من حلكة الظّلام إلى فجر المُواطنة: هل نصنعُ ضوءنا من داخلِ أنفسنا؟!
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
يطوي عام 2025م أيامه الأخيرة استعداداً لاستقبال 2026م، والعالم العربي ما زال في قلب أحداث العالم (سياسة واقتصاداً وإعلاماً)، يُلفُّ بحلكة من الظّلال التي يغلبُ عليها اللون الأوحد، وتخترقها بضع شموع مضيئة متناثرة في زوايا متفرقة في غير موقع هنا وهناك، وهي لا تكاد تبدّد من غسق المشهد العام شيئاً يُذكر..
فحَجم السّواد كبيرٌ وواسع، وهذه النقاط المضيئة، وإن كانت تُشكّل بصيص أمل يُحتذى، تظل محاصرةً ومُستَضعَفة في محيط من الجمود والوهن والإمعية والاستلاب..
وإذا أمعنّا النظر في حركة كثير من المجتمعات العربية في أفكارها وعلاقاتها وسلوكيات أبنائها، نلاحظ ظاهرةً لافتةً ومُقلقة هي: إن الفرد العربي – الذي لم يرتقِ بعدُ إلى مرتبة “المواطن” بالمعنى الفاعل والحقيقي للكلمة – كثيراً ما يتحرك ويتصرّف، وبشكلٍ شبه دائم، بطريقةٍ تناقض حتى مصلحته الذاتية كفاعل اجتماعي، ومصلحة وطنه وأمته ككل.. وهو لا يفعل ذلك بدافع الكراهية أو الرغبة في التخريب والانعزال، بل بدافعٍ أكثر خطورةً وعُمقاً: إنه يحمل في داخله شحنةً هائلةً متراكمةً من التشوّهات النفسية، والتناقضات الاجتماعية، والعاهات التاريخية التي خلّفتها عقود، بل قرون، من التراكمات المختلّة في فكرها وأنسجتها التاريخية..
هذه الشحنةُ لا تبقى ساكنة في بؤرتها الذاتية؛ بل تكبر وتتحوّل إلى أزمات كبرى – مثل المرض الذي لا يُعالج في وقته – فتتكدّسُ في وعي الفرد والجماعة، وتضغط على خياراتهم، وتشوّه إدراكهم، وتعيق انفتاحهم وتفاعلهم الإيجابي.. ويأتي تعزيز هذا الوضع من خلال القصور الذاتي الذي يعيشونه، وهو قصورٌ مُكتَسَب للأسف، ناتج عن سيطرة ثقافة الاستبداد الشاملة التي امتدت (وتمتدّ) كالورم الخبيث أفقياً وعمودياً في جسد الأمة..
نعم، لقد تسلّل منطق الضبط والردع والزجر، والأمر والنهي وعقلية التحريم، والفوقية والنخبوية، وأشكال الوصاية والأوامرية التي شوشت رؤيته، إلى صميم الحركة الوجودية للإنسان العربي، فتقيدت إرادته، وحُجّمت طموحاته، وغرست فيه ثقافة الخوف والخنوع والتبعية والانتظار السلبي لما قد يحدث ويتحرك ويأتي وهو لا علاقة له به..!!.. فأصبح عذا الفرد – في كثير من الأحيان – غير قادر على رؤية مصلحته الحقيقية، أو أنّه يراها من خلال عدسة مشوّهة تجعل الخضوع والسلامة الوظيفية والبحث عن الفتات بديلاً عن المبادرة والمخاطرة والبناء.
من هذا المنطلق، يأتي تأكيدنا الجوهري هنا على أن معركة التغيير الحقيقية في أقطارنا العربية لا يمكن أن تنطلق وتبدأ إلا من الداخل نفسه.. فالعلة داخلية وعلاجها داخلي.. ومحاولة تغيير الواقع الخارجي – السياسي والاقتصادي والاجتماعي – دون تغيير جذري في الطبائع والنفوس، وفي الرؤى الثقافية والمفاهيمية السائدة منذ قرون وقرون، هي محاولةٌ عقيمة فاشلة، وهي تأتي كمن يبني قصراً على رمال متحركة..
إن جذر العطالة وعلّة الأزمة كامن في هذا العالم الداخلي المُنهَك المفكك.. لأن فاقد الشيء لا يعطيه: ففاقد الإرادة الحرة لا يمكن أن يصنع قراراً مستقلاً، وفاقد الحيوية الروحية لا يمكن أن يتحمّس لعملٍ كبير، وفاقد روح التضحية والمصلحة الجماعية لا يمكن أن يبذل للصالح العام.. كما أن فاقد قيم الفاعلية والنشاط والاندفاع العقلي العقلاني باتجاه العمل المنتج والمبدع، لن يكون سوى كائنٍ سلبي هامشي في أحسن أحواله.
