دوليات

أوروبا وضم غرينلاند.. القلق الكبير لا يترجم أفعالاً متناسبة

بقلم ابتسام الشامي

خطوات ديبلوماسية

مضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطواته التمهيدية لضم جزيرة غرينلاند إلى بلاده، وفي ذروة انشغاله بالملف الإيراني وتصعيده ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ملوحاً بعدوان جديد ضدها، أكد ترامب أن ضم الجزيرة التابعة لتاج الدنمارك سيحصل “باللين او بالشدة”، زاعماً أنه إذا لم تقم الولايات المتحدة بالسيطرة عليها فستقوم روسيا والصين بذلك، في محاولة لتبرير اعتدائه على دولة حليفة ذات سيادة، بادّعاءات الأمن القومي لبلاده.

ومع تصاعد التهديد بضم الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية الهائلة، استنفرت دول الاتحاد الأوروبي دبلوماسيتها على خط واشنطن في محاولة لفرملة اندفاعة ترامب، وأرفقته باستعراض عسكري رمزي ارتأت الدول الأوروبية تمييع رسالته بوضعه في البريد الصيني الروسي بدلاً من الأمريكي الذي يجهر بنياته العدوانية. التحرك الأوروبي الدبلوماسي المتزامن مع تقديم عضو الكونغرس عن ولاية فلوريدا راندي فاين مشروع قانون لضم غرينلاند وجعلها الولاية الأمريكية رقم 51، بدأه وزير خارجية الدنمارك لارس لوكه راسموسن بزيارة إلى واشنطن التقى خلالها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية مارك روبيو. ومن العاصمة الأمريكية، أبدى الوزير تشاؤمه من فرص تعديل الموقف الأمريكي، وإذ أكد تشكيل مجموعة عمل تضم إلى الولايات المتحدة الدنمارك وغرينلاند لاستكشاف ما إذا كان بإمكان الأخيرتين معالجة شواغل الولايات المتحدة الأمنية في القطب الشمالي، وكيفية القيام بذلك، نفى ما ذكرته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت من أن هدف المناقشات الفنية داخل المجموعة “الاستحواذ” على غرينلاند.

بدورها أكدت رئيسة وزراء الدانمارك ميته فريدريكسن، وجود خلاف “جوهري” مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند، مشيرة إلى أن واشنطن ما زالت “راغبة في السيطرة” على الجزيرة، وذلك غداة لقاء جمع مسؤولين من الأطراف الثلاثة في البيت الأبيض.

وأضافت فريدريكسن في بيان أن تشكيل مجموعة عمل مشتركة “لا يغير شيئاً من جوهر الخلاف، لأن الطموح الأمريكي بالسيطرة على غرينلاند يبقى دون تغيير”، معتبرة أن ذلك “مسألة خطرة” وأن كوبنهاغن ستواصل جهودها للحؤول دون تحول هذا السيناريو إلى واقع.

عسكرة القطب الشمالي

وعلى وقع التواصل السياسي بين واشنطن وبروكسل، اتخذت عدة دول في حلف شمال الأطلسي إرسال أعداد من العسكريين إلى غرينلاند للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع الدنمارك، وسط تحذير الأخيرة من أن أي هجوم على الجزيرة، سيؤدي إلى إنهاء وجود الناتو، معلنة أنها توسع وجودها العسكري “بالتعاون الوثيق مع حلفاء الناتو”.

وفي سياق توضيح أبعاد الخطة، قال وزير الدفاع الدانماركي ترولس لوند بولسن إن الهدف من عملية “الصمود القطبي” التدريبات المشتركة التي تنظمها بلاده وتشارك فيها عدة دول هو إقامة وجود عسكري أكثر ديمومة في غرينلاند، بالاعتماد على الجيش الدانماركي والحلفاء، وإجراء تدريبات مشتركة”. مشيراً إلى أن الخطة تقوم على “عملية تناوب” لقوات من دول حليفة تدخل إلى الإقليم وتغادره بشكل دوري، رافضاً التعليق على ما إذا كان من بين أهداف هذه المناورات توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة.

وأعلنت كل من فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج، موافقتها على نشر قوة عسكرية في غرينلاند للقيام بمهمة استطلاع تندرج في إطار مناورات “الصمود القطبي”. وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أولى الوحدات العسكرية الفرنسية بدأت بالفعل بالتوجه إلى موقع التدريبات، على أن تلتحق بها وحدات أخرى تباعاً. بدوره قال وزير الخارجية الهولندي إن بلاده قد ترسل قوات إلى غرينلاند، مشيراً إلى أن قراراً بهذا الشأن سيُتخذ قبل نهاية الأسبوع. وفي تبريرها لهذه الخطوة، أوضحت وزارة الدفاع الألمانية في بيان أن قرار إرسال هذه القوة جاء بسبب “التهديدات الروسية والصينية”، من دون الإشارة إلى تهديدات ترامب بالسيطرة على الجزيرة. وجاء في البيان أن “ألمانيا سترسل بالتعاون مع شركاء آخرين في الحلف الأطلسي فريق استطلاع إلى غرينلاند. والهدف هو تقييم سبل ضمان الأمن بوجه “التهديدات الروسية والصينية في الدائرة القطبية الشمالية”.

وفي ظل تعمد الناتو تحييد المخاطر الأمريكية المحدقة بجزيرة غرينلاند وادّعاء وجود تهديدات روسية صينية استدعت استنفار الحلف العسكري الذي تقوده واشنطن، سجلت روسيا تحذيرها من العبث بأمن القطب الشمالي، معربة عن قلقها البالغ إزاء الإعلان عن البعثة العسكرية الأوروبية. وقالت السفارة الروسية في بروكسل في بيان إنه “عوضاً عن القيام بعمل بناء في إطار المؤسسات القائمة، وخصوصاً مجلس القطب الشمالي، اختار حلف شمال الأطلسي مسار عسكرة متسارعاً في الشمال، وعزز حضوره العسكري هناك تحت ذريعة متخيلة هي تهديد عسكري متزايد من موسكو وبكين”.

وعلى خلفية تسارع وتيرة عسكرة الجزيرة، حذرت مجلة نيوزويك الأمريكية من أن ملف غرينلاند أعاد القلق الأمني إلى دول المنطقة لاسيما إلى النرويج، التي ترى نفسها أمام أخطر تحد إستراتيجي منذ عام 1945، ما دفعها للتشديد على سيادتها على أرخبيل سفالبارد في القطب الشمالي. وبحسب المجلة فإن هذا التوتر يتزامن مع تمسك واشنطن بخيار القوة لفرض سيطرتها على غرينلاند إذا اقتضى الأمر، على الرغم من أن النرويج حليف مؤسس في الناتو وتتشارك حدوداً برية حساسة مع روسيا.

خاتمة

في خطواتها المتسارعة لضم جزيرة غرينلاند، ترفع الولايات المتحدة منسوب القلق لدى حلفائها الأوروبيين، ولدى سكان الجزيرة على حد سواء، وإذا كانت الدول الأوروبية قد اختارت سقفاً منخفضاً في التعبير عن هواجسها أو مواجهة المخاطر الكامنة في خطة ترامب، فقد يكون للهجمة الترامبية نتائج عكسية في أوساط السكان المحليين، وهو ما رصدته صحيفة بوليتيكو حتى بين دعاة الاستقلال عن الدانمارك، بسبب ما وصفته بتصريحات ترامب “المتنمرة”، التي جعلت فكرة الالتحاق بالولايات المتحدة أكثر نفوراً وصعوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *