الثقافة.. صانعة المجتمعات
بقلم غسان عبد الله
إن علاقة المثقفين بمجتمعاتهم علاقة تبادلية تفاعلية، فالمثقف يؤثر في مجتمعه بما يمنح من وعيه الذي يسهم في تحديد مسارات هذا المجتمع، ونقله نقلة نوعية على صعيد الوعي المعرفي والثقافي إلى الدرجة التي تصل بهذا المجتمع إلى القدرة على تقدير مثقفيه، والاحتفاء بهم. إن كلاً من المثقف والمجتمع ذاتٌ فاعلةٌ مؤثرةٌ، متأثرةٌ بالآخر مشتبكة معه – إيجابياً – من خلال الفعل الثقافي.
المثقفون أفرادٌ متميزون وذواتٌ فاعلةٌ في مجتمعاتهم، لا بما يحملون من المعرفة والعلم – فقط – بل بما استأثروا به من ناتج العلم والمعرفة، وعلى رأسها: الوعي، وهم في طرح جيل الرواد من نقّادنا المعاصرين: الفئة التي تميزت – من خلال العلم والمعرفة العميقة والخبرات المجتمعية – بدرجة عالية من الوعي منحتها القدرة على تحديد مشكلات الواقع القائم وتقديم تصورات فكرية عن أصوله ومساراته، وبدائله الأكثر إشراقاً.
وهم أولئك المتعلمون الذين يشكون في كل القيم المستقرة السائدة باسم العقل، ويرغبون في تغييرها باسم التقدم، أما علم الاجتماع الثقافي المعاصر فيصف المثقفين بأنهم فئة لا تحمل الحاصل المعرفي والفكري لمراحل التاريخ السابقة عليها، بل تتميز بقدرتها على إنتاج المعرفة وإبداع الفكر الخاص بها. وإن هذه الرؤى لتتسق مع قدرة المثقفين على الاضطلاع بما أطلق عليه: الفعل الثقافي، وهو – في رؤيتي – فاتحة كل الأفعال التي تنحو بالمجتمع صوب التغيير للأفضل.
الثقافة لا تنحصر في جزئها المعرفي أو العلمي أو في المكتسب من الوعي والخبرة، بل إنها تتسع باشتمالها على عنصر روحاني يتمثل في السلوك، ورهافة الحس، وحساسية التلقي للفنون والإبداع، وامتلاك نصيب كاف من المهارات العقلية، والتميز الفكري. وهذه الأنشطة الثقافية لا تتأتى مجتمعة في فرد واحد، فالفرد لا يبلغ درجة الكمال الثقافي.
ويحفل التاريخ الإنساني بأمثلة تدل على أن تأثير الفعل الثقافي لا يتوقف تأثيره على كون فاعله فرداً أو جماعة، بقدر ما يتوقف على مدى قوة الفكرة المؤثرة، أو قوة المبدأ الثقافي الذي يحمله هذا الفرد، أو تلك الجماعة. ويحتفظ التاريخ بدورات من الحراك الثقافي تنسب لهذا أو لذاك من أفراده المتميزين، بما يؤكد على أن التوتر الخلاق داخل المجتمع بأسره قد يتمثل في التوتر داخل عقل الفرد الأكثر وعياً بذلك، وتزداد أهمية هذا الفرد حين تضطلع الطبقة المجتمعية التي ينتسب إليها بهذا الحراك الثقافي، بما يدعم رأي كثير من المهتمين بالمسألة الثقافية، في تأكيد أن الثقافة عملية مجتمعية، ومسيرة إنسانية، وسيرة الجماعة الإنسانية وصورتها.
وعلى الرغم من اختلاف العلماء حول كثير من التفاصيل المتعلقة بهذه المسألة، إلا أن اتفاقاً تم بينهم يؤكد دلالة الثقافة على الطبقة المجتمعية، وانسجامها مع رتبة الطبقة واهتماماتها المختلفة. وتبرز (النخبة)، أو (الصفوة)، باعتبارها مسؤولة عن (الإمداد الثقافي) لمجتمعها، بما يمنحها الحق في أن تحظى بسلطات معنوية ومادية ملموسة، تمكنها من التأثير الإيجابي في المجتمع وترقيته ثقافياً.
ويؤدي هذا بدوره إلى القول إن فراغ المجتمعات من فئة الممتازين الذين يكفلون لها تميزها الثقافي والعقلي، يحدث فراغاً هائلاً لا تملؤه إلا مشكلات التخلّف، كما في فترات الحرب والاضطرابات والتحولات السياسية العنيفة، فالصفوة فئة لها عدّة أنماط لكل منها دوره البارز في خلاص المجتمعات التاريخي والحضاري، من ذلك: النمط السياسي، والمنظم، والمفكر، والفنان، والأخلاقي، والديني. ولذلك يبدو من المهم، لكل مجتمع يتطلع إلى الترقي، تهيئة المناخ للصفوة لتكون طبقة مجتمعية كاملة، وألا تكون مجرد مجموعة من الممتازين. كما يبدو من المهم ألا يحدث انقطاع في الحوار بين النخب في المجتمع، حتى لا تتبدد جهودها، ويتشتت أثر فعلها الثقافي. ويمكنا القول – من خلال هذه الملاحظات – إن الثقافة نتاج مجتمعي، وأنها – في الوقت ذاته – صانعة المجتمعات.