هذا الكائن السلبي محكوم عليه أن يبقى في موقع المتلقّي، والمتأثّر، والمنفعل، والمستهلك لمنجزات الآخرين ومختلف نتاجاتهم وإبداعاتهم.. وهو الدور الذي تجسّده مجتمعاتنا العربية اليوم بألمٍ شديد.. فنحن نقدم نموذجاً حياً (حزيناً بطبيعة الحال) على المعنى الحقيقي للارتكاس الحضاري والتقهقر المعرفي والإبداعي، والانكفاء عن عوالم التطور التصنيعي الإنتاجي والإبداعي.. في وقت تحوّلت فيه العديد من مجتمعاتنا إلى مسارح ضخمة لـــ “حضارة الظاهر الاستهلاكي”، حيث يندر الإنتاج الأصيل، ويكثر الاستهلاك التسليعي المسرف لمنتجات الغير.. إنها حضارة الواجهات البرّاقة والخطابات الجوفاء، التي تستهلك كل شيء: من التكنولوجيا إلى الأفكار، ومن أنماط العيش إلى البرامج الترفيهية، بل وتستهلك حتى خطابات النقد والتغيير نفسها فتفقدها مضمونها الحقيقي.. وما النقاط المضيئة المتناثرة سوى استثناءات تثبت القاعدة، وهي مع ذلك – وفي أغلب الأحيان – تبقى حالات فردية أو جماعات صغيرة تائهة في محيط من السكون واللا إنتاج، غير قادرة على تشكيل حالة فريدة متماسكة ومؤثرة يمكن أن تشكّل نواةً لتحوّل عام.
ولفهم هذا المأزق بعمق، يجب الغوص في تشريح “ثقافة الاستبداد” التي أنتجت هذه الشخصية المستلَبة.. هذه الثقافةُ لا يُقصد بها فقط الاستبداد السياسي المباشر، بل ذلك النموذج الشامل الذي يُعاد إنتاجه في كل مكان موقع اجتماعي من هذه الحياة العربية: في الأسرة (باستبداد الأب)، في المدرسة (باستبداد المعلم ومنهج الحفظ والتلقين والتلقي الجاهز)، في العمل (باستبداد المدير والتراتبية الصماء المغلقة)، وفي الخطاب الديني (باستبداد الفهم الأحادي وادعاء امتلاك الحقيقة المقدسة)، وحتى في النضال السياسي ذاته (باستبداد “القائد الأوحد” و”الحزب الواحد” داخل المعارضة نفسها).. هذه الشبكة المعقدة تنتج شخصيةً تتصف بـ “العجز المُتعلَّم”، حيث يعتقد الفرد أنه عاجز حتماً عن تغيير أي شيء، أو حتى عن فعل أدنى شيء، فيتوقف عن المحاولة، حيث الهمم جامدة والعزائم مثبطة… وأحياناً تنتج “الازدواجية المرضية” بين القول والفعل، وبين القيم المعلنة والممارسة الفعلية، مما يُفقد المجتمع مصداقيته الداخلية وتماسكه الأخلاقي.
إن طريق الخلاص لا يمرّ حتماً عبر انتظار “المُنقذ” أو “الظرف التاريخي” الخارجي، بل عبر ثورة داخلية شاملة. ثورة تبدأ بإعادة تعريف الذات، وبناء “المواطن الجديد” الذي يمتلك وعياً نقدياً بذاته وتاريخه، وإرادة حرة، ومسؤولية أخلاقية تجاه محيطه. هذا يتطلّب مشروعاً تربوياً وتعليمياً ثورياً، يُعيد الاعتبار للعقل، والتفكير النقدي، والإبداع، والعمل الجماعي التشاركي، وقيمة السؤال على حساب جبروت الإجابة الجاهزة. كما يتطلّب إطلاق حرية الإبداع في الفنون والآداب والعلوم، فهي المساحات التي تُعيد صياغة الوعي، وتحرّك المشاعر، وتصنع الأمل.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه العالم العربي مع دخول عام 2026م هو: هل نستطيع أن ننتقل من مرحلة التفكيك والنقد (الضرورية) إلى مرحلة البناء والتشييد؟! هل نستطيع تحويل تلك “النقاط المضيئة” المتناثرة إلى حقل متصل من الأضواء، يشكّل تياراً ثقافياً وفكرياً واجتماعياً جديداً؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ أولاً وقبل أي شيء من خلال الاعتراف بأن المعركة الحقيقية هي معركة ثقافية وأخلاقية وقيمية ونفسية في المقام الأول.. معركة لاستعادة الإنسان العربي من براثن الاستهلاك والتبعية والانفعال، والامعية والاستلاب، إلى فضاء الإنتاج والإبداع والمبادرة. حينها فقط ستبدأ الظلال السوداء في الانحسار، ليس بفعل نور آتٍ من الخارج، بل بفعل شمس تشرق أنوار الحقيقة من الداخل، من أعماق النفوس التي قرّرت أن تتحرّر، فتفكّر، فتبدع، فتبني وتطور..
تفصيل ملامح طريق الخلاص وآلياته
إنّ الانتقالَ من حالةِ “الفردِ المستهلك” إلى “المُواطن الفَاعل” المُنتج ليسَ سهلاً، لأنه سيكونُ انتقالاً على شكلِ رحلةٍ صعبة وشاقة تتطلبُ هدمَ قديمٍ متجذّرٍ وبناءَ جديدٍ على أسسٍ مغايرة.. ولتحقيق هذه الثورة الداخلية، لا بدَّ من العملِ على عدةِ مُستوياتٍ متوازية:
- مستوى الذات الفردية – إعادة برمجة العقلية: يجب تشجيع ثقافة المساءلة الذاتية بدلاً من إلقاء التهم على الخارج باستمرار.. وهذا يعني تطوير “المرونة النفسية” لدى الفرد، أي قدرته على مواجهة الصدمات والتحديات دون انهيار أو انغلاق وانعزال ذاتي، وتحويلها إلى فرص للنمو.. كما يتطلب تعزيز “الوعي التاريخي النقدي” الذي لا ينكر الماضي ولا يقدسه، بل يحلله بموضوعية على مستوى فهم جذور العلل واستخلاص الدروس، مما يحرر الفرد من عبء “الحتمية التاريخية” التي تشعره بالعجز، نتيجة قيودها ووصايتها وتكبيلها لإراداته.
- مستوى البنية الاجتماعية – تفكيك استبداد المؤسسات الصغرى: لا يمكنُ فصلُ الاستبداد السياسي الكبير عن “الاستبدادات الصغيرة” التي تمارس يومياً في مختلف مواقع حياتنا الفردية والمجتمعية، داخل الأسرة وخارجها.. لذلك، يجبُ العملُ على تحويل الأسرة إلى فضاء للحوار والاحترام المتبادل بدلاً من القهر الأبوي، وتحويل المدرسة من مصنعٍ للحفظ والتلقين إلى ورشة للتفكير النقدي والاستكشاف والإبداع.. كما يجب تحويل مكان العمل إلى بيئة تحفّز على المبادرة والمسؤولية والإنتاجية بدلاً من الخضوع والروتين والاستهلاك الوظيفي إذا صح التعبير.. وهذه المؤسسات هي من أهم “المختبرات” التي تُصنع فيها شخصية “الفرد – المواطن” يومياً.
- مستوى الفعل الجماعي- من الاستهلاك إلى الإنتاج والإبداع: يجب تحفيز وتقديس أي فعل إنتاجي، مهما كان صغيراً.. وتشجيع المشاريع الصغيرة، والحرف اليدوية المبتكرة، والمبادرات الفنية والأدبية المستقلة، والبحث العلمي الموجه لحل المشكلات المحلية. هذا يحوّل الطاقة من ثقافة “التشفي والتناففس” (التنافس على النزر القليل) إلى ثقافة “التنافس والإبداع” لخلق قيمة جديدة.. فالمجتمع الذي يقدّر منتجيه ومفكريه ومبدعيه هو مجتمع يبني مناعته الحضارية..
- مستوى الخطاب الثقافي- استعادة المعنى وبناء السرديات الجديدة: نحن بحاجة إلى خطاب ثقافي بديل لا يعيش على هامش خطاب السلطة أو خطاب المعارضة التقليدي، بل يصنع مساحته الخاصة، فكراً ونقداً.. خطاب ينتج سرديات جديدة عن الذات العربية، لا تقوم فقط على تمجيد الماضي التليد، ولا على انهزامية الحاضر المريض، بل على رؤية مستقبلية عملية. رؤية تُعيد تعريف النجاح ليس بالمنصب أو الثروة فقط، بل بالإسهام المعرفي والعطاء المجتمعي والنزاهة الأخلاقية. الفنانون، والكتّاب، والمفكرون، والنشطاء الثقافيون هم جنود هذه المعركة المصيرية.
إننا نعتقد أنّ تحدي العام القادم وغيره من الأعوام يكمن أساساً في ذواتنا ودواخلنا، في قدرتنا على تحويل “الألم المشترك” إلى “وعي مشترك”، ثمّ إلى “عمل مشترك”.. لا يكفي أن ندرك أننا نستهلك ولا ننتج، بل يجب أن نتحول تدريجياً إلى فواعل منتجة، أي إلى منتجين ومبدعين في مجال تخصصاتنا وشغفنا اليومي.
والموقع المضيء لن يظل منعزلاً إذا بدأ ينتج ضوءاً يشعُّ على جيرانه، فتنشأ تدريجياً شبكاتٍ من المواقع المضيئة المتصلة.. والبديل الوحيد لاستمرار ظلام العام المنصرم هو أن نقرر، كلٌ من موقعه، أن نكونَ ذلك الفتيل الصغير الذي يضيء، حتى ولو قليلاً، في محيطنا المباشر.. فالأمم تُبنى ليس بقرارات القمة وحدها، بل بقرارات ملايين الأفراد في قاعدتها، حين يقررون أن ينتقلوا من حالة الاستنكار والشجب والشكوى إلى حالة الفعل والحضور، من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإبداع، ومن عقلية الرعية إلى شجاعة المواطنة الفاعلة..!!. فهل نفعلها؟ ومتى؟!..
