إقليميات

رضوخ اماراتي للسعودية في حضرموت وعين “أنصار الله” على “إسرائيل”

بقلم نوال النونو

 وقبل الغوص في تفاصيل الأحداث، دعونا هنا نوضح أطراف الصراع في المحافظات اليمنية الجنوبية وفي اليمن بشكل عام، فمنذ عام 2015م دخلت الإمارات والسعودية في عدوان عسكري مباشر على اليمن للقضاء على “أنصار الله” الذين وصلوا إلى السلطة بعد انتصار ثورتهم في عام 2014م، حيث استشعرت السعودية الخطر، معتقدة أن وصول “أنصار الله” إلى الحكم يهدد أمنهم القومي، لأنهم باختصار خارج دائرة تبعيتها، ومنذ ذلك الوقت حشدت السعودية والإمارات فصائل عسكرية مسلحة متنوعة من سلفيين وإخوان مسلمين ويساريين واشتراكيين لقتال الحوثيين والقضاء عليهم، لكن وبعد مرور 10 سنوات كان أنصار الله يسيطرون على شمال اليمن بالكامل باستثناء مدينة مأرب الغنية بالنفط والغاز، والتي هي في كماشة الحصار من قبل أنصار الله، في حين سيطرت الفصائل المسلحة الموالية للسعودية والإمارات على جنوب اليمن، وأجزاء من الساحل الغربي.

 وقبل أسابيع حدث اقتتال بين الفصائل المسلحة التابعة للإمارات والفصائل اليمنية المسلحة التابعة للسعودية، وهزمت فصائل السعودية، ما اضطر المملكة للتدخل بصورة مباشرة وعلنية، وأوعزت لرئيس ما يسمى اليمن رشاد العليمي التابع لها بالمطالبة بإنهاء الوجود الإماراتي في اليمن، كما أعلنت المملكة أن سيطرة فصائل الإمارات في حضرموت والمهرة يهدد أمنها القومي، وأنه إذا لم تنسحب فإنها ستتدخل بالطيران الحربي، وعلى الرغم من كل الوساطات لم تنسحب فصائل الإمارات، فأقدمت السعودية الثلاثاء الماضي على قصف ميناء المكلا، وتدمير أسلحة إماراتية هناك، وهددت الإمارات إذا لم تنسحب في ظرف 24 ساعة فإن الحرب ستزداد اتساعاً.

رضخت الإمارات لتهديدات السعودية، وأعلنت انسحابها من اليمن، في حين انسحبت عدد من الفصائل المسلحة اليمنية الموالية للإمارات من بعض المعسكرات التي سيطرت عليها خلال الأسابيع الماضية، معلنة أنها ستستكمل الانسحاب من معسكرات أخرى.

باختصار، لقد انتصرت السعودية إعلامياً في معركتها مع الإمارات، لكن على الواقع فإن الفصائل العسكرية الموالية للإمارات هي المتحكمة بزمام الأمور، حتى وإن انسحبت من بعض المعسكرات، فإن ذلك من باب المراوغة، لأن السيطرة الفعلية في جنوب اليمن هي لقوات “الانتقالي” المدعوم من الإمارات، وهنا لا تحتاج أبو ظبي للوجود على الأراضي اليمنية، فهي تجيد القيادة من الخلف، وهي سياسة اعتمدت عليها منذ عام 2015م، حيث تكتفي بدعم الفصائل العسكرية اليمنية بالمال والسلاح، وهم يقومون بالواجب لتنفيذ سياستها وأجندتها بكل تفاصيلها.

ترقب حذر لأنصار الله.. المخطط كبير

وخلال الأيام الماضية، التزم “أنصار الله” وحكومة صنعاء الصمت تجاه ما يجري، مكتفين بمراقبة التطورات ومآلاتها، وعلى الرغم من ظهور السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطاب بمناسبة جمعة رجب إلا أنه لم يتطرق أو يلمح لهذه الأحداث، مركزاً على توعية أنصاره بأن الخطر القادم والأكبر في المنطقة برمتها يكمن في الأطماع التوسعية لكيان العدو الإسرائيلي، وداعياً للاستعداد للجولة القادمة من المواجهة التي هي حتمية على حد قوله.

وينظر المسؤولون في صنعاء على أن ما يحدث في المحافظات الجنوبية في اليمن هو احتلال، وسواء سيطرت الفصائل الموالية للإمارات أو الفصائل الموالية للسعودية، فالأمر برمته هو احتلال، وهو مرتبط بتداعيات العدوان على اليمن عام 2015م، مؤكدين أنهم لن يسكتوا طالما استمر الاحتلال، وأنهم سيتحركون بكل ما يستطيعون لتحرير اليمن من الغزاة والمحتلين.

غير أن حكومة صنعاء وقواتها المسلحة تعمل على ترتيب أولوياتها فيما يتعلق بالمواجهة مع أعدائها، وهي الآن تركز على مساندة غزة، ومواجهة العدو الإسرائيلي الذي يتحرك في المنطقة ويسعى لاستباحتها، ومن ذلك إعلانه الأسبوع الماضي الاعتراف “بأرض الصومال” كدولة منفصلة عن الصومال الممزق بفعل الحروب والصراعات الداخلية المدعومة من الخارج.

وتقع “أرض الصومال” في الجهة المقابلة لليمن ويفصلها عن أماكن سيطرة أنصار الله خليج عدن، والبحر الأحمر، ولذلك فقد استشعرت صنعاء الخطر من هذه الخطوة، وخرج السيد عبد الملك الحوثي في بيان قوي وناري، مؤكداً أن أي تواجد عسكري للصهاينة في الصومال سيتم استهدافه عسكرياً.

وأقدمت “إسرائيل” على هذه الخطوة، لتربك “أنصار الله” الذي قدموا أروع إسناد لغزة، وحاصروا الكيان في البحر الأحمر، فمن “أرض الصومال” يمكن قصف المدن اليمنية ومراقبتها والتجسس عليها بسهولة، وبهذا يكون التأثير أقوى على اليمنيين، لأن “إسرائيل” لن تحتاج لقطع مسافة ألفي كيلو متر لقصف اليمن، كما حدث في الجولة الماضية، وستكتفي بتحويل أرض الصومال إلى قاعدة عسكرية لها.

وتزداد الخطورة هنا، مع تحركات الفصائل المسلحة الموالية للإمارات في جنوب اليمن، ومعروف عن هذه الفصائل رغبتها في التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهذا يجعل الكيان الصهيوني يتحكم بأريحية باللعبة، فأي حرب مقبلة في المنطقة لن تضطر [تل أبيب] لمواجهة اليمن عسكرياً، وستكتفي بالدفع بهؤلاء الموالين للإمارات للقيام بالمهمة.

هي ملفات متداخلة إذن، وتدرك صنعاء أن ما يحدث ليس عشوائياً أو عبثاً وإنما محاولات صهيونية للانتقام منها جراء عمليات الإسناد الكبيرة لصنعاء خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة، ولذا تمسك “إسرائيل” بخيوط اللعبة، وتحرك الإمارات وأدواتها وكل ذلك هدفه الضغط على اليمن و”أنصار الله” للخروج من دائرة الإسناد ومناصرة القضية الفلسطينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *