إعرف عدوك

قطاع غزة: بدائل استراتيجية لإسرائيل ما هي الخيارات المتاحة أمام إسرائيل فيما يتعلق بسلوكها في قطاع غزة عام 2026، وكيف ينبغي لها أن تتصرف؟

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

تواجه إسرائيل معضلة بين بديلين رئيسيين: الأول هو السعي إلى استنفاد خيار نزع السلاح وفقاً لخطة ترامب، ولتحقيق هذه الغاية، سيتعين عليها تعديل شروط عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع؛ أما البديل الثاني فيقترح تنفيذ الخطة بشكل تفاضلي، بحيث تُنفذ فقط في المناطق التي تُطهر من حماس وبنيتها التحتية، ولكنه يُخاطر بترسيخ سيطرة حماس في المنطقة الحمراء – المنطقة التي تسيطر عليها حالياً. وهناك بديلان آخران أقل ملاءمة، وهما تجميد الوضع الراهن وخلق وضع قائم جديد، أو العودة إلى القتال لنزع سلاح حماس وتدمير قدراتها وبنيتها التحتية.

في هذه المرحلة، يجب على إسرائيل أن تُظهر موقفاً إيجابياً تجاه خطة ترامب، مع ربط وتيرة إعادة الإعمار بأداء لجنة تكنوقراطية خالية من أعضاء حماس، وتحركات فعالة لتسريح القوات؛ والحفاظ على حرية العمل الأمني المستقلة، مع الامتناع عن قبول المسؤولية المدنية عن قطاع غزة وسكانه؛ وبناء الجاهزية العملياتية لاحتلال القطاع كجزء من “عملية تسريح القطاع” محدودة المدة، والمصممة للسماح بالعودة إلى خطة ترامب في ظل ظروف محسنة.

خلفية

يتضمن مخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (20 نقطة، ت1 2025) وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 ثلاث خطوات عملية:

1- وقف إطلاق النار: عودة جميع الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة

2- إنشاء آليات التنفيذ: مجلس السلام على مستوى القادة، واللجنة الفلسطينية التكنوقراطية للإدارة المدنية لقطاع غزة، وقوة الاستقرار الدولية، وقوات الشرطة الفلسطينية. بالتزامن مع ذلك، زيادة نطاق المساعدات الإنسانية الواردة، وانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي إلى محيط أمني، على مراحل وحسبما تسمح الظروف.

3- عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة: وذلك بعد تنفيذ الإصلاحات اللازمة، وإمكانية استئناف الحوار السياسي الإسرائيلي الفلسطيني

يتم التنفيذ عبر أربعة جهود متوازية:

1- الأمن: يرتكز على نزع الاسلحة – تدمير ومنع إعادة بناء البنية التحتية للإرهاب، بما في ذلك الأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة. شروط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي: (1) إنشاء وتشغيل الشرطة الفلسطينية (بمعزل عن حماس) وقوات الأمن الإسرائيلية؛ (2) تحقيق الاستقرار الأمني؛ (3) الاتفاق على مقاييس ومعايير وجداول زمنية متعلقة بعملية التسريح بين الجيش الإسرائيلي وقوة الاستقرار والدول العربية المعنية والولايات المتحدة؛ (4) ستحافظ إسرائيل على وجود عسكري في محيط أمني (مُخفَّض) إلى حين تأمين قطاع غزة بشكل كافٍ ضد أي تهديد متجدد

2- على الصعيد الحكومي: سيقود الهيكل مجلس سلام مُكلَّف بالمهام التالية: (1) الإشراف على المساعدات الإنسانية؛ (2) إنشاء والإشراف على لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية، تتولى مسؤولية إدارة الخدمات المدنية في غزة؛ (3) وضع خطة إنعاش اقتصادي وعمراني لقطاع غزة؛ (4) الموافقة على مشاركة الدول في قوات الأمن الإسرائيلية ومراقبتها

3- على الصعيدين الاقتصادي والعمراني: سيدعم البنك الدولي ومؤسسات مالية أخرى إعادة تأهيل وتنمية غزة، بما في ذلك من خلال صندوق استئماني مُخصَّص تُديره الدول المانحة. إنشاء منطقة اقتصادية خاصة بامتيازات جمركية وبوابات دخول تفضيلية.

4- إعادة التأهيل الاجتماعي ومكافحة التطرف: سيُمنح نشطاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي ويسلمون أسلحتهم عفواً عاماً، وسيُمنح الراغبون في مغادرة غزة ممراً آمناً إلى الدول المستقبلة. تُعدّ مكافحة التطرف جزءاً لا يتجزأ من إعادة التأهيل الاجتماعي في قطاع غزة

الافتراضات

سيتشكل الواقع في قطاع غزة خلال عام 2026 وفقاً لعدد من الاعتبارات والقيود الإسرائيلية والإقليمية والدولية الداخلية، والتي ستؤثر على مجال المناورة الاستراتيجية لإسرائيل في القطاع. يمكن الإشارة إلى عدد من الافتراضات كأساس لتحليل البدائل الاستراتيجية التي ستواجهها إسرائيل خلال هذا العام:

* عزم إدارة ترامب: ستواصل الإدارة اعتبار تنفيذ خطة ترامب في غزة هدفاً استراتيجياً وسياسياً رئيسياً، يهدف إلى إظهار إنجاز في السياسة الخارجية وخلق زخم لترتيبات إقليمية أوسع. قد يُشكل هذا الدافع ضغطاً على إسرائيل للمضي قدماً في الخطة، حتى مع التنازل عن بعض القضايا الأمنية وتنفيذ نزع السلاح.

* تدويل الصراع: لم يعد اتخاذ القرار المباشر بشأن مستقبل قطاع غزة حكراً على إسرائيل. فقد أدى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 وخطة ترامب إلى واقعٍ باتت فيه الولايات المتحدة وجهات فاعلة أخرى مشاركة بشكل مباشر في صنع القرار بشأن الجوانب الأمنية والمدنية لقضية غزة

* النشاط القطري التركي في مقابل التردد الإقليمي: بينما تُظهر الدوحة وأنقرة تصميماً وتدخلاً مفرطاً، فإن معظم الدول العربية (بما فيها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية) تنتهج استراتيجية إدارة المخاطر وتتجنب التورط العميق في قطاع غزة. ويشترط استعدادها لتحمل المسؤولية ثلاثة ضمانات: أفق سياسي إسرائيلي فلسطيني، ونزع سلاح فعال لحماس، وإصلاح هيكلي في السلطة الفلسطينية.

* إعادة تأهيل حماس مع تعثر العملية: لا تزال الحركة ملتزمة بالكفاح المسلح في إسرائيل، وليست مستعدة لنزع سلاح حقيقي وكامل، إن كانت مستعدة أصلاً. طالما استمر الوضع الراهن، حيث لا يوجد تقدم عملي في تطبيق الإطار السياسي من جهة، ولا عودة إلى قوة عسكرية إسرائيلية فاعلة من جهة أخرى، ستستغل حماس الوضع لاستعادة قدراتها العسكرية وسيطرتها على القطاع وسكانه.

 * محدودية السلطة الفلسطينية: في ظل قيادتها الحالية، تعجز السلطة الفلسطينية عن تنفيذ الإصلاحات الجوهرية اللازمة لعودتها الكاملة لإدارة قطاع غزة

* المتلفون: قد يكون للتطورات السلبية في ساحات أخرى (إيران، لبنان، الضفة الغربية) تداعيات على غزة، مما قد يعرقل خطة التسوية

تسعى السياسة الإسرائيلية الحالية إلى تحقيق الأهداف التالية:

* منع إعادة تأهيل حماس عسكرياً ومدنياً، وإضعافها، وجعلها عاملاً غير مؤثر

* الحد من التهديد الأمني من قطاع غزة تدريجياً

* تنسيق استراتيجي وثيق مع إدارة ترامب، وتضييق الفجوات السياسية

* فرض سيطرة طويلة الأمد على “محيط أمني موسع”، يشمل الحدود الشمالية، ورفح، ومحور فيلادلفيا

* تجنب تحميل إسرائيل المسؤولية المدنية عن القطاع وسكانه

* تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية التأخير، وتجنب خسارة “لعبة إلقاء اللوم

* مواصلة الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، ومنع السلطة الفلسطينية بنشاط من استعادة السيطرة على القطاع بشكله الحالي، مع محاولة تعزيز نفوذ القوى المحلية

* التمسك بفكرة مسار التطبيع، وتوسيع “اتفاقيات إبراهيم

الواقع الناشئ: قطاع غزة منقسم: “منطقة خضراء” تحت السيطرة الإسرائيلية (شرقاً/شمالاً/جنوباً) مقابل “منطقة حمراء” تحت سيطرة حماس (غرباً)، دون وجود كيان حكم بديل فعال

البدائل الاستراتيجية

البديل أ: إحراز تقدم في خطة ترامب

* الاستراتيجية – إبداء استعداد مبدئي لتنفيذ خطة ترامب وقرار مجلس الأمن 2803، مع وضع نزع السلاح الأمني في صميم العملية كأمر لا يقبل المساومة، مع إبداء استعداد معين للتنازل بشأن مطالب السلطة الفلسطينية.

* المنطق والفائدة – نقل الضغط السياسي إلى الجانب الفلسطيني. ستسعى إسرائيل إلى تفكيك قدرات حماس إلى أقصى حد، وستُبدي مرونة في مطالبها المتعلقة بالإصلاحات المدنية في السلطة الفلسطينية، لضمان الالتزام التام بالمطالب الأمنية، ووقف التحريض، ومنع تمويل الإرهاب.

* عوامل التنفيذ – خلق “ضغط ثلاثي” منسق على إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية (على التوالي من قِبل الولايات المتحدة وقطر وتركيا والدول العربية)، وربط الأفق السياسي بالأداء الأمني على أرض الواقع، واستعداد دول الخليج (باستثناء قطر) لتحمل المسؤولية والتمويل

* المخاطر والتكاليف – الخوف من انزلاق الأمور نحو منحىً خطير قد يؤدي إلى ضغوط لتقديم تنازلات أمنية مبكرة؛ منح الشرعية للسلطة الفلسطينية مع التخلي عن الإصلاحات – وهي قضية مثيرة للجدل السياسي في إسرائيل؛ الضغوط الأمريكية لمشاركة تركيا وقطر.

* التحوط من المخاطر – وضع معايير أمنية واضحة (تفكيك البنية التحتية تحت الأرض وورش تصنيع وتجميع الأسلحة، وجمع الأسلحة الثقيلة) في قطاع غزة، كشروط صارمة للانتقال بين المراحل وبدء عملية إعادة الإعمار؛ تلبية الشروط الأساسية للسلطة الفلسطينية (سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد، وقف التحريض، ودفع تعويضات للأسرى وعائلات الشهداء)؛ ضمان اعتراف الولايات المتحدة بحق إسرائيل في العمل عسكرياً لدحر التهديدات ومنع تجدد التصعيد، بغض النظر عن التقدم المحرز في العملية المدنية؛ وضع خط أحمر لمشاركة تركيا وقطر في قوات الأمن الإسرائيلية وقوات الشرطة الفلسطينية

الخيار ب: التركيز على المنطقة الخضراء

* الاستراتيجية: تطبيق تدريجي ومتدرج لخطة ترامب في المناطق “الخضراء” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والتي يتم تطهيرها من بنية حماس التحتية والإرهابية (مثل رفح والحدود الشمالية)؛ مع تعزيز الرقابة الأمنية الإسرائيلية.

* المنطق والجدوى: دراسة جدوى وفعالية اللجنة التكنوقراطية وقوات الأمن الإسرائيلية. إنشاء نموذج نجاح محلي يشمل سلطة محلية. قد يؤدي التفاوت في مستوى المعيشة بين المناطق التي يجري إعادة تأهيلها والمناطق الخاضعة لسيطرة حماس إلى ضغوط داخلية على حماس لتسليم أسلحتها للشرطة الفلسطينية، فضلاً عن تشجيع انتقال السكان من أراضيها إلى المناطق التي يجري إعادة تأهيلها

* محفزات للتنفيذ: استمرار رفض حماس نزع السلاح، ومحدودية صلاحيات قوة الاستقرار في نزع السلاح بالقوة، والاتفاق الأمريكي المصري على “نموذج نجاح” مُحدد في المناطق الخضراء بدعم من تمويل دولي

* المخاطر والتكاليف: ترسيخ حماس سيطرتها على المنطقة “الحمراء” كأمر واقع؛ تدهور الوضع الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة حماس مما سيؤدي إلى ضغوط دولية لبدء إعادة الإعمار هناك أيضاً؛ عدم تعاون المجتمع الدولي والدول العربية؛ نشاط حماس الإرهابي ضد “المنطقة الخضراء” بهدف إحباط المشروع

* الاستراتيجية: التنفيذ التدريجي والمتدرج لخطة ترامب في المناطق “الخضراء” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والتي يتم تطهيرها من بنية حماس التحتية والإرهابية (مثل رفح والحدود الشمالية)

* التحوط من المخاطر: أي عملية إعادة إعمار في منطقة معينة ستكون مشروطة بنزع سلاح فعال ومثبت في تلك المنطقة؛ إنشاء فصل مادي صارم بين المنطقتين الخضراء والحمراء، وتوفير حماية عالية الجودة للمناطق الخضراء؛ تسريع إعادة الإعمار في المناطق المطهرّة، واستغلالها لجذب السكان من المناطق الخاضعة لسيطرة حماس؛ وضع آليات للتصاريح وإجراء فحوصات أمنية لحركة الأفراد والبضائع؛ الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على محيط أمني موسع، وحرية العمل لإحباط التهديدات، إلى حين إثبات قدرات إنفاذ القانون ونزع السلاح على أرض الواقع.

 الخيار ج: الإبقاء على الوضع الراهن (استمرار السياسة الحالية)

* الاستراتيجية: إصلاح الوضع الراهن الذي تسيطر فيه إسرائيل على 54% من قطاع غزة (المنطقة الخضراء) بينما تبقى حماس ذات سيادة في المنطقة الحمراء؛ ومنع دخول السلطة الفلسطينية، ومواصلة الفصل بين المناطق، بما في ذلك بين الضفة الغربية وقطاع غزة

* المنطق والفائدة: تعزيز الدفاع عن غرب النقب، وتجنب مناقشة أي تسوية سياسية طالما بقيت حماس في السلطة، وإضعاف التنظيم تحت وطأة مسؤولية رعاية سكان يفتقرون إلى موارد إعادة التأهيل (المساعدات الإنسانية فقط)

* محفزات التنفيذ: تراجع تصميم إدارة ترامب على تنفيذ الخطوط العريضة، والإرهاق في النظام الدولي، ورغبة الأطراف في تجنب القرارات الاستراتيجية الصعبة (من وجهة نظر إسرائيل، خاصةً في سياق عام انتخابي)

* المخاطر والتكاليف: فراغ حكومي يسمح لحماس باستعادة قوتها تحت غطاء إنساني؛ تدخل قطر وتركيا العدائي لملء الفراغ المدني؛ تآكل الشرعية الدولية لإسرائيل وتحميلها مسؤولية الأزمة الإنسانية؛ انعدام الحافز لإجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية. خطر تصعيد واسع النطاق في وقت غير مناسب لإسرائيل.

* التحوط من المخاطر: تبني عقيدة “الضربة القاضية” (غارات واضطرابات في المنطقة الحمراء)؛ استخدام حق النقض (الفيتو) على مشاركة قطر وتركيا في الإدارة المدنية؛ تمكين استمرار الجهود الإنسانية الدولية؛ استخدام خطة ترامب كغطاء دبلوماسي لتحويل الأنظار عن حماس ومنع تآكل شرعيتها.

الخيار د: العودة إلى الحرب

* الاستراتيجية: الطريقة الفعالة الوحيدة لتفكيك قدرات حماس على نطاق واسع وتدمير البنية التحتية للأنفاق، ومواقع إنتاج وتخزين الأسلحة في جميع أنحاء قطاع غزة

* المنطق والفائدة: منع استمرار حماس في العمل بعد 7 ت1؛ استعادة الحرية العملياتية الكاملة للجيش الإسرائيلي؛ تفكيك الأنفاق وتدمير القدرات الإنتاجية دون قيود. كل هذا كأساس لتحقيق مصالح إسرائيل الأمنية وتهيئة الظروف لاستمرار نجاح خطة ترامب

* محفزات التنفيذ: الفشل المؤكد في تنفيذ تسريح القوات ومكونات أخرى من خطة ترامب. تحديد انتهاك جوهري للتفاهمات وعمليات تصعيد سريعة تُعتبر غير مقبولة؛ قوات الأمن الإسرائيلية والشرطة الفلسطينية عاجزتان.

* المخاطر والتكاليف: احتلال كامل لقطاع غزة وتحمّل المسؤولية المدنية الشاملة عن سكان غزة؛ عبء اقتصادي ثقيل؛ غياب جهة فلسطينية أو دولية لنقل المسؤولية لاحقاً؛ تعميق الانقسام الداخلي في إسرائيل؛ خطر العزلة الدولية واحتكاك حاد مع إدارة ترامب.

 * التحوّط من المخاطر: تأطير المعركة كعملية نزع سلاح مؤقتة وليست احتلالاً دائماً؛ تنسيق استراتيجي وثيق مع إدارة ترامب؛ إعداد استراتيجية خروج لنقل الصلاحيات. تُنقل الصلاحيات إلى اللجنة التكنوقراطية وقوة الاستقرار والشرطة الفلسطينية فور انتهاء مرحلة التطهير العسكري

المعضلات والتوترات

أ. عدم التوافق بين الاستراتيجية الإسرائيلية وخطة ترامب

ثمة تعارض بنيوي بين الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية، التي تركز على عتبات أمنية صارمة للانتقال بين المراحل، وبين سعي الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب سياسية سريعة. إن التمسك بنموذج تدريجي قد يُعرقل تنفيذ خطة ترامب، وفي الوقت نفسه، تواصل حماس إعادة بناء نفسها عسكرياً ومدنياً، مما يجعل سيطرتها المتجددة أمراً واقعاً على الأرض. من جهة أخرى، فإن التنازل عن الشروط الأساسية، كالموافقة على إعادة الإعمار دون نزع سلاح فعلي، أو تخفيف المطالب المفروضة على السلطة الفلسطينية، يضر أيضاً بالمصالح الإسرائيلية

ب. عملية نزع السلاح – ضرورة التدرج وتحديد الأولويات

حتى بافتراض أن حماس ستوافق على نزع سلاح حقيقي، وهو أمر مستبعد، تُظهر دراسات حالة من مناطق نزاع أخرى أن عمليات نزع السلاح التي تتم بموجب اتفاقيات (وليس بالوسائل العسكرية) تستمر لسنوات عديدة. نظراً لضرورة تنفيذ عملية التسريح على مراحل، يُوصى بالتركيز مبدئياً على تدمير البنية التحتية للأنفاق و”الأسلحة الثقيلة”، بما في ذلك منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدبابات (يُقترح عدم استخدام مصطلحي “الأسلحة الهجومية” و”الدفاعية” لأنهما قابلان للتأويل). كما يمكن التعامل الفوري مع الأسلحة الخفيفة من خلال تقديم حوافز شخصية لتسليمها. ومن المهم أيضاً الحفاظ على مبدأ “تساوي عمق إعادة التأهيل مع عمق نزع الأسلحة “

ج. السلطة الفلسطينية – التوتر بين الإخفاقات الهيكلية وأهمية العملية

تُشكّل مسألة دمج السلطة الفلسطينية معضلة هيكلية بين اتجاهين متعارضين. فمن جهة، يُلقي ضعف السلطة وإخفاقاتها في مجالي الفساد والتحريض بظلال من الشك على قدرتها على استعادة مكانتها القيادية في الأمن والحكم في قطاع غزة. من جهة أخرى، تُعدّ السلطة الفلسطينية الخيار المؤسسي الوحيد القادر على منع فراغ حكومي في قطاع غزة، والحصول على دعم واسع النطاق من المجتمع الدولي والدول العربية المعتدلة، والحدّ من نفوذ حماس.

د. المشاركة الإقليمية – تقسيم العمل الوظيفي

يتطلب الأمر تقسيماً وظيفياً للعمل بين الأطراف الإقليمية الفاعلة: ستركز مصر والإمارات العربية المتحدة على إرساء حكم بديل معتدل وعلى عمليات نزع التطرف؛ وستقود دول الخليج والجهات الدولية الفاعلة الاستثمار في إعادة الإعمار؛ بينما ستقتصر مهمة قطر وتركيا على ممارسة الضغط السياسي لنزع سلاح حماس. ولتحييد احتمالية دعم الدوحة وأنقرة لنزع سلاح حماس أو مماطلتهما، لن تخضع آلية نزع السلاح للتحكيم السياسي، بل ستستند إلى قائمة محددة مسبقاً من “الانتهاكات الجوهرية” تجاه الولايات المتحدة. إن تحديد أي انتهاك – سواء كان فنياً أو عملياتياً – سيضفي شرعية تلقائية على حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية، بغض النظر عن موافقة الدول الوسيطة.

هـ. الخلاصة.. المفاضلة الاستراتيجية

بافتراض أن إدارة ترامب لن تسمح لإسرائيل بالعودة إلى حرب شاملة في قطاع غزة في المستقبل المنظور، فإن إسرائيل أمام خيارين متناقضين:

1- السعي إلى استنفاد خطة ترامب، مع التركيز أولاً على المنطقة الخضراء تحت سيطرة أمنية إسرائيلية متزايدة، والاستعداد لاحقاً لدفع ثمن عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، حتى دون الالتزام الكامل بالإصلاحات الهيكلية.

2- إحباط الخطة وترسيخ الوضع الراهن. قبول وجود حماس وسيطرتها كأمر واقع في قطاع غزة، بالتوازي مع تعزيز إسرائيل لسيطرتها على محيطها الأمني، مما يوفر هوامش أمنية عملياتية، يمنح إسرائيل وقتاً، ولكنه يُديم غياب بديل للحكم.

التوصيات:

* تبني خطاب “الإيجابية المشروطة”: تقديم إسرائيل كطرف ملتزم بخطة ترامب للحفاظ على شرعيتها وإلقاء عبء الإثبات على الفلسطينيين. هذا يعني عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع حتى قبل اكتمال الإصلاحات؛ وغياب صلاحيات نزع السلاح عن قوات الأمن الإسرائيلية؛ وبقاء حماس قوة مؤثرة لا يُستهان بها. لذا، يجب أن تكون كل خطوة في التقدم مشروطة بأداء مُثبت على أرض الواقع، مع التركيز على متطلبات النزع

* فصل المسؤوليات المدنية عن الأمنية: قبول إشراك آلية مدنية لإدارة الحياة اليومية (لجنة تكنوقراطية أو سلطة فلسطينية مُحسّنة)، مع الحفاظ على حرية العمل الأمنية الكاملة للجيش الإسرائيلي في حال وجود تهديدات حقيقية، على غرار نموذج العمليات في المنطقة (أ) في الضفة الغربية

* إعادة الإعمار كأداة استراتيجية: ربط وتيرة إعادة الإعمار في المناطق الخضراء بأداء الكيانات الحكومية البديلة (اللجنة التكنوقراطية، والسلطات المحلية، والشرطة الفلسطينية، وقوة الاستقرار)، كـ “نموذج تجريبي” قبل البدء في إعادة بناء البنية التحتية. هذا المبدأ ذو صلة في حالة التركيز على المنطقة الخضراء (الخيار ب). على الرغم من أن هذا البديل يركز على خلق اتجاه إيجابي في المناطق المنزوعة السلاح فقط، إلا أنه ينطوي على نقاط ضعف، منها خطر ترسيخ حماس وجودها في غرب قطاع غزة وصعوبة دمج السلطة الفلسطينية لاحقاً. على أي حال، الرسالة الأساسية هي أنه لن يكون هناك إعادة إعمار في المناطق التي تسيطر عليها حماس والتي لا تخلو من الأسلحة والبنية التحتية الإرهابية.

* إعداد بديل “العودة إلى المعركة”: الحفاظ على الجاهزية العملياتية لتحقيق نصر عسكري كامل كخطة احتياطية في حال انهيار البدائل السياسية، مع ضمان إطار للشرعية الأمريكية، و”آلية خروج” تستند إلى العودة إلى خطة ترامب الأصلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *