إقليميات

هل تقود استقالة الطبوبي إلى تبني الاتحاد خيار الحزب العمالي؟

بقلم توفيق المديني

إِذْ يعيش اتحاد الشغل التونسي منذ أشهر على وقع أزمة مستمرة بسبب خلافات بين أعضاء مكتبه التنفيذي الذي انقسم إلى شقين: شق يدفع نحو التسريع بتغيير القيادة عبر عقد مؤتمر استثنائي في شهر مارس/ آذار 2026، وشق آخر يساند الأمين العام المستقيل نور الدين الطبوبي، ويتمسك بعقد المؤتمر في موعده الأساسي خلال عام 2027، حيث يتم تسليم قيادة المنظمة عقب انتهاء عهدتها التي تمتد لخمس سنوات وحتى عام 2027.

وتأتي استقالة الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل قبل أسابيع من الإضراب العام الشامل في القطاعين الحكومي والخاص الذي قررت الهيئة الإدارية للاتحاد تنفيذه يوم 21 يناير/كانون الثاني 2026، احتجاجاً على ضرب العمل النقابي وغلق السلطة التنفيذية أبواب الحوار مع النقابات. وكانت الهيئة الإدارية قرِّرَتْ في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول 2025التصعيد بتنفيذ إضراب عام شامل في البلاد في ظل انعدام الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات العمالية منذ فترة طويلة، وفي سياق اجتماعي وسياسي متوتر ومتدهور ومناخ عام متأزم.

وكان الحوار الاجتماعي متوقفاً بين الاتحاد والحكومة منذ أكثر من عامين، وازدادت الأزمة بين الطرفين حدّة، حين صادق البرلمان التونسي في شهر ديسمبر 2025على قانون الموازنة لسنة 2026، الذي تضمن بنداً يسمح للسلطة التنفيذية بالزيادة في رواتب موظفي القطاعين العام والخاص بمقتضى أمر حكومي، دون المرور بالمفاوضات الاجتماعية مع الاتحاد العام التونسي للشغل، على خلاف التقاليد المتعارف عليها منذ أكثر من خمسة عقود.

ويترأس الطبوبي الاتحاد العام التونسي للشغل منذ انتخابه في المؤتمر 23 عام 2017، وأعيد انتخابه لولاية ثانية في فبراير/ شباط 2022، لكن استقالته في الوقت الراهن تفتح فصلاً جديداً في أزمة المنظمة النقابية التونسية. وتعد استقالة الأمين العام لاتحاد الشغل سابقة من نوعها، حيث لم تشهد المنظمة العمالية الأقدم في تونس استقالات مماثلة من قيادة المكتب التنفيذي ما يهدد بتفككها، في وقت تتسم فيه علاقة صلب هياكلها الداخلية بتوتر مع السلطة.

ظهور علامات الشيخوخة في الاتحاد العام التونسي للشغل

يُعَدُّ تقديم نور الدين الطبوبي استقالته سابقة في تاريخ الاتحاد التونسي للشغل، وهذه الاستقالة تعكس في الوقت عينه أزمةً مركّبةً ومعقّدةً، منذ أن دخلت تونس في عصر العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة في عهد نظام الرئيس زين العابدين بن علي ـ ولغاية سقوط نظام في بدلية عام 2011، عقب اندلاع ما بابت يعرف بربيع “الثورات العربية، وتعثر انتقال تونس على مرحلة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية.

لقد أنهك انخراط تونس في نظام العولمة الليبرالية، قوى الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث كانت مؤسسات القطاع العام هي مركز ثقله ومصدر قوّته، على اعتبار أنّ الدولة كانت تقتطع انخراطات العاملين في تلك المؤسّسات من رواتبهم مباشرةً وتُحوّلها إلى مالية الإتحاد.

وساهم تدجين الإتحاد في عهد بن علي، بعد إصراره على إبعاد الزعيم النقابي التاريخيّ الحبيب عاشور، في تفكيك الدور الذي لعبته النقابات في عهد بورقيبة بوصفها السلطة الوحيدة المضادّة للدولة، والقوّة المعدّلة للموازين في وجه الحزب الحاكم ذي النفوذ شبه المطلق. وقد شكّل وقوف الإتحاد في صفّ بن علي خلال مراجعة الدستور في 2002 لضمان مزيدٍ من الولايات الرئاسية، خلافاً للتعهدات التي قطعها على نفسه لدى مجيئه إلى الحكم، أحد العناصر الحاسمة في فقدان الإتحاد قوّته السياسية والرمزيّة السابقة وتصدّع نفوذه لدى القواعد التي باتت في قطيعةٍ مع القيادة.

هكذا شكّل الاتحاد التونسي للشغل حجر الزاوية في الحركة الوطنية في زمن الاستعمار، ولعب على الدوام دوراً رئيساً في الحياة السياسيّة. وأبعد من كونه اتحاد نقابيّ مركزيّ، إنّه بالأحرى أقرب إلى منظّمة اقترنت فيها تاريخيّاً المطالب الاجتماعية بالبرامج السياسية والوطنية. وكان على خلاف ما يجري في سائر الدول العربية، تمتّع بشيء من الاستقلالية – كبيرة أو صغيرة بحسب المراحل – عن أجهزة الدولة ….

ومنذ انخراطه في الثورة التونسية، عمل الاتحاد العام التونسي للشغل على محو الحقبة السوداء التي عاشها في ظل حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، واستعادة عافيته، وتوسيع قاعدته بوصفه القوة الوازنة الرئيسة في البلاد التي استقطبت حوله ليس المنظمات الأهلية فحسب، وإنما أيضا غالبية الأحزاب الصغيرة. وأسهم الاتحاد التونسي للشغل في تشكيل الحكومة الانتقالية الأولى، وأسهم أيضاً في إسقاط حكومة الغنوشي الثانية، وباتت كلمته مؤثّرة في تسيير دفّة السياسة في البلد.

والحال هذه، ارتفع التوتّر أكثر بين الحكومات السابقة في عهد العشرية السوداء (2011-2021) وبين الاتحاد العام التونسي للشغل بسبب دور المعارضة الذي بات يقوم به الاتحاد نيابة عن الأحزاب السياسية المعارِضة، العاجزة عن لعب دورها. فقد قرّر الاتحاد أن يلتزم إلى جانب المجتمع المدنيّ والشعب التونسي بتنوعّاته، ليس من أجل الدفاع عن جماهير الطبقات الفقيرة والمتوسطة وحسب، بل عن الجمهوريّة ومؤسّساتها بنوعٍ خاص. هكذا يتقدّم اتحاد الشغل دفاعاً عن مؤسسات القطاع العام، وبما أنَّ تونس تعيش حالياً مخاض ثورة ديمقراطية عميقة، وهي بصدد بناء نظامها الديمقراطي الجديد، الذي قوامه بناء دولة الحق والقانون، وإقامة تعددية سياسية حقيقية، وإقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة، فإنّ الاتحاد ازداد دوره النقابي والسياسي في زمن الانتقال الديمقراطي، على الرغم من إنّ المدافعين عن العولمة الليبرالية، كانوا يعتقدون أنَّ الاتحاد سيفقد وزنه السياسيّ لسببين رئيسيين: أولهما تراجع دور النقابات في العالم مع تضاؤل حجم القطاع العام في ظلّ العولمة الليبرالية، والثاني هو بروز الأحزاب السياسية في مرحلة الانتقال الديمقراطي، ما سيخطف من الإتحاد دور الملجأ بعدما كانت الجماعات السياسية المختلفة تستجير به من جبروت السلطة. غير أنَّ الأزمة المستفحلة منذ الثورة، التي كانت استقالة الأمين العام الطبوبي إعلاناً صريحاً عنها، كشفت بما لا يدعي أي مجال للشك عن عجز الاتحاد العام التونسي للشغل تطوير ثقافته النقابية في ضوء الانتقال الديمقراطي. كما أسهمت البنية الهرمية للاتحاد في نمو نزعة إقطاعية كانت أشبه بـ “الطائفية النقابية” التي تمرّدت على المكتب التنفيذي.

الاتحاد العام التونسي للشغل وخيار إنشاء حزب عمالي جديد

يرى الخبراء المتابعون للشأن العام التونسي، أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل مرّ بالكثير من التجارب والتوجهات والمدارس الاقتصادية، التي خلقت في داخله نوعاً من الديناميكية والاستثنائية جعلت من الصعب دراسته أو تحليله وفق الآليات المعتمدة في التحليل السوسيولوجي للمنظمات النقابية. وبالنظر إلى المشهد السياسي اليوم يمكن ملاحظة أن جزءاً كبيراً من السياسيين التونسيين دخلوا إلى معترك السياسة بعد تجربة نقابية في صلب اتحاد الشغل، ولهذا يمكن اعتباره الورشة الأولى لتكوين الذات السياسية.

ولم يكن خيار الاتحاد ممارسة العمل السياسي بل ذهب إليه مدفوعاً لأنّ الواقع يفرض عليه ممارسة دور وطني أبعد من الدور النقابي، لا سيما لجهة المشاركة في الانتخابات المقبلة، وتأسيس حزب سياسي جديد (عبر كتلته في البرلمان في حالة مشاركته في الانتخابات المقبلة)، على منوال ما قام به حزب العمال البريطاني الذي تأسس في السنة الأولى من القرن العشرين، وحمل لواء الاشتراكية الديمقراطية ونادى بتوزيع عادل للثروة، ووصل لأول مرة في السلطة سنة 1924، وبعد قرابة قرن تراجع منسوب الاشتراكية في فكره وأصبح جزءاً من يسار الوسط.

وفي ظل غياب الثورة الاقتصادية يبدو حل المعضلة الاقتصادية في تونس بعيد المنال في المنظور الراهن، لا سيما في ظل غياب الاستثمارات العربية والأجنبية التي يمكن أن تحرك العجلة الاقتصادية. وإذا تشكل هذا الحزب الجديد من رحم الاتحاد العام التونسي للشغل، ومن اندماج العديد من منظمات المجتمع المدني، والمناضلين المستقلين، وبعض التنظيمات اليسارية والقومية، فإنّ أولى مهماته هي تطوير أطروحات اقتصادية جديدة، لأن الطرح الاشتراكي اليساري الكلاسيكي لا يمكن أن تكون له نجاعة اليوم، في ظل سيطرة العولمة الليبرالية على الاقتصاد العالمي، وفي إطار مناخ اقتصادي عالمي وإقليمي مرتبطين بالأفكار الليبرالية والرأسمالية، الأمر الذي يتطلب من هذا الحزب الجديد استنباط أطروحات جديدة تطالب بتنمية عادلة والأخذ بعين الاعتبار احتياجات مناطق المحافظات المهمشة والمحرومة، وتغيير التعامل مع القطاع العام من ملكية مشاعة للدولة محكومة ببيروقراطية مقيتة إلى ملكية جماعية كما يجب أن تسيّر قطاعات الإنتاج من قبل أهله بالإدارة الذاتية.

كما يسعى هذا الحزب الجديد إلى بناء نموذج اقتصادي جديد للتنمية من خلال اعتماد أنموذج الاقتصاد الاجتماعي، الذي تؤدي فيه الدولة دوراً جوهرياً في رسم السياسات الاقتصادية والخيارات التنموية. ويتم الجمع بين فعالية اقتصاد السوق وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية ضمن مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي، إذ يمكن من تشريك كل شرائح المجتمع مشاركة فاعلة في التنمية. وللدولة دور مهم في الدورة الاقتصادية بصفتها مراقباً ومنظماً وراعياً دون أن تحل محل القطاع الخاص في إدارة المؤسسات والمشاريع والشركات، فذلك يَحُدُّ من روح المبادرة، ويُؤَثِرُ سلباً على الإنتاجية، ويُؤَدِي إلى تقليص التنافسية، وزيادة الصرف المالي والتوظيف العشوائي، ويُثْقِلُ الميزانية.

      ويؤمن الحزب الجديد بأهمية تكامل دور الدولة والقطاع الخاص والقطاع التعاوني (منظومة الاقتصاد التضامني الاجتماعي) في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية في ظل مناخ يتسم بالشفافية والاستقرار من أجل رفع كفاءة القطاعين العام والخاص معاً والحفاظ على قيمة المال المستثمر فيهما مع دعم كامل لحقوق العاملين.

خاتمة: الحزب العمالي الجديد والدعوة إلى “الطريق الثالث”

إن الخاصية الأولى للحزب العمالي الجديد المزمع إنشائه في تونس، هو تبنيه لفلسفة الاشتراكية الديمقراطية، كنموذج للتغيير السياسي، عبر تحويل تنظيم الطبقة العاملة وباقي الطبقات الشعبية والوسطى إلى قوة سياسية وإلى مقابلة للمجتمع، وهذا ما سيقود إلى تشكيل حزب جماهيري كبير له علاقة عضوية مع منظماته النقابية الموازية. ويُعَدُّ تنظيم الطبقة العاملة كفاعل مركزي مزود بسلطة التفاوض وباقتراحات معاكسة عن طريق العمل النقابي، اكتشافاً اشتراكياً ديمقراطياً أكثر منه شيوعياً. إنّه يعني للاشتراكيين الديمقراطيين، بواسطة العقد المشترك، عقد تسوية طبقية متفاوض عليها وقابلة للمراجعة، بين قوى العمل وقوى رأس المال.

فقد نشأت الاشتراكية الديمقراطية مع وعن طريق تقاطع ديناميكيتين سياسيتين: فمن جهة النضال من أجل الانتخاب المباشر والديمقراطية السياسية، التي هي في الواقع أحزاب ديمقراطية (جمهورية في فرنسا)، ومن جهة أخرى، نقد الرأسمالية وعدم مساواتها ولا عقلانيتها، التي أسهمت في ولادة الأحزاب العمالية ذات التوجه الماركسي- حزب العمال البريطاني يتبنى أيديولوجية مركبة من التقاليد الدينية، وملقحة من النزعة النقابية الإصلاحية.

وفي ظل القطيعة الكبرى التي حدثت في سنة 1917، قبلت الاشتراكية الديمقراطية التعددية الديمقراطية بوضوح، في تعارض مع الشيوعية. ولكن الاشتراكية الديمقراطية، وعلى نقيض الليبرالية، قابلت اقتصاد السوق بشرعية المطالب الاجتماعية، وفضلت دور الدولة. وبعد سنة 1918، واجهت الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية تحدي حكم مجتمعات لازالت في بنيتها الأساسية رأسمالية، وشاركت في ائتلافات مع قوى سياسية أخرى. ولم تكن هذه الأحزاب مهيأة لمواجهة أوضاع حيث لا تستطيع تطبيق “برنامج الحد الأقصى”، أي الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتبادل.

وقد حددت الاشتراكية الديمقراطية برنامجها، وطرائقها، وأهدافها، قبل عشرين سنة من الثورة الروسية. والحال هذه، فإنّ الاشتراكية الديمقراطية هي طريقة التفكير في الإدارة، والإصلاح، والتجاوز، ولم تكن أبداً كنوع من الطريق الثالث. وكانت الفكرة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية ترى أنّ تأميم ملكية وسائل الإنتاج والتبادل ليس ضرورياً لمقاومة لاعقلانية ولامساواة الرأسمالية. وكانت الحكومات التي أرادت مكافحة الفوارق الاجتماعية، وهي تقود سياسات اقتصادية فعالة، طبقت سياسات مضادة للأزمات الدورية من أجل السيطرة على تقلبات السوق، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الحماية الاجتماعي، وتنمية مستوى التعليم. وقدمت أعمال كينز، التي وفقت بين المبادرة الخاصة وقيادة ديمقراطية للاقتصاد، نظرية اقتصادية للاشتراكية الديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *