الشيخ عبد الناصر جبري رحمه الله ثباتٌ على العقيدة.. وجهادٌ من أجل الإسلام المحمدي الأصيل
بقلم: الشيخ د. حسان عبد الله / رئيس الهيئة الادارية لتجمع العلماء المسلمين في لبنان
الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الأخيار المنتجبين، سعادة سفير الجمهورية الإسلامية السيد مجتبى أماني، المستشار الثقافي سماحة السيد محمد رضا مرتضوي، الشيخ رئيس جامعة المصطفى سماحة الشيخ مهدوي مهر، الأخوة العلماء جميعاً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
دائماً في الذكرى السنوية لسماحة الشيخ الدكتور عبد الناصر جبري، نستذكر بعضاً من جهاده، ونحاول أن نلقي الضوء على بعض المحطات التي كان له فيها مواقف تشهد وهي كثيرة، لو أردنا أن نستعرضها لما كفى الوقت، ولكن أردت أن أعطي بعض الميزات التي يتميز بها سماحة الشيخ والتي يجب علينا نحن العلماء أن نتميز بها، لا يكون عالماً من لا تتواجد فيه هذه الميزات، ولا يؤدي الدور المطلوب منه، فالعلماء ورثة الأنبياء ولا يكون العالم كذلك إن لم يتحلَّ بهذه الصفات، من أهم الصفات التي كان يتحلى به سماحة الشيخ عبد الناصر هو الوعي، فلا يمكن أن تكون عالماً وأن تكون إمعة، وأن تكون عالماً وأنت يسوقك الجمهور، وبدلاً من أن تكون قائداً تكون مقوداً، أو أن تُغـيــّرك العصبيات فتتجه نحو الباطل لترى شرار قومك خيراً من خيار قوم آخرين، وهذه هي العصبية، أن تكون إنساناً لا يدرك الخلفيات التي ينطلق منها المستعمر والمستكبر والعدو في محاولة جرفنا وحرفنا عن هدفنا الأساسي.
الشيخ عبد الناصر كان يتميز بهذه الصفة “الوعي”، كان يعرف خلفيات الأمور، كان يدرك حتى في الوقت الذي يحاول فيه عدونا أن يحرِفنا عن مسيرنا، كان يقول دائماً القبلة هي القدس، قبلة جهادنا وقبلتنا الأولى، فلسطين هي الأساس، منذ بداية عمله إلى تاريخ وفاته، أنا تشرفت بأن أكون معه لأكثر من خمس وثلاثين عاماً بالعمل، ليست معرفة شخصية بالمناسبات الاجتماعية، يومياً كان هناك لقاء أو هناك اتصال: “ماذا نريد أن نفعل؟”، هو كان يبادر في الأزمات ليقول أنا جاهز، الكلية تحت أمركم، مركز حركة الأمة تحت أمركم، كل إمكانياتي بخدمة المقاومة، لأنه كان يعرف أنه في الأزمات عندما يشتد الحصار على المقاومة ويحاول البعض أن يجعلها في بوتقة مذهبية أو في بوتقة إقليمية، أو محاولة أن يصور أن هذه المقاومة تسعى لمكتسبات سياسية صغيرة، لا أنها تنطلق من مبادئ ومن عقيدة ومن أهداف إسلامية واعية، كان يعرف كيف يدافع عن المقاومة.
المسألة الثانية: العلم، للأسف هناك كثير ممن يعتمرون العمامة وأنا أتحدث عن صنفنا، يعني ليس معيباً أن نتحدث عن أخطائنا، لا يستمر الإنسان، نحن المشايخ طلبة علوم إلى أن نموت، وإياكم في يوم من الأيام أن تشعروا أنكم علماء، أنتم طلبة والعلم تطلبونه في كل لحظة من لحظات حياتكم، كل يوم تستفيدون شيئاً آخر، كان يركز على القراءة، الثقافة، الاطلاع الواسع، المعرفة بما يحصل في عصرنا، معرفة سياسية، معرفة فكرية، معرفة بالمبادئ الضالة، معرفة بخلفيات الحرب الناعمة، كل هذه الأمور يجب أن يكون العالم مدركاً لها وعارفاً بها، وإلا لا يستحق أن يعتمر عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، ولذلك كان أول هدف من أهداف حياته منذ صغره أن يسعى لبناء جامعة علمية، ووفقه الله لبناء كلية الدعوة الإسلامية، التي خرَّجت المئات من العلماء والمشايخ، كان يقول لي شيخ حسان “نحن علينا أن نلقّن هؤلاء الشباب الإسلام المحمدي الأصيل” كما كان يقول الإمام الخميني(قدس سره)، يجب علينا أن ننشر الإسلام المحمدي الأصيل، وأن نعلمهم أن هذه الوحدة بين المسلمين هي ضرورة دينية وإستراتيجية وليست تكتيكاً، فالبعض منا يظن أنها تكتيك لأنه هو هكذا يعتبر أن الوحدة هي تكتيك سياسي نعمل من خلاله من أجل مكاسب معينة، وهذا غير صحيح بالمطلق.
المسألة الثالثة، الثبات، طوال الخمس وثلاثين سنة التي عرفته بها لم يغير موقفاً واحداً من مواقفه، وهذا يدل على عمق الرؤيا، الثبات هو بسبب الوضوح، أنت تعرف الأمور وتعرف الخلفيات وتعرف من أين تنطلق المؤامرات، فلذلك لا تغيرك العواصف، حتى في الأوقات التي كانت تُثار فيها العصبيات المذهبية، بشكل أن البعض ممن هم من المخلصين كانوا يضلون السبيل، كان ثابتاً ويعرف الخلفيات، يجب أن نتحلى بالثبات، لماذا نقول: ثبتك الله بالموقف الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، نحن اليوم إذا لم نتحلَ بالثبات، تغيرنا الأهواء، اليوم نكون بهذا المكان، ثاني بمكان آخر، ثالث يوم بمكان ثالث، وهذه هي الذبذبة وهي لا تؤدي بنا إلى التأثير في مجتمعنا، الثبات هو الذي يؤدي بنا إلى التأثير في المجتمع، إضافة إلى أنه كان يعرف أن النتائج لا تُدرك بمجرد العمل في بداياته، بل إن هناك بعض الأعمال تحتاج الى مسيرة أجيال، كان يقول مما سمعته منه أن صراعنا مع العدو الصهيوني صراع أجيال وليس صراع سنة وسنتين وعشرة، بل صراع أجيال، إن لم تستطع أن تحرر فلسطين أنت اليوم، فعليك أن لا تورّث الأجيال القادمة ذلاً واستسلاماً وصلحاً مريباً، عليك أن تسلّمهم “قضية”، ورّث ابنك قضية فلسطين، ولا تيأس، الأمر الآخر الذي كان يتحلى به هو العمل المضني، المجهد، حتى أنه استشهد وأنا أقول شهيد، نعم هو شهيد حقاً، استشهد وهو في هذا العمل، كان يقول لابني في إحدى الرحلات، كان يذهب ابني الدكتور محمد معه في بعض الرحلات، مرة كانت مسافة الرحلة حوالي مائتين أو ثلاثمائة كيلو متر، وهي آخر سفرة والتي استشهد بها، ولعلّ هذه السفرة التي كان يسير فيها قد تكون تسببت في ارتفاع ضغط الدم الذي أصابه، طقس شديد الحرارة، السيارة ليست مكيفة، فقال له شيخنا: “عمو تعبنا وابني شاب والشيخ كبير بالعمر، قال له :”لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه”.
إذا كنتم تبحثون عن الراحة فاسمعوا ما قال جبرائيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال له: “يا محمد إن السلام يقرئك السلام، ويقول لك أن لا راحة لمؤمن فلا يبحث عن شيء لم يُخلق له”، تريد أن تكون مؤمناً وعاملاً ومجاهداً لا راحة لك، هنا دار تعب، دار جهاد، دار عمل، يوم القيامة هناك الراحة الأبدية، فمن أراد راحة الدنيا فلينسَ راحة الآخرة، ومن أراد راحة الآخرة فليجهد في الدنيا، هذا أيضاً من مواصفات سماحة الشيخ.
المسألة الرابعة، الجهاد، هو لم يقل أنا شيخ ولا علاقة لي، ففي العام 1982، عمل عملاً عسكرياً بحروب سابقة، أيام المحاور كان لديه عمل عسكري، أذكر أنه كان لدينا موقع، كنا متواجدين فيه في الضاحية الجنوبية، كان يأتي على الموتوسيكل ومعه نشرة، كان اسمها “نشرة أهل الثغور” توزع على المقاتلين والمجاهدين في الجبهات هذا هو الشيخ عبد الناصر جبري، عالم مجاهد لا يمنعه اعتمار العمامة على ممارسة الجهاد إن أتيحت له الفرصة لممارسته، كان دائماً يقول لي خذونا على المحاور، لنكون مع الشباب نخدمهم والله والله والله والله، نُعدُّ لهم الفطور صباحاً ونُعد لهم طعام الغداء، فقط دعونا نجلس معهم، نعيش حياتهم ونعيش جهادهم، كان يأنس في هذه الطلعات التي رتبت له، هذا هو الشيخ عبد الناصر، لذلك يا إخوان من أهم الأمور التي كان يعمل لها والتي هي ديدننا في تجمع العلماء المسلمين وحدة الأمة الإسلامية، جاء مرة وطرح مشروعاً، قال لماذا نحن هنا في لبنان قاعدون متقوقعون، والعالم الإسلامي تضجُّ فيه الفتن من كل حدب وصوب، دعونا نذهب إلى تلك الحضارات، إلى تلك المناطق، إلى تلك الأماكن، ونحكي مع حواضر العالم الإسلامي حول مواضيع أساسية وهي:
1- دعوة للإسلام المحمدي الأصيل.
2- الدعوة لوحدة الأمة الإسلامية كضرورة دينية.
3- لا عدو لنا في أمتنا سوى العدو الصهيوني.
4- إيران قيمة مضافة في الأمة الإسلامية يجب أن نستفيد منها ولا نقع في حبائل العدو الصهيوني فنستعديها بحجج باطلة لا قيمة لها من خلال الدين الإسلامي، ونذهب نطرح هذه الأفكار.
بقي مصراً على هذا المشروع إلى أن نفّذه، وذهب إلى بلدان، ماليزيا اندونيسيا باكستان بنغلاديش وذهب إلى الهند، ابني كان معه بالهند عند جماعة الديوبندية، قمة التطرف الإسلامي! عيونهم أحمرت عليه عندما كان يصدع بكلام الحق، يتكلم بالكلام كما يجب أن يُقال، وأثّر فيهم. ونتمنى أن نستكمل هذا المشروع لا أن يبقى إلى أن يستشهد بشهادة الشيخ عبد الناصر جبري. آخر محطة له كانت في مالي، وهذه السفرة الطويلة التي قلت لكم عنها، دق على الباب بالليل على ابني قال له: “محمد رأسي يؤلمني ثم وقع على الأرض ودخل في الكوما” يعني توفي وهو يدعو في سبيل الله، أليس مجاهداً في سبيل الله؟ أليس شهيداً في سبيل الله؟ كلنا نتمنى هذا، قد لا يتوفر لنا إخوتي العلماء أن نستشهد على محاور الجهاد، فلنستشهد على محاور الدفاع عن الإسلام والمسلمين، والدعوة لوحدة الأمة، فوالله ساعتئذ يصدق فينا أن “مداد العلماء خير من دماء الشهداء”، هذا هو الشيخ عبد الناصر جبري كما عرفته، وهذا هو الشيخ عبد الناصر جبري الذي يجب أن يكون قدوة نقتدي بها، وأُعلنها كما في كل مرة وفي كل سنة “أنا يا شيخ عبد الناصر أتعهد بأن أدافع عن مسيرتك حتى تحقيق الأهداف التي كنا نخطط لها”، وأن الشيخ عبد الله والشيخ بلال وأحمد أولادي سأستمر برعايتهم كما لو كنت أنت موجوداً والحمد لله رب العالمين.

