إقليميات

من السويداء إلى لبنان والعراق: مشروع الدولة الدرزية وأفق تفكيك المنطقة

بقلم زينب عدنان زراقط

من هذا المنطلق الفكري، لا يمكن النظر إلى الواقع في جنوب سوريا، ولا إلى الحديث عن كيانات محلية مسلّحة بدعم خارجي، بوصفه تطوراً أمنياً عابراً. ما يحدث في السويداء، وما يتقاطع معه من ضغوط على لبنان، وحالة الهشاشة المزمنة في العراق، يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل المشرق على أسس طائفية ومناطقية، بما يضمن تفكيك الدول القائمة وإضعاف قدرتها على الفعل السيادي.

بل إن ما يجري في الجنوب السوري منذُ سقوط نظام بشار الأسد، هو مسار مدروس لإعادة إنتاج المنطقة على أسس هشة تُدار من الخارج وتفكك من الداخل. المشهد يشمل التدخل الإسرائيلي، التحركات المحلية للشيخ حكمت الهجري، الدعم الأمريكي، والسعي لتأسيس كيان سياسي جديد تحت غطاء “حماية الأقليات”.

فما هي تفاصيل المخطط الصهيو – أمريكي لتقسيم سوريا وما يحدث من تدخُلات إسرائيلية في السويداء تحت ذريعة الحماية للأقلية الدرزية؟ هل هي خطوة أولى لمخطط ضمن مشروع إقليمي أوسع؟ وما انعكاساته المباشرة على لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بالسيادة والمقاومة، وعلى العراق الذي يواجه تهديداً جغرافياً مماثلاً؟.

في عام 1982، نشر الصحافي والمفكر الإسرائيلي أوديد ينون دراسته الشهيرة في مجلة كيفونيم، واضعاً تصوراً استراتيجياً صريحاً لمستقبل المنطقة من منظور إسرائيلي. اعتبر ينون أن “لبنان” يشكّل النموذج الأسهل للتقسيم بفعل بنيته الطائفية، وأن “سوريا” مرشحة للتفكك إلى دويلات متنازعة، فيما وصف العراق كدولة “مصطنعة” قابلة للتفتيت على أسس قومية ومذهبية. وبعد أكثر من أربعة عقود، تعود هذه الأفكار إلى الواجهة ليس كنصوص نظرية مهملة، بل كخلفية تفسيرية لما نشهده من دعم خارجي لكيانات محلية، ومحاولات إعادة رسم للخرائط من الأطراف، بدءاً من السويداء، وصولاً إلى التهديدات التي تطال لبنان والعراق معاً. وفي هذا الإطار، يأتي تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي أعلن أنه يشعر بـ “ارتباط عميق برؤية إسرائيل الكبرى Greater Israel”، ما يعكس استمرار الفكر التوسعي الذي يتجاوز فلسطين المحتلة ليشمل مناطق في لبنان وربما أجزاء من سوريا والعراق.

بالتوازي، حذر المبعوث الأمريكي توماس باراك من أن لبنان، إذا لم يُحسم ملف سلاح حزب الله، قد “يعود ليُبتلع ضمن بلاد الشام من جديد”، في إشارة صريحة إلى ضغوط إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية وفق مصالح القوى الكبرى. وما كان مجرد تصور نظري قبل أربعة عقود، أصبح اليوم على الأرض واقعاً ملموساً في السويداء، حيث تجري تحضيرات سرية لدعم فصائل درزية مسلحة، مدعومة خارجياً، ضمن مخطط قد يعيد رسم الخرائط ويعيد تعريف النفوذ على الحدود اللبنانية والعراقية، لتكون المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من التوتر والاستقطاب الطائفي والسياسي.

السويداء: المختبر الأول لمشروع التقسيم

كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، أن إسرائيل باشرت بعد تسعة أيام من سقوط نظام بشار الأسد عمليات سرية في محافظة السويداء. ففي 17 كانون الأول 2024، بدأت المروحيات الإسرائيلية تنفيذ إسقاطات جوية شملت أسلحة وذخائر وسترات واقية من الرصاص لتسليح ما يُعرف باسم “المجلس العسكري في السويداء”.

وقد أقر المسؤولون الإسرائيليون بأن هذا الدعم لم يكن مجرد خطوة دفاعية، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد لإقامة قوة محلية مضادة لأي سلطة مركزية في سوريا، وضمن خطة لإضعاف الدولة السورية ومنع توحيدها من جديد. وقد أضافت الصحيفة أن إسرائيل لاحظت أن ليس كل الدروز التفوا حول الشيخ حكمت الهجري، الذي يقود دعوات انفصالية علنية عن دمشق، ما يؤكد أن المشروع مفروض من الخارج وليس نابعاً من إرادة شعبية داخلية.

هنا، يمكن استحضار الشاهد التاريخي: خلال الانتداب الفرنسي على سوريا في عشرينيات القرن الماضي، تم إنشاء دويلات العلويين وجبل الدروز تحت شعار حماية الأقليات، بهدف تفكيك الدولة المركزية وتقسيمها سياسياً وجغرافياً. ما يحدث اليوم ليس جديداً بل إعادة تدوير لسياسات قديمة، ولكن ضمن سياق دولي وإقليمي أكثر تعقيداً.

بينما التطور الأخطر يتمثل في انتقال المشروع من الدعم العسكري إلى المخطط السياسي. فبحسب تقارير صحافية، أعد الشيخ حكمت الهجري خرائط لما سماه “دولة درزية” مستقبلية، مدعومة بشكل مباشر من إسرائيل، تمتد من جنوب سوريا إلى داخل الأراضي العراقية. وقد عُرضت هذه الخرائط على بعض الحكومات الغربية خلال عام 2025، ما يوضح أن المشروع دخل مرحلة التداول الدولي حتى قبل أن يتحقق فعلياً على الأرض. حيث جرى الدّعم للفصائل الدرزية دونَ أن يقتصر على السلاح فقط، بل شمل أيضاً رواتب شهرية بالدولار لحوالي ثلاثة آلاف عنصر، ودعماً لوجستياً وتنظيمياً مستمراً، ما يحوّل هذه الفصائل إلى نواة كيان سياسي جاهز للتمدد. وهذا يوضح أن ما يجري في السويداء ليس حماية للأقليات، بل هندسة سياسية لأدوات انفصالية لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح إسرائيلية – أمريكية، واستخدام الأقليات كغطاء فقط.

بينما على الأرض السورية، يبدو أن الدولة الانتقالية عاجزة عن فرض سلطتها لأنها لا تسيطر على كامل الفصائل المسلحة. إسرائيل تسيطر عملياً على الأجواء السورية وتنفذ ضربات أينما شاءت ومتى شاءت. وما يمنع صداماً مباشراً مع تركيا حتى الآن ليس توازناً عسكرياً، بل هو تفاهم دولي برعاية الولايات المتحدة، حيث يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضمان عدم التصادم المباشر، ما يمنح إسرائيل هامش تحرك شبه مفتوح. في الداخل، السلطة السورية، والدليل ما جرى في تدمر والعمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية، فضلاً عن التفلت المستمر على الحدود مع لبنان.

لبنان والعراق: التهديدات الممتدة

لبنان، بسبب هشاشته السياسية وطابعه الطائفي المعقّد، هو الأكثر تأثراً بهذا المشروع. أي كيان درزي يُنشأ في جنوب سوريا، مدعوم خارجياً، سيؤثر مباشرة على الأمن اللبناني، من الحدود إلى الداخل، ويزيد من احتمال استفزاز النزاعات الطائفية والسياسية. وقد شهدنا في السنوات الماضية كيف انعكست تطورات السويداء والساحل السوري وشرق سوريا على طرابلس والجبل والساحة الداخلية اللبنانية. ولولا تدخل الجيش اللبناني والقوى السياسية في أكثر من محطة، لكان البلد انزلق إلى انفجار واسع.

وفي السياق عينه، يشهد الخطاب السياسي محاولات واضحة للتلاعب بالسيادة الوطنية. هناك من يربط مصير مزارع شبعا بقرار سياسي سوري، متجاهلاً أن الجيش اللبناني شكّل لجنة رسمية وقدّم مستندات تثبت لبنانية الأرض. هذا الرهان على التنازل عن الأرض من أجل نزع ذريعة المقاومة يمثل تفريطاً مقصوداً بالسيادة، لإثارة بداية لأي نزاع.

أما العراق، فإن امتداد “الدولة الدرزية” نحو أراضيه الغربية لا يمكن قراءته إلا كجزء من خطة لتفكيك المشرق، تستهدف خلق مناطق نفوذ خارج سيطرة الدولة المركزية، ما يعيد فتح الجروح التي بدأت بعد تدخلات 2003، حيث شهد العراق محاولات تفكيك ناعم عبر الفيدرالية القسرية والأدوات الأمنية والسياسية.

الأردن وتركيا أيضاً في مرمى المشروع، كون أي كيان انفصالي على الحدود يشكل تهديداً للأمن والاستقرار الإقليمي.

ختاماً، ما يحدث اليوم من السويداء إلى لبنان والعراق ليس سلسلة أحداث عشوائية، بل مشروع تفكيك ممنهج ومتصاعد، يبدأ بنزع عناصر القوة الداخلية، ويمر بابتزاز السيادة، وينتهي بمحاولة إعادة رسم خرائط المنطقة بما يخدم مصالح خارجية. التجربة التاريخية، سواء في الانتداب الفرنسي على سوريا أو في تفكيك يوغوسلافيا السابقة، تؤكد أن هذه العمليات لا تحدث فجأة، بل تبدأ بخطوات صغيرة، وخطاب “حماية الأقليات”، وتنتهي بإعادة إنتاج كيانات سياسية جديدة.

فقد صدق الشهيد الأسمى “السيد حسن نصر الله” حينما لخّص هذا المشهد مبكراً – في بدايات الحرب السورية وقبل سقوط النظام – حين اعتبر أن سقوط سوريا لا يعني تغيير نظام فحسب، بل كسر محور المقاومة بأكمله وإعادة فتح المنطقة على مشاريع التقسيم وإعادة رسم النفوذ.

يجُرّنا الحديث أيضاً لموضوع النازحين السوريين الذين أمسوا يشكلون ربع السكان الموجودين في لبنان وعدم فرض قرار بترحيلهم لأهداف سياسية بحتة. فهل تقوى إسرائيل على مخطط زعزعة أمن لبنان وتفككه من الداخل بإثارة “الفزعة السورية” لأبناء الطائفة الواحدة وانقلاب اللاجئين على البلد الذي آواهم؟. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *