آخر الكلام

سيدي الشمعةُ والضبابْ

بقلم غسان عبد الله

كلنا ماضون..

والعطرُ الذي لفَّ صبانا.. يتبدَّد‏.. وخطانا تتمرَّد،‏ وأزاهير تموت.‏

إنني أحبو.. وصوتي لا يُرى‏ ومسائي.. لا يريد‏

صورٌ تتبعُ ظلَّ الأمكنة‏ وسباقٌ لن يطول.‏

آهِ.. إني..‏ أقفُ الآن على حزنِ الصحارى‏ ألثمُ الرملَ.. وأهديه اخضرارا‏

أجمع الآمالَ حولي.. لأغني‏ وأغني..‏ وأغني..‏ آهِ.. إني..‏

صرتُ لا أقوى على الحبو وحيداً‏ وزماني..‏ صار لا يعرفني إلا طريدا.‏

يتشابَهُ دربي ودربي‏.. أنا من هنا سيدي.. ‏

وجئتُ هنا.. مثقلاً بالأكاليلِ‏ كيما أبيع القصائدَ والأمنيات‏

لنرجسةٍ لا تستكين.. لا ينتهي لشذاها.. افتتانْ،‏

أفتِّشُ عن عطرها الشهدِ‏ عن دفْقِها النهرِ‏ عن ظلِّها السنديانْ،‏

وأبحثُ عن صوتِ جدي البعيدِ‏.. البعيدِ‏.. البعيد،‏

حين قال لمَلكٍ تجمَّع في أفقٍ مشرئبِ لما لا يكونْ:‏

سَمِّهِ موسماً وحقولْ‏.. سمِّهِ وطناً ومجامرْ‏.. سمِّهِ ساعةً واحدةْ‏

سمِّهِ لحظةَ الوجلِ الواعدةْ،‏ ثم غنِّ لنا من تمائمه ليلةً وحنانْ‏

وبدراً ثرياً بأوجاعهِ وجمانْ‏

وأهزوجةً للقرى النائمةْ،‏ وتعويذةً للهوى الطفلِ‏.. للَّيلِ‏ .. للمائدةْ

ثم يمضي إلى كهفهِ… طاعناً في الغياب‏ لأبقى.. أفتشُ عن سرِّ وجدٍ وبابْ‏

وعن قطرةِ غيثٍ‏ وعن لحظة في ارتواءِ الرحيلِ‏.. بترنيمة من سرابْ‏

لستُ أتركهُ..‏ نُسِجَ من بياضْ..‏ أقبلَ في بياضْ..‏

يعلِّمني الشمسَ والأمكنةْ‏.. يعلِّمني رعشةَ الريحِ.. والسوسنةْ‏

لستُ أهجرُهُ..

سيدي.. ‏

حين تشربُ أرصفةً في عيونيَ‏ كن سيدَ الحدسِ والدعاءات..‏

كن سيداً.. دون ماءٍ يؤبُ إلى الماءِ.. لن أتركَ ظلالَكَ الوارفاتِ

منك غيثٌ لا تفنى من مناهِلِهُ..

الغيثُ نصفُ الشجنْ..‏ الغيثُ كلُ الشجن.‏.

سأنتظرُ الآن.. أن يتوضأَ بالكلماتْ‏

أن يتوالدَ في الهاجرةْ‏ لأن له ذاكرةْ..‏ لأن له موعداً بعدُ لم يكتملْ.‏

سوف أجمعُ ما كان من أمره.. في فضاءٍ ينوءُ بحملِ الفيافيَ‏

يقبعُ في اللا أوانْ‏.. يُبعثرُ نَزْفاً حدَّ الحقيقةِ في مرهفاتِ الجُملْ.‏

سيدي الآن يرسمُ /يُشعلُ لوناً وقوراً..‏ فينطفئ التيهُ والغرباءْ‏

يرسمُ الآن وصلاً وبينْ‏.. وعمراً مديداً لعافيتينْ‏

فتنداح عن كبدِ العشقِ غيمةْ.‏

ترسمُ الآن أمنيةً وقلقْ‏.. وجوهاً موشحةً بالثلوجِ /ونارْ‏

جباهاً تُحلِّقُ في الأرضِ‏ ظلاً شجياً‏ تسربَ من زفرةٍ في الجدارْ.‏

قلتُ: جاءَ..‏ طبعَ قمراً في الجوارْ.‏

جاءَ كضوء يخاتلني..‏ فتورَّدَ وشمُ المدائنِ.. ثم اندثرْ.‏

جاءَ بهاءً ليحتملَ العشبُ الشجرْ.‏

لستُ أتركُه..‏ فسيدي برزخٌ.. قلتُ،‏

فجاوبني ما تخثّر في الظَّنِ:‏ (ذاك مويلاكَ لم يغفُ يوماً ليرحل).‏

لستُ أتركه..‏ فسيدي كالروحِ تكتبُ أزمانَها‏

كالنظراتِ تعيدُ لأصحابها حصرَ أوهامِ من ظلَّلَ القحطُ أسماءَهم‏

وهو لا ينتمي للمواتِ..‏ ولا ينتمي للحياةْ،‏ ولا يحتمي – حين تُفطمُ أغصانُه – بالجهاتْ.‏

سيدي الآن يجمعُ آثاره..‏ ويجمعُ أنفاسَ من ألِفُوا العشقَ في رجفةِ اللونِ‏

يجمعُ.. ما فاضَ عن حاجةِ القومِ من (تمتماتٍ)‏ ومن غزلٍ كان يكمله أرقٌ واحتجابْ.‏

سيدي الآن يرفلُ متزنِّراً بالنجومِ.. أقولُ،‏ فيصحو الصهيلُ الذي لا أحب بصدري:‏

أعطاني سيدي الآن عرساً من الأمنياتْ‏.. أعطاني ذكرياتْ‏

أعطاني خفقةً وهباتْ‏.. تركَ سيدي فيَّ بدراً وحبراً،‏ شمعةً وضبابْ،‏

وألقى إلى من تحلَّق حولَ ضراعته.. مطراً‏.. مطراً وترابْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *