛ فالداعم الأكبر للكيان الصهيوني وجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً، بعدما بدأت كلفة الحرب تتجاوز حدود الميدان لتلامس مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. وبينما كان الإسرائيلي يبحث عن حسم عسكري يفرض واقعاً جديداً، كانت واشنطن تعيد حساباتها أمام ممرات الطاقة والتجارة العالمية، من البحر الأحمر إلى الخليج، لتكشف هذه المواجهة أن المصالح قد تتقدم حتى على أقرب الحلفاء.

فالنتيجة الأساسية التي فرضت نفسها على المشهد الإقليمي هي فشل المشروع الأمريكي – الإسرائيلي في إخضاع إيران وكسر محور المقاومة، وانتقال واشنطن من موقع التهديد والحرب إلى موقع التفاوض والاعتراف بالوقائع التي فرضتها موازين القوى الجديدة.

لقد أثبتت المقاومة، على الرغم من حجم التضحيات والخسائر، قدرتها على منع إسرائيل من تحقيق أهدافها الأساسية. فالمعادلة التي سعت تل أبيب إلى فرضها بالقوة انهارت أمام صمود المقاتلين وتمسك الأهالي بأرضهم، وهو ما تجسد في عودة السكان إلى قراهم الحدودية على الرغم من المخاطر والدمار الواسع. وهذه العودة لم تكن مجرد خطوة إنسانية، بل إعلاناً سياسياً وشعبياً بأن الأرض لا تُسلَّم للاحتلال مهما بلغت التضحيات.

والأهم من ذلك أن المقاومة نجحت في ربط الساحة اللبنانية بالتحولات الإقليمية الكبرى، بحيث أصبح أي حديث عن الاستقرار في لبنان مرتبطاً بموازين القوى التي فرضتها المواجهة مع إيران. ومن هنا اكتسب الملف اللبناني موقعه المتقدم في التفاهمات الجديدة، بعدما أثبتت الأحداث أن تجاوز المقاومة أو تجاهل وزنها الشعبي والسياسي لم يعد خياراً واقعياً.

أما إسرائيل، فقد وجدت نفسها أمام خيارات شديدة الضيق. فالالتزام بوقف إطلاق النار والانسحاب يعني الإقرار بفشل أهداف الحرب، فيما يحمل خيار التصعيد مخاطر استراتيجية لا يمكن تحملها في ظل التغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.

المكاسب الاستراتيجية للاتفاق الإيراني

شكّلت المواجهة الأخيرة محطة مفصلية في مسار الصراع الإقليمي، حيث استطاعت إيران، عبر دعمها لمحور المقاومة، أن تعزز موقع هذا المحور في معادلات المنطقة، وتحول صمود الساحات المختلفة من حالة دفاع إلى ورقة ضغط سياسية فرضت نفسها على حسابات واشنطن وتل أبيب.

أولاً: فرض وقف الحرب على لبنان وإنهاء الاحتلال

يُعد تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة أحد أبرز الإنجازات التي تحققت نتيجة صمود المقاومة وتغير موازين القوى الإقليمية. فإسرائيل التي دخلت الحرب بهدف فرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية وجدت نفسها عاجزة عن الاحتفاظ بمواقعها أو تحويل إنجازاتها العسكرية المؤقتة إلى مكاسب سياسية دائمة.

وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه لم يأت نتيجة تنازلات أو مفاوضات من موقع ضعف، بل نتيجة فشل إسرائيل في كسر المقاومة وعجزها عن فرض شروطها بالقوة العسكرية.

ثانياً: وقف الحروب الإقليمية وفتح الباب لإنهاء العدوان على غزة واليمن

من أهم نتائج المواجهة انتقال المنطقة من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التسويات السياسية. فالتفاهمات الجديدة لم تقتصر على الساحة اللبنانية، بل فتحت الباب أمام وقف التصعيد في مختلف ساحات المنطقة، وفي مقدمتها غزة واليمن.

وتبرز أهمية هذا البند في أنه يعكس اعترافاً عملياً بأن استمرار الحروب لم يعد يخدم المصالح الأمريكية، وأن الاستقرار الإقليمي بات يمر عبر التفاهم مع إيران لا عبر مواجهتها.

ثالثاً: بدء مسار تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط

لأول مرة منذ عقود يصبح الانسحاب أو إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة جزءاً من النقاش الاستراتيجي المرتبط بالتفاهمات الإقليمية. فالمواجهة الأخيرة أظهرت أن القواعد الأمريكية لم تعد مصدر قوة مطلق، بل تحولت إلى أهداف محتملة في أي صراع واسع.

ومن هنا برزت الحاجة الأمريكية إلى تخفيض مستوى الانخراط العسكري المباشر والانتقال إلى إدارة المصالح عبر التفاهمات السياسية، وهو ما يمثل انتصاراً لمبدأ إخراج القوات الأجنبية من المنطقة الذي رفعته قوى المقاومة منذ سنوات.

رابعاً: فرض مبدأ التعويض وإعادة إعمار ما دمرته الحرب

من أبرز التحولات السياسية التي أفرزتها المرحلة الانتقال من الحديث عن معاقبة إيران إلى الحديث عن إعادة إعمار ما تضرر بفعل الحرب. فمجرد الاعتراف بضرورة تخصيص موارد مالية ضخمة لإعادة الإعمار تُقدّر بـ 300 مليار دولار، يمثل انقلاباً كاملاً على الأهداف التي انطلقت منها المواجهة.

وتنبع أهمية هذا البند من كونه يكرس مبدأ تحميل المعتدي كلفة الحرب، بدلاً من تحميل الضحية نتائج العدوان كما جرت العادة في كثير من النزاعات السابقة.

خامساً: رفع العقوبات الاقتصادية

لقد أثبتت سنوات العقوبات أن سياسة الحصار لم تنجح في إخضاع إيران أو تغيير خياراتها الاستراتيجية. ولذلك أصبح تخفيف العقوبات أو رفع أجزاء أساسية منها شرطاً ضرورياً لأي اتفاق مستدام.

ويمثل هذا التطور اعترافاً أمريكياً بفشل سياسة “الضغوط القصوى”، ويؤكد أن الصمود الطويل نجح في تحويل العقوبات من أداة ابتزاز إلى عبء سياسي على من فرضها.

سادساً: تحرير الأصول والأموال الإيرانية المجمدة

يشكل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة أحد أهم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن المواجهة. فهذه الأموال ليست مساعدات أو هبات، بل حقوق مالية تعود للدولة الإيرانية وتم حجزها لأسباب سياسية.

ويحمل تحرير هذه الأصول دلالة سياسية تتجاوز الجانب المالي، لأنه يعكس تراجع القدرة الأمريكية على استخدام الأموال المجمدة كورقة ضغط، ويؤكد أن إيران استطاعت استعادة جزء من حقوقها المالية عبر الصمود والتفاوض من موقع القوة.

ختاماً، تكمن أهمية هذه المكاسب في أنها تعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى. فبدلاً من أن تُجبر إيران على تقديم التنازلات، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتعامل مع مطالب كانت ترفض مجرد مناقشتها سابقاً. وهكذا انتقلت المعادلة من محاولة إخضاع إيران ومحور المقاومة إلى الاعتراف بدورهما كشريك أساسي في رسم مستقبل المنطقة وتحديد قواعد الاستقرار فيها.

ولكن يبقى السؤال الأهم: هل سيرضى اللوبي الصهيوني العالمي بهذا التحول في الموقف الأمريكي، وبأن تتقدم الحسابات والمصالح الأمريكية على التزاماتها التقليدية تجاه إسرائيل؟ وهل نحن أمام خلاف سياسي أمريكي – إسرائيلي يتصاعد في الخفاء، قد يضع نتنياهو وترامب أمام مواجهة معقدة تهدد طبيعة التحالف القائم بينهما؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *